ما معنى قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾؟ هذه الآية لا تفتح باب الرجاء للمؤمن الكامل فقط، بل تطمئن المؤمن الذي يضيق من تقصيره، ويخجل من ضعف عمله، ويخاف أن تقف ذنوبه بينه وبين رحمة الله. إنها تنقله من قانون الاستحقاق الضيق إلى سعة الفضل الإلهي.
ليست بشارتك عند الله أنك بلغت الكمال… بل أنك ما زلت تؤمن به، وترجع إليه، ولا تيأس من بابه رغم ضعفك.
🔻 حين يضيق المؤمن بنفسه
(أحيانًا لا يوجعك الذنب فقط، بل يوجعك شعورك أنك لا تليق بالوقوف بين يدي الله)
أحيانًا يخرج المؤمن من صلاته وقلبه غير راضٍ عن نفسه. يراجع يومه، فلا يرى إلا تقصيرًا متناثرًا، ومحاولاتٍ مبتورة، ونياتٍ ضعفت في الطريق، وعثراتٍ تتكرر أكثر مما كان يظن. فيتسلل إليه السؤال الثقيل: هل يقبلني الله وأنا بهذه الحال؟ هل لي عنده نصيب مع هذا الضعف كله؟
وهذا من أخطر المواضع التي يشتغل فيها الشيطان: لا فقط بإيقاع العبد في الذنب، بل بجعله يرى ذنبه أكبر من باب الله، وضعفه أوسع من رحمته، وتأخره حجةً على انقطاع الرجاء. هنا لا تعود المشكلة في المعصية وحدها، بل في الصورة القاسية التي يصنعها العبد عن نفسه حتى تمنعه من الرجوع.
ولهذا يضيء هذا المعنى بوضوح مقال اسم الله الرحيم؛ لأن كثيرًا من الناس لا يمنعهم من العودة إلى الله الجحود، بل شعور داخلي بأنهم لم يعودوا يليقون بالباب.
🔻 الفضل لا الاستحقاق
(الله لا يطمئنك هنا بمنطق المقابلة الحسابية، بل بمنطق الكرم الواسع)
تأتي الآية كنسمة باردة في وقت الاختناق: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾. تأمل التعبير: لم يقل هنا ما يوحي بمجرد مقابلة العمل بمثله، بل قال: فضلًا. والفضل أوسع من الحساب المجرد، وأدق في كشف معنى الكرم، لأن الفضل يعني أن العطاء لا ينحصر في مقدار ما قدمته وحدك، بل يتجاوزك إلى ما يليق بسعة المنعِم.
نحن نتعامل غالبًا بقانون الاستحقاق: أعطني بقدر ما أعطيت، ووازنني بميزان الإنجاز الظاهر، ثم احكم علي بالنتيجة. أما الله فحين يفتح لعباده هذا الباب، يربّيهم على قانون آخر: قانون الفضل. لا بمعنى إبطال العمل أو التهوين من شأنه، بل بمعنى أن النجاة لا تقوم على رصيدك وحده، بل على رحمة ربك وكرمه وإقبالك عليه.
ولهذا كان من أخطر الأوهام أن يقف العبد طويلًا عند فقره، وينسى سعة الباب الذي يقف عليه. لا لأن الذنب هين، بل لأن الله أعظم من أن يُقاس كرمه بضعفك فقط. وهذا المعنى يلتقي بقوة مع مقال ذو الجلال والإكرام؛ لأن النجاة ليست في قلبٍ يعرف جلال الله فيخاف فقط، ولا في قلبٍ يسمع عن الإكرام فيبرد، بل في قلب يهاب دون أن يهرب، ويرجو دون أن يستهين.
لو كان الحساب معنا على قدر أعمالنا وحدها لضاقت بنا الطرق سريعًا… لكن البشرى أن العطاء من الله يُفتح بباب الفضل، لا بميزان الاستحقاق المجرد.
🔻 لمن هذه البشارة؟
(الآية لا تخاطب المعصومين… بل المؤمنين)
من أعذب ما في الآية أنها لم تقل: وبشر الكاملين، ولا الذين لا يخطئون، ولا الذين لم يعرفوا فتورًا أو عثرة. بل قالت: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهذا التحديد في غاية اللطف. لأن المؤمن قد يضعف، وقد يتأخر، وقد يثقل ماضيه على صدره، لكن ما دام في قلبه إيمان بالله، وما دام يرجع، ويستحيي، ويخاف، ويرجو، فله من هذه البشارة نصيب.
ليست هذه الآية إذنًا بالغفلة، ولا تصريحًا بالتمادي، ولا وسادةً ينام عليها من أصر على الذنب ببرود. لكنها في الوقت نفسه ليست سوطًا يطرد المذنب الصادق إلى اليأس. إنها تعيد قلب المؤمن إلى التوازن: لا تيأس من ضعفك، ولا تأمن على نفسك بسبب الرجاء.
ومن هنا يتصل هذا المعنى اتصالًا مباشرًا بمقال اسم الله الغفار؛ لأن من أعظم مكائد الشيطان أن لا يكتفي بإسقاطك، بل يقنعك بعد السقوط أن الطريق لم يعد يليق بك.
🔻 من الله
(حين يكون المصدر هو الله، فلا تقس العطية بضيق يدك ولا بضيق حالك)
تأمل هذه الكلمة: ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾. ليست البشرى هنا بفضل كبير فقط، بل بفضل كبير من الله. وهنا تتسع الروح. لأن المؤمن إذا نظر إلى ضعفه وحده انكمش، وإذا نظر إلى ربه اتسع. الكريم إذا أعطى أدهش، ورب العطاء إذا فتح لا يُقاس فضله بما في يد العبد، بل بما في خزائنه هو، وبما يليق برحمته هو.
قد يطلب العبد شيئًا محدودًا، فيفتح الله له ما هو أوسع مما تصوره. وقد يدخل على الله مهمومًا بجرحٍ محدد، فيخرج بقلبٍ جديد لا بمجرد حل جزئي. وقد يظن أن حاجته هي رفع ألمٍ بعينه، بينما الله يهيئ له فضلًا أكبر: فضل رجوع، أو فضل حياة قلب، أو فضل نجاة من شيءٍ لم يكن يراه.
ولهذا لا ينبغي أن تُقاس سعة فضل الله بضيق حالك، ولا أن تجعل صحيفة يومك المثقوبة حجابًا يمنعك من حسن الظن به. بل اسأل نفسك دائمًا: ماذا يريد الله أن يرى في قلبي الآن؟ صدقًا؟ حياءً؟ رجوعًا؟ وهذا ما يضيئه مقال ﴿إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا﴾، لأن الرجاء الحق لا ينشغل فقط بما سيأتيه، بل بما يراه الله فيه وهو ينتظر.
🔗 اقرأ أيضًا
- كيف ندعو الله بافتقار لا باستحقاق؟
- كيف تعرف أن الله يحبك؟ علامات الود الإلهي في البلاء
- لماذا لا نشكر الله على النعم كما ينبغي؟
💡 الخلاصة
ما معنى ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا﴾؟ معناه أن المؤمن لا يُترك رهينةً لضعف عمله وحده، ولا يُحبس في زاوية تقصيره إذا كان قلبه ما زال يؤمن بالله، ويرجو رحمته، ويعود إليه بعد عثرته. هذه البشارة لا تلغي الخوف، لكنها تمنع اليأس. ولا تبرر الذنب، لكنها ترد العبد من الذنب إلى الله لا من الله إلى الانقطاع. فجدّد التوبة، وأحسن الظن، وأكثر من الطرق على الباب، ولا تجعل كثرة عثرتك حجة على البعد. لأن الذي بشّرك بالفضل، لم يفتح لك باب الرجاء لتجلس عنده… بل لتدخل منه إليه.
اللهم لا تجعل ضعف أعمالنا حجابًا بيننا وبين سعة فضلك، ولا تجعل ذنوبنا أكبر في قلوبنا من رحمتك، واجعلنا إذا خفنا خفنا بأدب، وإذا رجونا رجونا بصدق، وإذا سقطنا عرفنا أن النجاة ليست في الهرب منك… بل في الرجوع إليك.