🎁 لكل نعمة حق
حين لا يكون السؤال فقط: ماذا أعطاك الله؟ بل: ماذا أصبح في استطاعتك بعد أن أعطاك؟
قد تنظر إلى النعمة من الجهة التي تصل إليك منها.
المال يخفف ضيقا. العافية تمنحك راحة. العلم يفتح لك أبوابا. المكانة تجعل الناس يسمعونك. الوقت الواسع يخفف عنك العجلة. البيت يؤويك.
ومن الطبيعي أن ترى هذا كله بوصفه خيرا أضيف إلى حياتك.
لكن للنعمة جهة أخرى أقل ظهورا.
فكلما أعطاك الله شيئا، لم تتغير فقط مساحة ما تملكه.
تغيرت أيضا مساحة ما تستطيعه.
قبل المال، كانت أشياء لا تقدر عليها. بعده، أصبحت تقدر.
قبل العلم، كانت أمور تخفى عليك. بعده، أصبحت تعرف.
قبل المكانة، لم تكن كلمتك تصل بعيدا. بعدها، صار لك أثر.
قبل العافية، كنت عاجزا عن بعض ما تريد. بعدها، أصبح الجسد قادرا.
وهنا يبدأ معنى أعمق للشكر:
كل نعمة توسع دائرة قدرتك، وكل قدرة جديدة تفتح أمامك حقا جديدا للنعمة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
النعمة لا تأتي وحدها
نحن غالبا نستقبل النعمة بالسؤال:
ماذا ستفعل هذه النعمة لي؟
كم ستريحني؟
ماذا ستفتح أمامي؟
أي مشكلة ستحل؟
لكن السؤال الذي قد يغيب هو:
ماذا أصبح مطلوبا مني لأنني أملكها الآن؟
فالفقير الذي لا يستطيع إعانة أحد ليس كمن وسع الله عليه حتى صار قادرا.
ومن لم يتعلم الحكم ليس كمن عرفه.
ومن لا يسمعه أحد ليس كمن يستطيع بكلمة واحدة أن ينفع مئات الناس أو يؤذيهم.
ومن لا يملك وقتا إلا بقدر ضروراته ليس كمن فتح الله له ساعات واسعة يستطيع أن يصنع فيها شيئا.
النعمة لا تغير مستوى راحتك فقط.
تغير موقعك من بعض الأشياء.
أمس كنت تقول:
لا أستطيع.
واليوم أعطاك الله ما تستطيع به.
وهذا التحول نفسه جزء من معنى النعمة.
ولهذا يقول الله تعالى:
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].
النعيم ليس شيئا يمر في حياتك بلا أثر لمجرد أنك قلت عند وصوله: الحمد لله.
هناك سؤال آخر ينتظر العطية:
ماذا صنعت بها؟
قد تشكر النعمة بلسانك وتضيّع حقها بيدك
يمكن للإنسان أن يكون كثير الحمد، ثم يعامل النعمة كأن علاقتها بالله انتهت عند لحظة وصولها.
يقول:
الحمد لله على المال.
ثم يدخل المال في حياته، ويصبح التصرف فيه منفصلا تماما عن معنى الحمد.
يقول:
الحمد لله على الصحة.
ثم تمر العافية في أيامه كلها دون أن يسأل: في ماذا أستهلك هذا الجسد؟
يقول:
الحمد لله الذي علمني.
ثم يستخدم العلم ليظهر، أو يجادل، أو يحتقر من لا يعرف.
يقول:
الحمد لله على قبول الناس لي.
ثم يتحول القبول إلى سلطة على قلوبهم بدلا من أن يكون أمانة في الكلمة.
هنا لم تكن المشكلة في كلمة «الحمد لله».
الكلمة صحيحة.
لكن النعمة لم يصل شكرها إلى موضع استعمالها.
كأنك استقبلت العطية عند الباب بأدب شديد…
ثم ما إن دخلت البيت حتى نسيت ممن جاءت.
حق النعمة لا ينتهي عند استقبالها؛ يبدأ هناك.
ليس لكل النعم الحق نفسه
وهنا يلزم أن نفهم الأمر بلا مبالغة.
ليس معنى «لكل نعمة حق» أن تحول حياتك إلى محكمة داخلية:
هل شكرت بصري بما يكفي؟
هل أديت حق كل دقيقة؟
هل استعملت كل ريال في أفضل استعمال ممكن؟
هذا قد يفتح على الإنسان بابا من الوسواس لا يريده الشرع.
وليس مطلوبا أن تجعل كل مباح تضييعا للنعمة لأنك كنت تستطيع أن تفعل شيئا «أعظم».
لك أن ترتاح.
ولك أن تستمتع بالمباح.
ولك أن تنفق على نفسك وأهلك.
ولك أن تستعمل النعمة في حاجاتك الدنيوية.
فالنعمة لم تأت لتصبح عبئا جديدا يفسد عليك الانتفاع بها.
لكن لها حدودا واضحة.
ألا تنسبها إلى نفسك استقلالا عن الله.
وألا تستعملها في معصيته.
وألا تمنع بها حقا أوجبه الله عليك.
وألا تجعلها سببا للتعالي على من لم يعط مثلها.
وإذا فتحت لك باب خير تستطيع فعله، فلا تمر دائما من جواره كأن القدرة نفسها لا تعني شيئا.
فالحق يختلف باختلاف النعمة، والحال، وما أوجبه الله، وما يستطيع الإنسان.
لكن الأصل واحد:
ما أعطاك الله إياه لم يخرج من دائرة العبودية بعد أن صار ملكا في يدك.
بعض الناس لا تضيع منهم النعمة… بل تضيع وظيفة النعمة
قد يبقى المال.
وتبقى الصحة.
ويبقى العلم.
وتبقى المكانة.
ومع ذلك يحدث فقد من نوع آخر.
النعمة موجودة، لكن وظيفتها في القلب ماتت.
فالمال الذي كان يمكن أن يجعلك أكثر إحساسا بالفقراء جعلك أقل رؤية لهم.
والعلم الذي كان يمكن أن يجعلك أكثر تواضعا جعلك أسرع حكما على الناس.
والعافية التي كان يمكن أن تزيدك عملا جعلتك أكثر تأجيلا.
والمكانة التي كان يمكن أن تحمل بها كلمة حق جعلتك أخوف على صورتك.
هنا لا يكون السؤال: هل زالت النعمة؟
بل:
ماذا صنعت النعمة بصاحبها؟
وهذا من أخطر الاختبارات؛ لأن الإنسان قد يظن أن استمرار الشيء دليل على أنه يحسن حمله.
مع أن النعمة قد تبقى، والامتحان فيها ما يزال قائما.
قال الله تعالى عن سليمان عليه السلام:
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40].
وصل الفضل.
لكن الوصول لم يكن نهاية القصة.
كان بداية السؤال.
لا تسأل فقط: ماذا ينقصني؟
هناك إنسان يقضي جزءا كبيرا من عمره يراقب النعم التي لم تأت بعد.
لو زاد مالي.
لو تحسنت صحتي.
لو اتسع وقتي.
لو تعلمت أكثر.
لو أصبح لي تأثير.
وقد يكون من حقه أن يطلب ذلك كله.
لكن ربما يحتاج أحيانا إلى أن يلتفت إلى السؤال المعاكس:
ماذا أفعل بما وصل بالفعل؟
نطلب من الله أحيانا قدرة جديدة، بينما قدرات قديمة ما تزال معطلة.
نطلب بابا أوسع، بينما الباب الموجود لا يخرج منه خير كثير.
نطلب مزيدا من الوقت، بينما الوقت الحالي يضيع.
نطلب علما، ثم لا نعمل بما عرفناه.
نطلب مالا أكثر، بينما علاقتنا بالقليل لم تنضج بعد.
ليس معنى ذلك أن الله لن يزيدك حتى تفعل كذا؛ فلا نجزم على الله بذلك.
لكنها محاسبة تخصك أنت:
قبل أن أنشغل بما لم يصل، هل أعطيت ما وصل حقه؟
اجعل لكل نعمة طريقا يعود بها إلى الله
حين تعرف نعمة في حياتك، لا تكتف بأن تسميها.
اسألها سؤالا واحدا:
ما الطريق الذي تعودين منه إلى رضا الله؟
المال قد يعود بنفقة واجبة، أو صدقة، أو إعفاف أهل، أو كف عن حرام.
العلم يعود بعمل، أو تعليم، أو كلمة حق، أو صمت عن القول بغير علم.
الصحة تعود بعبادة، وسعي نافع، وخدمة من يحتاج.
القبول بين الناس يعود بصدق الكلمة وعدم استغلال الثقة.
الوقت يعود بأن يكون فيه نصيب لما ينفع دنياك وآخرتك.
ولا تحتاج أن تفعل بكل نعمة كل شيء.
يكفي أن ترفض أن تكون النعمة طريقا ينتهي عندك.
قال الله تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].
تأمل العبارة:
فيما آتاك الله.
ليست الآخرة دائما مشروعا منفصلا يحتاج إلى أشياء لم تصل بعد.
قد يكون الطريق إليها مخبوءا داخل ما آتاك الله بالفعل.
في مالك.
في وقتك.
في قدرتك.
في علمك.
في صوتك.
في موقعك.
في العافية التي استيقظت بها هذا الصباح.
وهذا هو المعنى الذي يتسع في شكر النعمة بالعمل؛ فالحمد لا يبقى عند الاعتراف بالفضل، بل يظهر كذلك في طريقة استعمال ما أعطاك الله.
لا تجعل حق النعمة خوفا من زوالها
وأهم ما ينبغي أن يبقى واضحا:
أداء حق النعمة ليس حيلة للاحتفاظ بها.
لا تحسن استعمال صحتك فقط حتى لا تمرض.
ولا تتصدق فقط حتى لا ينقص المال.
ولا تشكر فقط لأنك تخشى أن تسلب.
فإذا تحول حق النعمة إلى ثمن تدفعه لبقائها، عدنا إلى المساومة من باب آخر.
أد حقها لأنها من الله.
لأن العبودية لا تسقط بعد أن يأتي العطاء.
ولأن أجمل ما تفعله النعمة أنها توسع المساحة التي تستطيع أن تعبد الله فيها.
إن بقيت، فاستمر في حقها.
وإن تغيرت، صار للحال الجديد حق آخر.
أما الغيب فدعه لله.
حين تنظر بعد ذلك إلى ما عندك، لا تره مجرد قائمة ممتلكات.
انظر إلى شيء أدق:
هذه أشياء جعلني الله قادرا بها على أمور لم أكن أقدر عليها.
وهنا يتغير الشكر.
لا يعود فقط:
الحمد لله أن عندي.
بل يصبح أيضا:
يا رب، أعني أن أحسن فيما جعلتني قادرا عليه.
فالنعمة لا تسألك فقط أن تعرف قيمتها.
ولا فقط أن تفرح بها.
ولا فقط أن تقول الحمد لله.
إنها توسع قدرتك، ثم تضع أمامك سؤالها الحقيقي: ماذا فعلت بما أصبح في يدك أن تفعله؟