تنتهي من الصلاة…
ثم، من غير أن تشعر، تبدأ صلاة أخرى من نوع مختلف.
تفتش قلبك.
هل خشعت؟
هل شعرت بشيء؟
هل جاء ذلك الدفء الذي كنت تنتظره؟
هل خرجت من السجود أخف؟
هل أحسست أن الله قريب؟
ثم تجد قلبك كما دخل.
متعبًا.
ثقيلًا.
قليل الدموع.
وهنا يظهر غياب الشعور بعد العبادة في صورته الموجعة.
فتبدأ الأسئلة:
لماذا لا أشعر بشيء؟
أنا أحاول.
أصلي.
أدعو.
أقرأ القرآن.
أستغفر.
أترك ذنبًا ثم أرجع إذا وقعت.
فلماذا أشعر كأن بيني وبين الله مسافة لا تختصر؟
وهنا قد يبدأ جرح أخطر من الجفاف نفسه:
أن تجعل شعورك بقرب الله هو الدليل على حقيقة قرب الله.
فإن خشعت، قلت:
الله قريب مني.
وإن جف قلبك، قلت:
ربما ابتعد عني.
وإن بكيت في الدعاء، اطمأننت.
وإن دعوت ولم تتحرك فيك دمعة، خفت أن يكون الباب قد تغير.
وهكذا، من غير أن تنتبه، يصبح قلبك هو الذي يصدر لك كل يوم تقريرًا عن علاقتك بالله.
إن شعر، اطمأننت.
وإن لم يشعر، ارتعبت.
مع أن القلب نفسه يتغير.
يتعب.
ينشغل.
يتأثر بالنوم والضغط والخوف والذنوب وكثرة التفكير وتراكم الأيام.
فكيف جعلت شيئًا بهذه السرعة في التقلب قاضيًا على حقيقة أكبر منه؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
قرب الله الذي أخبر به وشعورك أنت
الله تعالى يقول:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾
[البقرة: 186]
تأمل الجملة.
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾
خبر من الله.
لم يقل:
فإن أحسوا بقربي فأنا قريب.
ولم يجعل صدق الخبر متوقفًا على أن تقشعر جلودهم كل مرة، أو أن تنزل دموعهم في كل سجدة.
أنت قد تفقد الإحساس.
أما خبر الله فلا يفقد صدقه.
وهنا ينبغي أن نفرق بين شيئين اختلطا عليك طويلًا:
قرب الله الذي أخبر به، وشعورك أنت بهذا القرب.
ليس الشيئان شيئًا واحدًا.
شعورك قد يرتفع وينخفض.
أما أنت فلا تملك أن تمحو خبرًا من الله لأن قلبك مر بيوم جاف.
لا تجعل غياب الإحساس بقرب الله دليلًا على غياب قرب الله.
حين تتحول العبادة إلى اختبار شعوري
ربما كنت تطلب من العبادة شيئين في الوقت نفسه.
أن تعبد الله.
وأن تمنحك العبادة فورًا شعورًا يطمئنك أنها «تعمل».
تصلي…
ثم تنتظر الأثر.
تقرأ…
ثم تراقب القلب.
تدعو…
ثم تتفقد الحرارة.
وكأن هناك سؤالًا صامتًا بعد كل عبادة:
هل حدث شيء؟
هل اقتربت؟
هل قُبلت؟
هل أشعر الآن بما ينبغي أن أشعر به؟
وهنا قد يتحول أمر جميل، وهو محاسبة القلب، إلى مراقبة قلقة للمشاعر.
لا تعود منشغلًا فقط بأن تصلي لله.
تصير منشغلًا أيضًا بأن تتأكد أثناء الصلاة وبعدها أنك تشعر بما يثبت لك أن العلاقة بخير.
فإذا لم يأت الشعور…
اتهمت العبادة.
ثم اتهمت نفسك.
ثم ربما وصلت إلى ما هو أخطر:
اتهمت موقف الله منك.
اسأل نفسك بهدوء:
هل أعبد الله لأنه ربي… أم أنني أحتاج في كل مرة إلى إحساس يطمئنني أن عبادتي ما زالت تصل؟
هذا سؤال حساس.
ولا يعني أن طلب الخشوع خطأ.
ولا أن لذة العبادة شيء مذموم.
بل الخشوع نعمة.
والدمعة نعمة.
وانشراح الصدر بالطاعة نعمة عظيمة.
لكن النعمة تصبح مشكلة حين تجعلها شرطًا للاستمرار.
حين تقول في داخلك:
إن شعرت بالقرب، واصلت.
وإن طال الجفاف، بدأت أشك في الطريق كله.
هنا ربما أصبحت لا تريد العبادة فقط.
بل تريد من العبادة أن تدفع لك في كل مرة إيصالًا شعوريًا يقول:
أنت بخير.
أنت مقبول.
أنت قريب.
لكن الله لم يعدك أن يعطيك هذا الإيصال بعد كل سجدة.
واسجد واقترب: العبادة ليست إيصالًا شعوريًا
ولهذا تأتي آية أخرى شديدة الدقة:
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾
[العلق: 19]
تأمل ترتيبها.
اسجد… واقترب.
لم يقل:
اسجد حتى تشعر بالاقتراب.
أمرك بالفعل.
بالعبودية.
بالسجود.
أما إحساسك أثناء ذلك، فليس هو أصل التكليف.
وقد يكون من أصدق سجودك سجود لا يعطيك شيئًا من الأحاسيس الكبيرة.
تدخل إليه مرهقًا.
وتخرج مرهقًا.
لكن بين الدخول والخروج حدث شيء مهم:
أنت سجدت لله.
قد لا يكون قلبك قد اشتعل.
لكن جبينك عرف موضعه.
وقد لا تكون دمعت.
لكن العبودية لم تختف لأن الدمع لم يأت.
وهنا ربما ينبغي أن نعيد تعريف «القرب» في قلبك.
أنت أحيانًا تتخيله إحساسًا.
دفئًا.
سكينةً مفاجئة.
خشوعًا شديدًا.
طمأنينة تجعل كل شيء خفيفًا.
وهذه كلها قد تأتي.
لكن ماذا عن يوم تكون فيه الطاعة ثقيلة…
ثم تفعلها؟
ماذا عن يوم لا تجد لذة القرآن…
ثم تقرأ؟
ماذا عن يوم لا تعرف ماذا تقول في الدعاء…
فتقول: يا رب؟
ماذا عن ذنب يشدك…
ثم تتركه لله رغم أن قلبك لا يعيش لحظة روحانية مبهرة؟
ألا يوجد هنا معنى آخر يحتاج أن تراه؟
أحيانًا يظهر صدق سيرك إلى الله حين لا تحملك المشاعر إليه.
في أيام الانشراح، قد يرفعك الشعور.
أما في أيام الجفاف، فأنت تمشي لأنك تعرف إلى أين تذهب.
وهذا فرق بالغ العمق.
جفاف القلب بين المحاسبة والحكم الغيبي
لكن انتبه.
لا نريد أن نحول الجفاف نفسه إلى فضيلة.
ولا أن نقول:
لا تهتم بقلبك.
فهذا خطأ من الجهة الأخرى.
قد يكون في حياتك ذنب تعرفه.
فتب منه.
وقد تكون قد تركت القرآن طويلًا.
فارجع.
وقد تكون صلاتك صارت عجلة وحركة بلا حضور لأنك أعطيت الدنيا كل انتباهك.
فراجع نفسك.
وقد يكون قلبك غارقًا في مشتتات لا تكاد تترك فيه مساحة للصمت.
فخفف منها.
محاسبة النفس مطلوبة.
لكن الفرق كبير بين أن تقول:
ما الذي أستطيع إصلاحه؟
وبين أن تقول:
بما أنني لا أشعر بالقرب إذن الله لا يريدني.
الأولى محاسبة.
والثانية حكم غيبي لا تملكه.
راجع أسباب جفاف قلبك بما تعرفه، ولا تفسر الجفاف بما لا تعرفه عن موقف الله منك.
وربما كان عندك ذنب.
فتبت.
ثم صليت.
ولم تشعر بشيء.
فتقول:
حتى بعد التوبة لم يرجع الشعور.
ربما لم تُقبل توبتي.
تمهل.
من أين عرفت؟
هل جعلت حرارة القلب شهادة قبول رسمية؟
قد تندم وتتوب وتصلح…
ثم يحتاج قلبك وقتًا.
وقد تحسن العبادة ويبقى عليك إرهاق نفسي.
وقد تخرج من معصية ويحتاج أثرها في نفسك إلى علاج ومجاهدة.
وقد يكون الجفاف ببساطة من طبيعة تقلب القلب.
لكن لا تستخرج من مجرد غياب شعور حكمًا على الله.
عدم شعورك بالقبول ليس علمًا بعدم القبول.
كما أن شعورك الشديد بالقرب ليس شهادة تمنحك حق الأمن على نفسك.
المشاعر تُحترم.
لكنها لا تُعطى منصب القضاء.
وأحيانًا يكون السبب أرق من ذلك.
ربما أنت متعب جدًا.
لقد مر عليك من الخوف ما يكفي.
ومن الانتظار.
ومن التفكير.
ومن الأخبار.
ومن الضغط.
وصرت تريد حتى من الصلاة أن تعطيك فورًا شيئًا من الراحة.
فتدخل إليها وأنت تقول:
يا رب، أريد أن أشعر بك.
ثم لا تشعر بما كنت تتمنى.
فتخرج أكثر حزنًا مما دخلت.
لكن ربما كنت تطلب من قلب منهك أن ينتج إحساسًا لا يملكه الآن.
قد يكون الله قريبًا، بينما أنت متعب إلى درجة أنك لا تستطيع أن تشعر بالقرب كما كنت.
مثل إنسان محبوب يجلس بجانبك، لكن الألم في جسدك شديد إلى درجة أن الألم يملأ كل مجال إدراكك.
وجود الألم لا يعني غياب من بجوارك.
إنما يعني أن الألم مرتفع الصوت.
وهكذا قد يرتفع صوت القلق فيك.
أو الحزن.
أو الإنهاك.
حتى لا تكاد تسمع شيئًا آخر.
فلا تجعل قوة الضجيج دليلًا على أن كل ما وراءه اختفى.
لا تعبد ذاكرة الشعور القديم
وهنا قد تقول:
لكنني أشتاق إلى ما كنت أشعر به.
وهذا مفهوم.
اشتق إلى الخشوع.
واطلبه.
واسأل الله قلبًا حيًا.
لكن لا تعبد ذاكرة الشعور القديم.
ربما كان لك في رمضان سابق ليلة بكيت فيها طويلًا.
أو سجدة شعرت بعدها بخفة لم تنسها.
أو آية فتحت في قلبك بابًا واسعًا.
ومنذ ذلك الوقت وأنت تريد أن تعود اللحظة نفسها.
فتصلي وتقول:
لماذا لا يحدث مثل ذلك؟
تقرأ وتقول:
لماذا لا أبكي كما بكيت؟
وقد تتحول نعمة قديمة إلى معيار تعذب به عبادتك اليوم.
انتبه.
الله الذي عبدته يوم بكيت…
هو ربك اليوم حين لم تبك.
لا تطلب من كل صلاة أن تعيد لك التجربة السابقة حتى تعتبرها حقيقية.
لا تجعل ذكرى القرب حاجزًا يحرمك من عبودية اليوم.
ثم انظر إلى مفارقة أخرى.
أنت تقول:
أشعر أن الله بعيد.
لكن ماذا تفعل وأنت تقول ذلك؟
تصلي.
تدعو.
تقرأ.
تستغفر.
تخاف أن تبتعد.
تسأل كيف تقترب.
ألا ترى شيئًا؟
القلب الذي انتهى كل شيء فيه لا يقلقه غالبًا أنه بعيد.
أما أنت فموجوع لأنك تريد الله.
وهذا لا يكفي وحده للحكم على حالك، لكنه على الأقل يمنعك من القسوة السريعة:
«أنا منتهي.»
«الله لا يريدني.»
«لم يعد بيني وبينه شيء.»
لو لم يكن يعنيك الأمر…
لماذا يؤلمك غياب الشعور به إلى هذه الدرجة؟
وقد يكون الجرح الحقيقي أنك جعلت الإحساس بالله أهم من العبودية لله.
تريد أن تشعر.
وتنسى أحيانًا أن المطلوب الأول أن تعبد.
وهذه نقطة عميقة جدًا.
لأنك ربما تقول:
ما فائدة الصلاة إذا لم أشعر؟
وما فائدة القرآن إذا لم أبك؟
وما فائدة الدعاء إذا بقي قلبي جافًا؟
لكن السؤال نفسه يحتاج مراجعة.
هل قيمة الصلاة في الشعور الذي تمنحك إياه؟
أم في أنها صلاة لله؟
هل قيمة القرآن في أن يهزك كل مرة بالطريقة نفسها؟
أم في أنه كلام ربك الذي تتعبد بتلاوته وتستجيب له؟
هل الدعاء مهم لأنه يريحك فورًا؟
أم لأنك عبد يدعو ربه؟
العبادة لا تصبح بلا قيمة حين لا تدفع لك شعورًا فوريًا.
وقد يكون من أجمل ما تتعلمه في هذه المرحلة أن تقول:
يا رب، سأعبدك اليوم بلا مكافأة شعورية عاجلة.
سأصلي ولو كان قلبي ثقيلًا.
وسأقرأ ولو لم أبك.
وسأدعوك ولو لم أشعر بتلك الحرارة.
وسأترك الذنب ولو لم يأتني بعدها انشراح مباشر.
ليس لأن المشاعر لا تهم.
بل لأنك أهم منها.
هذا تحول كبير.
أن تتوقف عن سؤال قلبك بعد كل عبادة:
«ماذا أعطيتني؟»
وتبدأ بسؤال آخر:
«هل أعطيت الله ما استطعت من عبوديتي اليوم؟»
ابق عبدًا في الحالتين
ثم إذا جاء الشعور الجميل…
فاشكر.
لا تتكئ عليه.
وإذا ذهب…
فلا تتهم.
إذا خشعت…
لا تقل: وصلت.
وإذا جف قلبك…
لا تقل: طُردت.
ابق عبدًا في الحالتين.
فالطريق إلى الله لا يُقاس كل يوم بمؤشر شعوري يرتفع وينخفض.
وفي بعض الأيام قد يكون ثباتك مع قلة الإحساس أصدق في كشف مقصدك من أيام حملتك فيها اللذة.
لأنك في تلك الأيام تُسأل:
هل ستبقى إذا لم يعطك الشعور شيئًا؟
وربما تكون هذه هي اللحظة التي تحتاج فيها إلى دعاء مختلف.
لا تقل فقط:
يا رب، أعد إليّ الإحساس القديم.
قل:
يا رب، أصلح قلبي.
إن كان بيني وبينك ذنب فوفقني لتوبة صادقة.
وإن كان في قلبي غفلة فأيقظه.
وإن كان هذا تعبًا فارفق بي.
وإن كانت نفسي قد تعلقت بلذة العبادة أكثر من رب العبادة فصحح قصدي.
يا رب، لا تجعلني أعبد الشعور.
ولا تجعل غيابه يقطعني عنك.
ولا تجعلني أظن أنني لا أقترب إلا حين أشعر أنني أقترب.
وحين تصلي غدًا…
لا تضع يدك على قلبك بعد السلام كأنك تفحص نتيجة تحليل.
لا تقل فورًا:
هل خشعت بما يكفي؟
هل أحسست؟
هل تغيّر شيء؟
صل.
ثم امض في طاعة الله.
وإن وجدت تقصيرًا واضحًا فأصلحه.
وإن جاءك خشوع فاحمده.
وإن لم يأت، فلا تحول غيابه إلى خبر من السماء.
ليس كل ما لا تشعر به غير موجود.
وهذا من أهم ما تحتاجه هنا.
فأنت لا ترى رحمة الله كلها.
ولا تدرك حكمته كلها.
ولا تشعر دائمًا بقربه بالطريقة نفسها.
لكن الله لم يجعل معرفتك به معلقة على مزاج قلبك كل ساعة.
وقد يأتي عليك يوم لا تستطيع فيه إلا أن تقول:
يا رب، أشعر أنك بعيد.
حتى هذه الجملة…
قلها له.
لا تقلها بعيدًا عنه.
قلها إليه.
يا رب، أشعر أنك بعيد، وأنا أعرف أن شعوري ليس حكمًا عليك.
يا رب، قلبي بارد، فأحيه.
يا رب، لا أجد تلك الطمأنينة، لكنني ما زلت أجيء.
يا رب، لا تجعلني أبحث عنك في الإحساس فقط.
يا رب، علمني أن أعرفك حتى حين لا تساعدني مشاعري على ذلك.
وهنا قد تكتشف المفارقة الجميلة:
كنت تقول:
أشعر أن الله بعيد.
لكن إلى من كنت تشكو بُعدك؟
إلى الله.
وإلى من كنت تمد يدك؟
إلى الله.
وعند باب من وقفت وأنت لا تشعر بشيء؟
عند بابه.
فلا تجعل الجفاف يخرجك من المكان الذي يمكن أن يُروى فيه قلبك.
ولا تجعل قلة الخشوع سببًا لترك الصلاة التي تطلب فيها الخشوع.
ولا تجعل ضعف الإحساس بالقرآن سببًا لهجر القرآن.
ولا تجعل خوفك من البعد يدفعك إلى البعد الحقيقي.
ابق.
حتى وأنت لا تشعر.
ارجع.
حتى لو كان رجوعك هادئًا.
واسجد.
حتى إن لم تأتك الدموع.
وادع.
حتى لو لم يكن عندك إلا:
يا رب.
لأن الله لم يقل لك:
اشعر واقترب.
قال:
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾.
وقد يجف شعورك…
دون أن يجف الطريق بينك وبين الله.
فلا تجعل قلبًا متقلبًا يلغي لك خبرًا ثابتًا قاله ربك:
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾.