كيف أبقى على باب الله حين لا أفهم ما يحدث؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث
لا نحيط بحكمته… لكننا نثق برحمته

ليس كل ما يؤخره الله عنك حرمانًا، وليس كل باب يُغلق في وجهك عقوبة، وليس كل دعاء لا ترى أثره كما تمنيت دليلًا على أن الدعاء ضاع.

كيف أبقى على باب الله حين لا أفهم ما يحدث؟ ربما هذا هو السؤال الذي يجمع وجع التأخير والمنع حين تغيب عنا الحكمة.

رجل يقف قرب باب مغلق عند الغروب تعبيرًا عن البقاء على باب الله حين لا نفهم ما يحدث

قد يكون في التأخير رحمة لا تعرف صورتها، وقد يكون في الباب الذي لم يُفتح لك لطف لا تدركه الآن، وقد تكون وراء ما جرى حكمة لن تراها في لحظتها. نحن لا نحيط بحكمة الله كلها في المنع والتأخير.

لا نعرف كل ما صُرف عنا، ولا نرى كل الطرق التي حُفظنا من دخولها، ولا ندرك كل ما كان يمكن أن يقع لو جاءت الأمور في الوقت والصورة اللذين أردناهما.

قد تطلب شيئًا وتظنه خلاصك، وأنت لا تعلم عاقبته كاملة. وقد تبكي على باب لم يُفتح، ولا تدري ما كان وراءه لو فُتح. وقد يتأخر عنك ما تحب، لا لأن الله نسيك، تعالى الله عن ذلك، بل لأن الله يعلم ما لا تعلم، ويرى ما لا ترى.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين نقيس الرحمة بسرعة الفرج

المؤلم أننا أحيانًا نقيس رحمة الله بسرعة تغيّر الواقع حولنا.

فإذا تأخر الفرج قلنا: أين الإجابة؟
وإذا طال البلاء قلنا: لماذا أنا؟
وإذا رأينا غيرنا يُعطى قلنا: أين نصيبي؟
وإذا طرقنا بابًا طويلًا ولم يُفتح، بدأ القلب يهمس:
هل تُركت؟

لكن العبد لا يرى الصورة كاملة. يرى لحظة واحدة، وبابًا واحدًا، ووجعًا حاضرًا، ودعاء طال انتظاره. يرى الطريق من موضع قدمه فقط.

أما الله جل جلاله فيعلم ما كان وما يكون، ويعلم الظاهر والخفي، والعواقب التي لا يراها العبد.

ولذلك، لا يكون الإيمان أن تفهم كل شيء، بل أن تقف وسط ما لا تفهمه وتقول بقلب مكسور لكنه مؤدب:

يا رب، لا أحيط بحكمتك… لكنني أثق برحمتك.
لا أفهم لماذا تأخر الفرج، لكنني أعلم أنك لا تظلم.
لا أفهم لماذا أُغلق هذا الباب، لكنني أعلم أنك أرحم بي من نفسي.
لا أفهم لماذا طال الطريق، لكنني أعلم أن لطفك قد يكون حاضرًا وإن لم أره.
لا أفهم لماذا لم تأت الإجابة كما تمنيت، لكنني أعلم أن دعائي لا يضيع عندك.

الألم لا يعني سوء الظن

هنا يظهر الفرق بين قلب يتألم، وقلب يجعل الألم يفسر له ربه.

القلب المؤمن قد يتوجع.
قد يبكي.
قد يقول:
يا رب، ضاق صدري.
قد يضعف أحيانًا تحت ثقل الانتظار.

لكن ضعفه لا يلزمه أن يمحو من قلبه ما يعرفه عن الله. لا يجعل الباب المغلق دليلًا على غياب الرحمة. ولا يجعل التأخير حكمًا بأن الله تركه.

ولا يختصر علاقته بربه في سؤال واحد:
لماذا لم تعطِني؟
بل يتعلم أن يقول:

يا رب، إن أعطيتني فبفضلك، وإن منعتني فبعلمك، وإن أخرت عني فأنت أعلم بالعاقبة، وإن ابتليتني فبرحمتك أستعين.

وقد يرى الإنسان بعد زمن وجهًا من الحكمة لم يكن يراه ساعة البلاء. وقد يبقى شيء من الحكمة غائبًا عنه إلى آخر عمره.

وفي الحالين لا تتغير الحقيقة: أن جهلنا بالحكمة لا يعني غيابها.

وليست كل رحمة تأتي في صورة عطاء. قد تأتي الرحمة في صورة صرف لا نفهمه، أو تأخير لا نعرف سببه، أو باب لا يفتح، أو طريق لا يتم.

لكننا لا نجزم لماذا وقع ذلك بعينه. يكفينا أن نعلم أن الله حكيم رحيم، وأن علمنا محدود.

لا تجعل الوجع يفسر لك ربك

ليس المطلوب منك ألا تتألم؛ فالألم ليس نقيض الإيمان.

لكن لا تجعل الوجع يتحول إلى اتهام.
ولا تجعل الانتظار يتحول إلى قطيعة.
ولا تجعل المنع يتحول إلى سوء ظن.
ولا تجعل الدعاء الذي لم تر أثره بعد سببًا لهجر الدعاء كله.

قل لقلبك كلما ضاق:

أنا لا أرى كل شيء.
أنا لا أعلم العاقبة.
أنا لا أملك الغد.
أنا لا أعرف ما كان سيحدث لو فُتح هذا الباب.
لكنني أعرف ربي.

أعرف أنه رحيم.
أعرف أنه حكيم.
أعرف أنه لطيف بعباده.
أعرف أنه لا يظلم مثقال ذرة.
وأعرف أن دعائي وصبري لا يضيعان عند الله.

قد لا يتغير الواقع سريعًا، لكن قد يرزقك الله في الطريق ما يثبت قلبك. قد لا ترى الباب يفتح الآن، لكن قد يخف تعلقك بالباب نفسه. قد لا يرفع البلاء فورًا، لكن قد يرزقك الله سكينة تمنع البلاء من أن يهدم ما في داخلك.

وهذه رحمة أيضًا. رحمة لا تُقاس دائمًا بخبر سعيد، ولا تظهر كلها في النتائج الظاهرة.

قد تظهر في قلب كان على وشك الانهيار، ثم قال:
يا رب.

وفي نفس كادت تسيء الظن، ثم تذكرت أن الله أرحم بها من نفسها. وفي عبد لم يفهم، لكنه بقي على الباب.

علامة الذاكرة

لا تجعل التأخير يسرق منك حسن الظن بالله.
ولا تجعل المنع يعلّم قلبك الجفاء.
ولا تجعل البلاء يخرج من لسانك ما لا يليق بعبد يعرف ربه.

إذا ضاق بك الطريق، فقل:

يا رب، لا أفهم حكمتك كلها، لكنني ألوذ برحمتك.
يا رب، لا أرى العاقبة، لكنني أعلم أنك لا تضيع عبدًا لجأ إليك.
يا رب، إن تأخر عني ما أحب، فلا يتأخر عن قلبي حسن الظن بك.
وإن لم تفتح لي الباب الذي أريده، فلا تجعلني أبرح بابك.

نحن لا نحيط بحكمة الله كلها في المنع والتأخير. لكن يكفينا أن نوقن أنه سبحانه أرحم بنا من أنفسنا، وأعلم بما غاب عنا، وأحكم فيما يقضي ويقدر.

وهذا اليقين لا يلغي الألم. لكنه يمنع الألم أن يتحول إلى سوء ظن. وهذه نجاة عظيمة.

خاتمة

أن تبكي… وأنت تحسن الظن.
أن تنتظر… وأنت لا تتهم.
أن تُمنع… وأنت لا تغادر الباب.
أن تقول:
يا رب، لا أفهم… لكنني أثق بك.

فالعبد الذي لا يرى الحكمة كاملة، لكنه يبقى متعلقًا بربه، لم يُهزم. بل بدأ يتعلم معنى عظيمًا من معاني العبودية:

أن يعبد الله لا لأنه فهم كل شيء، بل لأنه عرف من ربه ما يكفيه ليطمئن إليه حين لا يفهم.

اللهم إنّا لا نحيط بحكمتك، لكننا نلوذ برحمتك. لا تجعل جهلنا بالعاقبة بابًا لسوء الظن بك، ولا تجعل تأخر ما نحب سببًا لانقطاعنا عنك. وإن ضاقت علينا الصورة، فثبّت في قلوبنا معرفتك، وحسن الظن بك، واللجوء إليك. يا رب، علّمنا أن نثق بك حين لا نفهم الطريق، وأن نبقى على بابك مهما طال الانتظار. اللهم آمين.

```0[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0