لماذا ننسى قدرة الله وقت الخوف؟ ومن أوفى بعهده من الله؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هل إذا أظلمت الدنيا أمامك، وأُغلقت الأبواب، وأخلف من وعدك بالمساعدة… قلت: انتهى أمري؟ قال الله تعالى:

﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾

(التوبة: 111)

ليست جملةً عابرة، بل سؤالٌ لا ينتظر جوابًا؛ لأن الجواب معلوم:

لا أحد.

ومن هنا تبدأ الطمأنينة.

جسر حجري ثابت يمتد داخل ضباب كثيف، في مشهد يرمز إلى استحضار قدرة الله وقت الخوف رغم غموض الطريق.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

نسيان قدرة الله وقت الخوف: حين يضيّق الألم رؤيتك

المشكلة أن القلب يعرف هذا في أوقات السعة، ثم تأتيه ساعة ألم، فيرتجف كأنه نسي كل شيء. يتأخر ما ينتظره، ويُغلق باب، وتضيق به الأسباب، ويخاف من غدٍ لا يعرفه. وفجأة، يبدأ في عيش اللحظة كأن الأمر كله صار بلا سند؛ كأن الغد خرج من ملك الله، وكأن ما يخشاه أقوى من رحمة الله، وكأن الباب الذي أُغلق كان آخر أبواب السماء والأرض.

وهنا تأتي الآية لتوقظ شيئًا في القلب:

﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾

من أصدق وعدًا؟ من أتم وفاءً؟ من بيده ما تخافه وما ترجوه؟ ومن كان معك قبل أن تعرف أصلًا أن هذه الأيام ستأتي؟

الله.

فلماذا يتصرف القلب أحيانًا وكأنه متروك؟

ليس بالضرورة لأن إيمانه اختفى، ولكن لأن الألم حين يشتد يضيّق مجال الرؤية. فتصبح المشكلة كبيرة جدًا، ويبدو الله في شعورك بعيدًا عنها؛ لا لأن الله بعيد، بل لأن الوجع اقترب أكثر مما ينبغي من عينك، فتراه ولا ترى ما وراءه.

وهنا تحتاج إلى إعادة ترتيب المشهد. المشكلة أمامك، نعم. والسبب قد يكون مغلقًا، نعم. والمستقبل مجهول، نعم. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:

الله هو الله.

لم تتغير قدرته لأنك خفت، ولم تضق رحمته لأن الطريق ضاق، ولم ينسك لأن الإجابة تأخرت، ولم يخرج أمرك من تدبيره لأنك لم تعد تفهم ما يحدث.

قبل أن تسأل ماذا سيحدث، تذكّر من بيده الأمر

كثيرًا ما نطلب من الله علامةً تطمئننا، بينما بعض الطمأنينة موجود أصلًا في السؤال:

﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾

كأن المعنى يقول لقلبك: قبل أن تسأل: ماذا سيحدث؟ اسأل أولًا: من الذي بيده ما سيحدث؟

وقبل أن تقول: كيف سأخرج من هذا؟ تذكّر: من الذي لم يخرج شيء قط من ملكه؟ وقبل أن تحكم على الغد من ضيق اليوم، تذكّر من هو رب اليوم ورب الغد معًا.

لسنا مطمئنين لأننا نعرف التفاصيل، ولا لأننا نملك ضمانًا بأن كل ما نريده سيحدث، ولا لأن الله وعدنا بأن الحياة لن تؤلمنا. لكننا مطمئنون لأننا لا نتعامل مع ربٍّ يَعِد ثم ينسى، ولا مع من يسمع ثم يعجز، ولا مع من يعلم ضعفنا ثم يضيّعنا.

لا تجعل خوفك تفسيرًا لربك

وهنا المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها:

كم مرة انهار قلبك من أمر لم يقع بعد؟

كم مرة حملت الغد كله في ليلة واحدة؟ وكم مرة دخلت في أسوأ الاحتمالات، كأنك أنت الذي ستدير الغد وحدك؟ وكأنك عندما تصل إلى الغد ستصل إليه وحدك؟

هذه ليست إدانة لقلبك. فالخوف بشري، والحزن بشري، والارتباك في لحظات الألم بشري. لكن لا تجعل إنسانية خوفك تتحول إلى تفسيرٍ لربك. لا تقل: لأنني خائف، إذن أنا متروك. ولا تقل: لأنني لا أرى الطريق، إذن لا يوجد تدبير. ولا تقل: لأنني لم أفهم الحكمة، إذن غابت الرحمة.

هناك فرق كبير بين أن تقول: «أنا خائف.» وبين أن يعيش قلبك وكأنه يقول:

«ولا أحد فوق هذا الخوف.» بلى، فوقه رب، وتحت تدبيره كل ما تخشاه، وبيده ما يأتي وما لا يأتي، ويعلم ما لا تعلم.

استعد الحقيقة التي أضاعها منك الألم

ولهذا، حين يشتد بك القلق، لا تحتاج دائمًا إلى أن تعرف ماذا سيحدث. أحيانًا تحتاج فقط إلى أن تستعيد الحقيقة التي أضاعها منك الألم:

أن لك ربًا.

ربًّا لم يتغير حين تغيّر كل شيء، ولم تُغلق أبوابه حين أُغلقت الأبواب، ولا يعجزه ما أعجزك، ولا يفاجئه ما فاجأك، ولا يُخلف وعده.

ثم اسأل قلبك بهدوء: ومن أوفى بعهده من الله؟

لا أحد.

إذن، لا تحمل الغد كأنك ستحمله وحدك، ولا تنظر إلى ضعفك وكأنه آخر ما في المشهد، ولا تجعل لحظة انهيارك تقول لك إن كل شيء انهار.

قد تكون أنت الذي ضعفت، لكن سندك لم يضعف.

قد تكون أنت الذي لم تعد تعرف ماذا تفعل، لكن شيئًا من أمرك لم يخرج عن علم ربك ولا قدرته. وقد لا تعرف كيف ستنتهي القصة، لكن يكفي أحيانًا أن تعرف:

من الذي بيده القصة كلها.

﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾

سؤالٌ قصير، لكن لو استقر في القلب حقًا، فلعل كثيرًا من مخاوفنا لن تختفي، لكنها ستعرف حجمها الحقيقي أمام الله.

تعليقات

عدد التعليقات : 0