شكر النعم قبل زوالها ليس ترفًا إيمانيًا، بل يقظة قلبية تحفظ الإنسان من أن يعتاد العافية والستر والبيت والصوت القريب حتى يظنها أشياء عادية. هذه المقالة تكشف كيف يصنع الاعتياد عمى خفيًا، ولماذا لا ينبغي أن ننتظر الفقد حتى نعرف قيمة ما عندنا، وكيف نتعلم الحمد على النعمة وهي حاضرة لا بعد أن تصير ذكرى موجعة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
ليس كل ما لا تبكي عليه قليلًا.
أحيانًا لا تبكي على النعمة لأنها ما زالت في يدك، لا لأنها صغيرة.
تمشي على قدميك فلا تنتبه.
تفتح عينيك كل صباح فلا تندهش.
تسمع صوت من تحب فلا ترتجف شكرًا.
تدخل بيتك فتجده كما تركته، فتظنه أمرًا عاديًا.
تنام دون جهاز يراقب تنفسك، وتأكل دون أن تستأذن ألمًا في جسدك، وتخرج وتعود، وتتكلم وتضحك، ثم تقول في آخر اليوم: لم يحدث شيء.
وقد يكون هذا “اللا شيء” هو النعمة التي لو غابت عنك لبكيت عمرًا.
هذا هو عمى الاعتياد: أن يظل الخير قريبًا منك حتى يفقد في عينك هيبته، وأن تظل النعمة تطرق بابك كل يوم حتى تظن أنها جزء من الأثاث، لا عطية من الله.
والسؤال الذي لا نحب أن نواجهه:
كم نعمة نعاملها كأنها عادية، مع أننا لو فقدناها صارت عنوان بكائنا؟
قال الله تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
[إبراهيم: 34]
ليست الآية تقول إن نعم الله كثيرة فقط، بل تكشف عجز الإنسان عن الإحاطة بما يعيش داخله كل يوم. هناك نعم ظاهرة نعرف أسماءها، ونعم خفية لا نعرف أنها تعمل إلا حين تتوقف. وهناك نعم لا يلتفت إليها القلب لأنها لم تصرخ، ولم تتأخر، ولم توضع في امتحان الفقد.
ومن هنا تأتي الزاوية التي تقلب المعنى: قد لا تكون حاجتك الأولى أن تُعطى نعمة جديدة، بل أن تستيقظ لنعمة قديمة صارت مألوفة في عينك. قد لا يكون الفقر في يدك، بل في بصرك. وقد يكون من رحمة الله بك أن يوقظك للشكر قبل أن يوقظك الفقد.
لا نحيط بحكمة الله، ولا نجزم لماذا يبقى شيء أو يزول، لكننا نعلم أن من لطف الله أن يردّ القلب إلى رؤية عطاياه قبل أن يربّيه غيابها على قيمتها.
حين لا نرى النعمة إلا بعد انكسارها
من غرائب النفس أنها لا تعرف وزن الباب المفتوح إلا إذا أُغلق، ولا قيمة الصوت إلا إذا غاب، ولا معنى العافية إلا إذا صار الجسد مشروع قلق، ولا نعمة الأهل إلا إذا صار المكان ممتلئًا بأشياء كثيرة وفارغًا من شخص واحد.
قد كان يزعجك صوت في البيت، ثم إذا سكت إلى الأبد صرت تتمنى لو عاد بكل إزعاجه.
وكانت نصيحة أمك ثقيلة أحيانًا، ثم إذا غابت تمنيت كلمة واحدة منها ولو جاءت كما كانت.
وكانت عافية جسدك أمرًا مألوفًا، ثم حين يختل عضو صغير تعرف أن حياتك كلها كانت قائمة على نعمة لم تشكرها كما ينبغي.
وكان العمل الذي تتذمر منه باب ستر ورزق، فإذا ضاق أو فُقد عرفت أن المشقة لم تكن كلها شرًا.
وكانت الصلاة التي تؤديها بتثاقل حبلًا بينك وبين الله، فإذا جاءك فتور شديد أو انقطاع مؤلم عرفت أن بقاءك عند الباب كان نعمة عظيمة.
النفس لا تنتبه كثيرًا لما يحملها بصمت.
تنتبه للمال إذا نقص، ولا تنتبه لليد التي تكسب.
تنتبه للوجع إذا حضر، ولا تنتبه للعافية التي كانت تحرس أيامها بلا إعلان.
تنتبه لمن خذلها، ولا تنتبه لمن ظلّ ثابتًا قربها دون ضجيج.
تنتبه للباب الذي لم يُفتح، ولا تنتبه للأبواب التي لم تُغلق بعد.
وهذا ليس لأن القلب شرير، بل لأنه يعتاد. والاعتياد إذا لم يوقظه الشكر قد يتحول إلى غفلة مهذبة؛ غفلة لا تنكر النعمة بلسانها، لكنها لا تعطيها حقها في القلب. وهذا قريب من سؤال لماذا لا نشكر الله على النعم حين يغمرنا الله بالعطاء ولا نلتفت.
النعمة الصامتة لا تعني النعمة الصغيرة
هناك نعم لا تلمع، لكنها تحمل الحياة.
نعمة أن تقوم من نومك فلا تحتاج من يرفعك.
نعمة أن تبتلع ماءً دون ألم.
نعمة أن يمر يومك بلا خبر فاجع.
نعمة أن تملك سترًا على ذنب لو كُشف لتغيرت وجوه كثيرة حولك.
نعمة أن يكون عندك من تقول له: كيف حالك؟ فيجيبك.
نعمة أن تجد في قلبك بقية خوف من الله إذا أخطأت.
نعمة أن تتألم من ذنبك، ولو كنت ضعيفًا في تركه.
نعمة أن يردك الله إلى الدعاء بعد طول تشتت.
نعمة أن تُحرم من طريق كان يمكن أن يسرق دينك وأنت تظنه فرصة.
ليست كل نعمة تأتي على هيئة زيادة. بعض النعم تأتي على هيئة بقاء: بقيت صحتك، بقي سترك، بقي قلبك يعرف الله، بقي فيك حياء، بقي فيك خوف، بقي حولك من يحبك، بقي لك باب توبة، بقيت قادرًا أن تقول: يا رب.
وهذه النعم الباقية قد لا نبكي عليها لأنها لم تغادرنا بعد.
لكن العاقل لا ينتظر جنازة النعمة حتى يعرف قدرها.
كيف تخدعنا النفس؟
النفس تقول: سأشكر إذا جاء الشيء الكبير.
إذا فُتح الباب.
إذا تحسن الرزق.
إذا جاء القبول.
إذا زال المرض.
إذا تزوجت.
إذا أنجبت.
إذا سددت الدين.
إذا استقرت حياتي.
إذا عاد من غاب.
إذا تبدلت الظروف.
وكأن الشكر مؤجل إلى موسم خاص، مع أن الإنسان غارق في عطايا لا يعرف عددها.
وقد تفتح النفس مكتبًا صغيرًا للمقارنات اليومية: هذا عنده أكثر، وهذه حياتها أهدأ، وهذا وصل أسرع، وتلك فُتح لها باب لم يُفتح لي. ثم تنتهي الجلسة بحكم جائر: ليس عندي ما يُشكر.
مع أن الجملة نفسها تحتاج نعمة حتى تُقال: لسان يتحرك، وعقل يفكر، وقلب يشعر، ووقت ما زال ممتدًا، وباب إلى الله لم يُغلق.
أحيانًا نؤجل الشكر لأننا ننتظر نعمة صاخبة، وننسى أن أكثر ما يحفظنا نعم هادئة لا تتصدر المشهد.
فقرة الميزان
ليس المقصود أن نطلب من المتعب أن يتجاهل ألمه، ولا من المحروم أن يتظاهر بالاكتفاء، ولا من المبتلى أن يقول عن جرحه إنه لا يوجعه. الاعتراف بالنعم لا يلغي الوجع، والشكر لا يعني أن الإنسان لم يعد يحتاج، والرضا لا يمنع الدعاء بطلب الفرج والسعة والعافية.
لا نقول لمن يبكي: لا تبكِ، عندك نعم.
ولا نقول لمن فقد: احمد الله فقط واسكت.
ولا نقول لمن ينتظر: عيب أن تتألم.
هذا ليس ميزانًا صحيحًا.
الميزان أن يتألم القلب دون أن يعمى، وأن يطلب المفقود دون أن يحتقر الموجود، وأن يبكي على ما غاب دون أن ينسى ما بقي، وأن يعرف أن البلاء لا يمحو النعم كلها، كما أن النعم لا تلغي حقيقة البلاء.
الشكر ليس إنكارًا للجرح، بل حماية للقلب من أن يجعل الجرح مترجمًا وحيدًا للحياة.
والعبد قد يجتمع في قلبه وجع وشكر، حاجة ورضا، دمعة وحسن ظن. وليس مطلوبًا منه أن يكون حجرًا لا يتأثر، بل أن يكون عبدًا لا ينسى ربه عند النقص، ولا ينسى فضله عند الاعتياد.
كيف تتعلم شكر النعمة قبل فقدها؟
ابدأ بأن تغيّر اسم الأشياء في قلبك.
لا تسمِّ العافية أمرًا عاديًا.
لا تسمِّ الستر حظًا.
لا تسمِّ وجود من يحبك تفصيلًا صغيرًا.
لا تسمِّ القدرة على الصلاة عادة.
لا تسمِّ اليوم الهادئ يومًا فارغًا.
لا تسمِّ الرزق القليل لا شيء.
لا تسمِّ السلام من المصائب مللًا.
الأسماء تصنع البصيرة. فإذا سميت النعمة باسمها، بدأ القلب يستحي أن يتعامل معها كأنها حق مضمون.
ثم اجعل لك وقفة قصيرة مع النعم التي لا تنتبه لها. لا تحتاج إلى دفتر طويل ولا طقس معقد. قبل أن تنام، اسأل نفسك: ما النعمة التي كانت معي اليوم ولم أشعر بها؟ قد تكون وجبة هادئة، اتصالًا من قريب، سترًا على خطأ، طريقًا آمنًا، صلاة في وقتها، جسدًا لم يصرخ، أو قلبًا لم ينقطع عن الله رغم ضعفه.
واشكر الله على النعمة وهي حاضرة. قل: الحمد لله على ما بقي، لا على ما جاء فقط. الحمد لله على ما ستر، لا على ما ظهر فقط. الحمد لله على ما صرف، لا على ما أعطى فقط. الحمد لله على أبواب لم أفهمها، وعلى ألطاف لا أعرف أسماءها.
وهذا من معنى لئن شكرتم لأزيدنكم؛ فالشكر ليس كلمة بعد العطاء فقط، بل طريقة عيش ترى النعمة وتحفظها وتستعملها فيما يرضي الله.
ثم عامل النعم القريبة برفق. لا تؤذِ قلبًا يحبك ثم تبكي عليه إذا غاب. لا تحتقر باب رزق حلالًا ثم تعرف قيمته عند فقده. لا تستنزف صحتك عمدًا ثم تسأل أين ذهبت العافية. لا تؤجل الرجوع إلى الله كأن العمر عقد مضمون. لا تجعل الصلاة آخر ما تهتم به ثم تندهش من جفاف قلبك.
ومن العلاج أيضًا أن تُدخل الشكر في تفاصيل اليوم، لا أن تجعله كلمة عامة بعد الأخبار السعيدة. إذا شربت، فاذكر أن غيرك يتمنى شربة بلا ألم. إذا دخلت بيتك، فاذكر أن غيرك يبحث عن سقف آمن. إذا سمعت صوت من تحب، فلا تؤجل تقدير النعمة إلى يوم لا يجيب فيه الهاتف. إذا ستر الله عليك، فلا تجعل الستر جرأة على التمادي، بل اجعله باب حياء ورجوع.
فالنعمة إذا لم تُقابل بالشكر قد تدخل العبد في امتحان آخر، وقد تتحول من باب قرب إلى باب غفلة، كما في معنى تحول النعمة إلى فتنة بعد الدعاء بها.
بعض النعم لا تحتاج منك قصيدة، تحتاج فقط ألا تهينها بالغفلة.
أسئلة شائعة حول شكر النعم قبل زوالها
ما معنى شكر النعم قبل زوالها؟
معناه أن ينتبه القلب إلى النعمة وهي حاضرة، لا بعد أن تتحول إلى فقد أو ذكرى. فالعافية، والستر، والصوت القريب، والرزق الحلال، وباب التوبة، كلها نعم قد يعتادها الإنسان حتى يظنها عادية. شكرها قبل زوالها يعني رؤيتها، ونسبتها إلى الله، واستعمالها فيما يرضيه، وعدم التعامل معها كحق مضمون.
هل تذكّر النعم يعني تجاهل الألم والبلاء؟
لا. تذكّر النعم لا يعني إنكار الجرح، ولا مطالبة المبتلى أن يتظاهر بالاكتفاء. قد يجتمع في قلب العبد ألم وشكر، حاجة ورضا، دمعة وحسن ظن. المقصود أن لا يجعل الإنسان وجعه المترجم الوحيد لحياته، ولا يسمح للمفقود أن يحجب الموجود، ولا ينسى فضل الله عليه بسبب باب لم يُفتح بعد.
كيف أشكر النعم اليومية التي اعتدتها؟
ابدأ بتسميتها بأسمائها: العافية نعمة، الستر نعمة، الهدوء نعمة، وجود من يحبك نعمة، والقدرة على الصلاة نعمة. ثم خصّص كل يوم نعمة واحدة تحمد الله عليها بوعي، واستعمل نعمة واحدة في طاعة، وكفّ نعمة واحدة عن معصية أو غفلة. الشكر العملي يبدأ حين يتحول الحمد من كلمة عامة إلى تصرف يحفظ النعمة.
لماذا لا نشعر بقيمة النعمة إلا بعد فقدها؟
لأن الاعتياد يضعف الدهشة. حين تتكرر النعمة كل يوم، قد يفقد القلب إحساسه بهيبتها، فيتعامل معها كأنها جزء من الحياة لا عطية من الله. فإذا غابت، انكشف وزنها الحقيقي. لذلك يحتاج القلب إلى يقظة شكر دائمة، حتى لا يكون الفقد هو المعلم الوحيد لقيمة ما كان بين اليدين.
اقرأ أيضًا
علامة الذاكرة
لا تنتظر أن تصير النعمة ذكرى موجعة حتى تعرف أنها كانت رحمة حاضرة.
إن من فقه القلب أن يبكي بين يدي الله على تقصيره في شكر ما بقي، قبل أن يبكي حزنًا على ما مضى. وأن يقول وهو في العافية: يا رب لك الحمد، قبل أن يقول وهو في البلاء: يا رب ردّها. وأن يرى في الأشياء المألوفة رسائل لطف متكررة، لا تفاصيل باهتة.
النعمة التي لا تدهشك اليوم قد تكون هي نفسها التي ستتمنى عودتها غدًا.
فاحمد الله عليها وهي بين يديك. انظر إليها قبل أن تبحث عنها في الذاكرة. قبّل رأس من تحب قبل أن تقف عند صورته. اشكر على الستر قبل أن تعرف قسوة الانكشاف. اسجد وأنت قادر قبل أن تعرف ثقل العجز. وقل الآن، لا بعد الفقد:
اللهم لك الحمد على نعمٍ عرفناها ونعمٍ لم ننتبه لها، وعلى ما أعطيت، وما أبقيت، وما سترت، وما صرفت. اللهم لا تجعلنا من الذين لا يعرفون قدر النعمة إلا إذا غابت، ولا تجعل يقظتنا بالفقد إذا كان في الشكر سعة لنا. ارزقنا عينًا ترى فضلك في القريب قبل البعيد، وقلبًا يشكر قبل أن يبكي، ولسانًا يلهج بالحمد ما دامت نعمك تتوالى علينا.