قوتك ليست إذنًا للظلم

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

ليست أخطر لحظات الظلم دائمًا حين يكون الإنسان ظالمًا من البداية.

أحيانًا تكون أخطر لحظاته حين يكون معه شيء من الحق.

حين يكون مظلومًا في أصل القصة، أو صاحب حجة في النقاش، أو أكبر مقامًا في البيت، أو أقوى يدًا في العمل، أو أقدر لسانًا في الخصومة، أو أوسع مالًا، أو أكثر حضورًا، أو أملك للقرار.

هنا لا يأتي الظلم بوجهه القبيح الصريح.

بل يأتي متخفّيًا في هيئة حق.

يقول لك: أنت صاحب الموقف الأقوى، فلا تلن كثيرًا.

ويقول لك: لقد تجاوزوا معك، فلا حرج أن تقسو.

ويقول لك: أنت أفهم منهم، فلا بأس أن تكسرهم بحجتك.

ويقول لك: أنت وليّ الأمر، أو المدير، أو الزوج، أو الأب، أو صاحب الفضل، أو المتضرر، أو صاحب المنصة، فلك أن ترفع صوتك قليلًا، وتضغط قليلًا، وتؤلم قليلًا، وتُشعر الآخر بحجمه قليلًا.

وهكذا تبدأ الخدعة.

صورة تعبر عن العدل عند القدرة وأن القوة ليست إذنًا للظلم أو القسوة

العدل عند القدرة ليس شعارًا هادئًا يُقال في الرضا، بل امتحان دقيق يظهر حين تكون الكلمة بلسانك، والقرار بيدك، والآخر أضعف منك.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يتخفّى الظلم في هيئة حق

لا تقول لك النفس: اظلم.

لو قالتها صريحة ربما استوحشت منها.

لكنها تقول: استعمل حقك كاملًا.

ثم توسّع معنى “كاملًا” حتى يدخل فيه ما ليس لك.

تجعل الحزم إهانة.

والنصيحة تشهيرًا.

والتأديب انتقامًا.

والردّ تشفّيًا.

والوضوح قسوة.

والانتصار للحق رغبة خفية في كسر المخالف.

هذه هي خدعة التفويض بالقوة: أن يشعر الإنسان في داخله كأنه مفوّض بالشدّة؛ لأنه صاحب حق، أو مظلوم سابقًا، أو أعلى مقامًا، أو أذكى حجة، أو أقدر على الرد.

والمشكلة ليست في القوة نفسها.

فالقوة نعمة.

والحق نعمة.

والحجة نعمة.

والولاية نعمة.

واللسان نعمة.

والمال نعمة.

والمكانة نعمة.

لكن النعمة إذا دخلت قلبًا غير مراقب، تحولت من باب شكر إلى امتحان ثقيل.

السؤال الذي يكشف حقيقة قوتك

القوة لا تكون خطرًا لأنها تمكنك من الفعل فقط، بل لأنها تكشف ما الذي يوقفك حين تستطيع.

هل يوقفك خوف الله؟

أم لا يوقفك إلا عجزك؟

هل كنت عادلًا لأنك تقي، أم لأنك لم تكن قادرًا على التجاوز؟

وهذا سؤال موجع؛ لأن كثيرًا من الناس لا يكتشفون حقيقة عدلهم إلا حين يملكون فرصة الظلم بلا عقوبة قريبة.

حين يستطيع أن يرد الرسالة بعبارة جارحة ولا أحد يحاسبه.

حين يستطيع أن يؤخر حق موظف لأنه لا يقدر على مطالبته.

حين يستطيع أن يذل محتاجًا لأنه يعرف حاجته.

حين يستطيع أن يضغط على زوجته أو ولده باسم التربية.

حين تستطيع امرأة أن تستعمل ضعف زوجها أو ذنبه القديم سلاحًا في كل خصومة.

حين يستطيع صاحب المال أن يجعل عطاياه أغلالًا في أعناق الناس.

حين يستطيع صاحب المنصة أن يسحق خصمه بتلميح واحد، ثم يقول: لم أذكر اسمه.

حين يستطيع صاحب الحجة أن يغلب الضعيف في النقاش، لا لأن الحق احتاج إلى ذلك، بل لأن نفسه اشتهت لحظة الانتصار.

هنا تظهر حقيقة السؤال:

هل قوتي تحرس الحق، أم تمنحني ترخيصًا مخفيًا لإيلام غيري؟

العدل مع من تؤلمك خصومته

إن الله تعالى لم يجعل الحق بابًا للفجور في الخصومة، ولم يجعل الظلم القديم إذنًا لظلم جديد، ولم يجعل المقام الأعلى عذرًا لسحق من دونه.

قال تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

تأمل موضع الآية.

ليست عن العدل مع من تحب.

فالعدل مع من تحب قد تختلط به العاطفة والمصلحة والراحة.

لكن الميزان الأشد: أن تعدل مع من تبغض، ومع من آذاك، ومع من بينك وبينه خصومة.

لا تجعل بغضك لهم يجرّك إلى سقوطك.

وهذا من أدق أبواب العدل عند الخصومة؛ أن لا يتحول الجرح إلى شاهد زور على من خاصمك.

لا تجعل ألمك منهم يوقّعك في ظلمهم.

لا تجعل خطأهم الأول يبرر خطأك الثاني.

فقد يبدأ الآخر ظالمًا، ثم تكمل أنت الطريق ظالمًا من جهة أخرى.

وقد تدخل المعركة مظلومًا، ثم تخرج منها ظالمًا؛ لأنك لم تضبط يدك ولسانك حين صارت الغلبة لك.

ليس كل من كان معه حق بقي على الحق حتى نهاية الطريق.

الحق يحتاج عدلًا يحرسه.

وحين يفقد الإنسان العدل، يضعف حقه ولو بدأ صادقًا.

حين يتحول الحق إلى تجاوز

كم من خصومة كانت في أولها مطالبة مشروعة، ثم أفسدها اللسان.

وكم من نصيحة كانت في أصلها صحيحة، ثم قتلها الكبر.

وكم من تربية كانت مقصدها الإصلاح، ثم خالطها التشفي.

وكم من ردّ على خطأ كان يمكن أن يكون باب هداية، فتحول إلى باب إهانة.

ليس العدل أن تترك حقك دائمًا.

وليس العدل أن تبتسم لمن يعتدي عليك.

وليس العدل أن تلغي الحدود، أو تسكت عن الفساد، أو تميّع المواقف.

لكن العدل أن تطلب حقك دون أن تتجاوز حق غيرك.

أن تردّ دون فجور.

أن تحاسب دون إذلال.

أن ترفض دون احتقار.

أن تكون حازمًا دون أن تستمتع بوجع من أمامك.

فهناك فرق بين حزم يحرس الحق، وقسوة تشرب من شهوة السيطرة.

وهذا الميزان نفسه يحتاجه القلب حتى لا يسمّي القسوة غيرة، ولا يجعل الشدة ستارًا لما في النفس من تشفٍّ.

وفرق بين كلمة تقيم الميزان، وكلمة تكسر القلب بلا حاجة.

وفرق بين تأديب يريد الإصلاح، وانتقام يرتدي ثوب التأديب.

وفرق بين أن تقول الحق لله، وأن تقول الحق لتنتصر لنفسك ثم تنسبه إلى الله.

ومن أعمق ما يختبر القلب أن يملك القدرة على الإيلام، ثم يختار أن لا يؤلم إلا بقدر الحق، وبقدر الحاجة، وبقدر الإصلاح.

ليس لأن الآخر يستحق كل لطف.

بل لأنك أنت لا تريد أن تفقد أدبك مع الله.

العدل عبودية لا هدية

العدل ليس هدية تمنحها لمن يعجبك.

العدل عبودية تؤديها لله.

حتى في الخصومة.

حتى مع من أوجعك.

حتى مع من لا يراك.

حتى مع من لن يشكرك.

حتى مع من سيظن حلمك ضعفًا.

قد تكون أبًا، فتظن أن أبوّتك تمنحك الحق في كل نبرة.

لكن ولدك أمانة، لا ساحة لتفريغ غضبك.

وفي هذا الباب تظهر حقيقة الأخلاق في البيت؛ لأن القريب لا تسقط حقوقه لمجرد أنه قريب.

وقد تكون زوجًا، فتظن أن القوامة تعني أن يكون صوتك آخر صوت، ولو كان جارحًا.

لكن القوامة مسؤولية ورعاية، لا ترخيصًا للاستعلاء.

وقد تكون أمًا، فتظنين أن تعبك الطويل يبيح لك أن تجرحي أبناءك كلما قصّروا.

لكن التضحية لا تتحول إلى سوط.

وقد تكون مديرًا، فتظن أن المنصب يجعل الناس تحت يدك لا تحت أمانتك.

لكن الموظف ليس عبدًا لرضاك، ولا خوفه منك دليل احترام.

وقد تكون داعية أو كاتبًا أو صاحب علم، فتظن أن وضوح الباطل أمامك يبيح لك أن تحتقر صاحبه.

لكن الهداية ليست ثمرة احتقار الناس، والغيرة على الحق لا تحتاج إلى تلويث القلب بالكبر.

تقوى المظلوم حين يقدر

وقد تكون مظلومًا، وهذا من أدق المواضع.

فالظلم يوجع.

والخذلان يترك في القلب حرارة.

والإنسان حين يُهان، قد ينتظر أول فرصة ليسترد شيئًا من كرامته.

فإذا مكنه الله من رد أو قرار أو كلمة، خرج من داخله صوت غاضب يقول: الآن دوري.

هنا يحتاج القلب إلى تقوى خاصة.

تقوى المظلوم حين يقدر.

لأن المظلوم قد يظلم إذا ظن أن ألمه صار صكّ براءة مفتوحًا.

نعم، لك أن تطلب حقك.

لك أن تدفع الأذى.

لك أن تضع حدًا.

لك أن تشتكي عند من ينصفك.

لك أن لا تعود إلى موضع يكسرك.

لكن ليس لك أن تكذب لأنهم كذبوا.

ولا أن تبالغ لأنهم ظلموا.

ولا أن تشهر بما لا يجوز لأنهم آذوك.

ولا أن تجعل الدعاء عليهم بابًا للتشفي المتفلت.

ولا أن تعاقب من لا ذنب له لأنك تألمت ممن له الذنب.

فالوجع لا يعصم صاحبه من الحساب.

والدمعة لا تجعل كل رد فعل طاهرًا.

والحق لا يبقى حقًا إذا حملته بيد ظالمة.

البطولة أن تعرف أين تتوقف

من أرقى مقامات القوة أن تعرف أين تتوقف.

أن تملك الجملة الجارحة ثم تدفنها لله.

أن تملك الدليل الذي يفضح أكثر مما يلزم، فتمسكه لله.

أن تملك القدرة على تأخير حق إنسان، فتسرع به لله.

أن تملك الرد الذي يكسر خصمك، فتختار ردًا يقيم الحجة ولا يمزق الكرامة.

أن تملك سلطة القرار، فتتذكر أن فوق قرارك ربًا يسمع ويرى.

ليست البطولة أن تفعل كل ما تستطيع. البطولة أن تخاف الله فيما تستطيع.

فالقدرة بلا تقوى قد تصبح فتنة.

واللسان بلا ورع قد يصبح سلاحًا.

والحجة بلا رحمة قد تصبح مطرقة.

والمنصب بلا عدل قد يصبح بابًا من أبواب الظلم.

والمال بلا أدب قد يجعل صاحبه يرى الناس أصغر من حاجاتهم.

أما المؤمن، فحين يقوى لا ينسى أنه عبد.

وحين ينتصر لا ينسى أنه سيُسأل.

وحين يغضب لا ينسى أن الله مطلع على ما وراء كلمته.

وحين يملك سلطة لا ينسى أنها أمانة مؤقتة.

وحين يكون معه حق لا ينسى أن الحق لا يبيح له الباطل.

قوة تخاف الله حين تقدر

إن القوة في ميزان الإيمان ليست أن يهابك الناس فقط.

القوة أن تهاب الله وأنت قادر عليهم.

أن لا تخدعك لحظة الغلبة.

أن لا تسكر بارتفاع صوتك.

أن لا تظن أن ضعف الآخر إلغاء لكرامته.

أن لا تجعل خطأه مبررًا لانهيار أدبك.

أن لا تنسى أن الله قد يبتليك غدًا بمن هو أقوى منك، كما ابتلاك اليوم بمن هو أضعف منك.

وهنا تصح الجملة التي ينبغي أن تبقى في القلب:

قوتك لا تكشف فقط مقدار قدرتك، بل تكشف مقدار خوفك من الله حين تستطيع أن تتجاوز ولا يوقفك أحد.

راجع قوتك قبل أن تستعملها

فراجع قوتك.

في بيتك.

في عملك.

في خصوماتك.

في رسائلك.

في ردودك.

في صمتك الذي تعاقب به.

في عطائك الذي تمنّ به.

في نصيحتك التي تخلطها بالإهانة.

في غضبك الذي تسميه صراحة.

في قسوتك التي تسميها حزمًا.

واسأل نفسك قبل أن تستعمل ما تملك:

هل أنا الآن أحرس حقًا، أم أشفي شيئًا في نفسي؟

هل هذه الكلمة لازمة للعدل، أم زائدة لحظ النفس؟

هل هذا القرار إصلاح، أم انتقام مؤجل؟

هل لو وقف من هو أقوى مني فوقي، واحتج عليّ بمثل حجتي، لرضيت بعدله؟

ليس المطلوب أن تصبح ضعيفًا.

بل أن تصبح قويًا مأمونًا.

قويًا لا يخاف الناس من فلتات لسانه.

قويًا إذا غضب بقي في حدود الله.

قويًا إذا ملك لم يطغ.

قويًا إذا خاصم لم يفجر.

قويًا إذا عاتب لم يجرح فوق الحاجة.

قويًا إذا عاقب لم ينس الإصلاح.

قويًا إذا انتصر لم يتعبد لنفسه بلذة الغلبة.

عبادة القوة العادلة

فالعدل حين تملك القوة ليس ترفًا أخلاقيًا.

إنه عبادة خفية.

عبادة لا تظهر في سجادة الصلاة فقط، بل تظهر حين يكون القرار بيدك، والكلمة بلسانك، والآخر أضعف منك، والناس غائبين، والحجة معك، والنفس تقول لك: خذ حقك كاملًا.

فتقول لها:

آخذ حقي، نعم.

لكن لا آخذ معه شيئًا ليس لي.

أردّ الظلم، نعم.

لكن لا أصير صورة أخرى منه.

أحفظ كرامتي، نعم.

لكن لا أدهس كرامة غيري.

أملك القوة، نعم.

لكنها نعمة أسأل عنها، لا حصانة تعفيني من الأدب.

أسئلة شائعة حول العدل عند القدرة

هل طلب الحق قد يتحول إلى ظلم؟

نعم، قد يتحول طلب الحق إلى ظلم إذا خرج عن حد العدل، فصار تشفيًا أو إهانة أو مبالغة أو تعديًا على حق غيرك. ليس الخلل في طلب الحق، بل في حمله بيد غير منضبطة. لذلك يحتاج صاحب الحق إلى تقوى خاصة؛ لأن شعوره بالمظلومية قد يجعله يتساهل مع ردود لا ترضي الله.

ما الفرق بين الحزم والقسوة؟

الحزم يضع حدًا للخطأ ويحفظ الحق ويطلب الإصلاح، أما القسوة فتزيد على الحاجة وتستمتع بكسر الآخر أو إذلاله. الحزم قد يكون واجبًا في بعض المواقف، لكنه يبقى مقيدًا بالعدل والرحمة والمآل. أما القسوة فتلبس أحيانًا ثوب الصراحة أو التربية أو الغيرة، وهي في حقيقتها انفلات من ميزان التقوى.

كيف أعدل مع من ظلمني؟

تعدل مع من ظلمك بأن تطلب حقك دون كذب، وتدفع الأذى دون فجور، وتشتكي عند من ينصفك دون مبالغة، وتضع حدودك دون انتقام. لا يلزمك أن ترضى بالظلم أو تفتح الباب للأذى، لكن يلزمك أن لا تجعل ألمك القديم إذنًا لظلم جديد، فالله مطلع على فعلك كما اطلع على فعل من ظلمك.

هل يجوز للمظلوم أن يرد بقسوة لأنه تألم؟

الألم لا يبيح الظلم. للمظلوم أن يدفع الأذى، وأن يطالب بحقه، وأن يضع حدًا، وأن يختار البعد عما يكسره، لكن ليس له أن يكذب أو يشهر بما لا يجوز أو يعاقب من لا ذنب له. الوجع مفهوم، لكنه لا يعصم صاحبه من الحساب، ولا يجعل كل رد فعل طاهرًا.

كيف أستعمل قوتي دون أن أظلم؟

قبل أن تستعمل قوتك، اسأل نفسك: هل هذه الكلمة لازمة للعدل أم زائدة لحظ النفس؟ وهل هذا القرار إصلاح أم انتقام مؤجل؟ وهل أقبل أن يعاملني من هو أقوى مني بالميزان نفسه؟ هذه الأسئلة لا تضعفك، بل تجعل قوتك مأمونة؛ قوة تعرف متى تتقدم ومتى تتوقف.


اقرأ أيضًا

دعاء الختام

اللهم اجعل قوتنا في طاعتك، لا في ظلم عبادك.

واجعل حجتنا خادمة للحق، لا ساترة للكبر.

واجعل مناصبنا وأموالنا وألسنتنا وأقدارنا أبواب عدل ورحمة.

ولا تجعل ألمنا القديم عذرًا لظلم جديد.

ولا تجعل قدرتنا على الرد تطغى على خوفنا منك.

وارزقنا قوة لا تبطر، وعدلًا لا يلين عن الحق، ورحمة لا تفتح باب التفريط.

واجعلنا ممن إذا قدروا تذكروا، وإذا غضبوا اتقوا، وإذا انتصروا عدلوا، وإذا ملكوا خافوا مقامك.

آمين.

تعليقات

عدد التعليقات : 0