الخيبات السابقة: حين تصبح حجابا عن حسن الظن بالله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🪟 حين تصبح خيباتك السابقة حجابا عن حسن الظن بالله

حين لا تقول لك الخيبة القديمة: «هذا ما حدث»… بل تقف بينك وبين كل خير ممكن وتقول: «أنا أعرف ما وراء الباب»

شخص يتأمل من خلف نافذة تحمل آثار المطر في مشهد يرمز إلى الخيبات السابقة حين تصبح حجابا يؤثر في حسن الظن بالله والنظر إلى المستقبل.

ليست كل الخيبات تنتهي حين ينتهي الحدث.

بعضها يبقى في القلب بعد سنوات، لا بوصفه ألما فقط، بل بوصفه طريقة جديدة للنظر.

كنت قبلها تسمع خبرا جميلا فتفرح.

ترى بابا فينفتح في نفسك احتمال.

تدعو الله بأمر تحبه، وتستطيع أن تترك مساحة في قلبك لما لا تعرف.

ثم جاءت خيبة.

ربما أكثر من واحدة.

شيء ظننته قريبا فابتعد.

باب بدت علاماته مبشرة ثم أغلق.

أمر دعوت به طويلا ولم يقع بالصورة التي تمنيتها.

إنسان وثقت به ثم خالف ما توقعت.

محاولة ظننت أنها المرة الأخيرة قبل الوصول، ثم أعادتك إلى البداية.

ومع كل خيبة، لم يسقط منك شيء مما تمنيت فقط.

سقطت أيضا قطعة من سهولة التصديق بأن القادم قد يكون مختلفا.

حتى يأتي يوم لا تحتاج فيه الخيبة القديمة إلى أن تتكرر كي تؤلمك.

يكفي أن يلوح شيء جميل.

فتسبق إليه هي.

تقف أمامه.

وتقول لقلبك:

لا تتسرع.

أنا رأيت هذا من قبل.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

المشكلة ليست أنك تذكر الماضي… بل أنك تنظر من خلاله

النافذة وظيفتها أن ترى ما وراءها.

لكن ماذا لو بقي على زجاجها أثر قديم؟

أنت ما زلت تنظر إلى الخارج.

لكن كل شيء يصل إلى عينك بعد أن يمر بذلك الأثر.

وهكذا قد تفعل الخيبة بالقلب.

لا تمنعك من معرفة أن الله كريم.

ولا من الإيمان بأنه قادر.

ولا من الدعاء.

لكن كل معنى جميل يمر في داخلك من خلال شيء حدث لك من قبل.

يقال لك:

الله قادر أن يفتح لك بابا.

فتجيب الذاكرة:

كان قادرا في المرة الماضية أيضا، ولم يقع ما أردت.

يقال:

أحسن الظن بالله.

فتقول في داخلك:

لقد أحسنت الظن من قبل، وتألمت.

يقال:

لا تعلم ماذا يأتي به الغد.

فتقول الخيبة:

ربما، لكنني تعلمت ألا أتوقع كثيرا.

وهنا يقع التحول الخطير.

الخيبة التي كان ينبغي أن تبقى واقعة في تاريخك تصبح زجاجا تنظر من خلاله إلى ربك ومستقبلك.

ومن هنا يأتي السؤال الكاشف:

هل خيباتك السابقة ما تزال تخبرك بما وقع لك… أم أصبحت تفسر لك من خلالها ما يجوز أن تنتظره من فضل الله؟

هذا فرق أكبر مما يبدو.

حين تعطي الخيبة حق تفسير الله

أنت تعرف حقيقة محددة:

أردت شيئا ولم يقع.

أو وقع غير ما تمنيت.

أو انتظرت طويلا ولم تر الصورة التي رجوتها.

هذه هي الواقعة.

لكن القلب المجروح لا يحب الفراغ.

يريد تفسيرا.

فيبدأ يضيف:

إذن ربما الأشياء الجميلة لا تكتمل معي.

إذن الأفضل ألا أرفع رجائي.

إذن كلما بدا باب قريبا، ينبغي أن أتوقع إغلاقه.

إذن لا أثق كثيرا بالبدايات المبشرة.

ثم قد تتسلل جملة أشد خفاء:

ربما هذه هي الطريقة التي ستظل بها الأمور بيني وبين الله.

وهنا لم تعد تتحدث عن حادثة.

أنت تبني من الحادثة تصورا عن المستقبل كله.

وهذا هو الحجاب.

ليس أن تقول إن الله غير قادر؛ قد تستعيذ بالله من هذه الفكرة أصلا.

بل أن يبقى إيمانك بقدرته في عقلك، بينما تتصرف مشاعرك كأن الخيبات الماضية قد كشفت لها نمط معاملته لك فيما بقي من عمرك.

كأن ما لم يعطك بالأمس أصبح تعريفا لما سيعطيك غدا.

وكأن الباب الذي أغلق مرة صار شرحا لكل باب لم تصل إليه بعد.

الخيبة واقعة… وليست تفسيرا لاسم الله الكريم

هذه من أدق المساحات التي يحتاج القلب إلى حراستها.

قد تتألم من شيء ولم تعرف لماذا لم يقع.

لا مشكلة في قول:

لا أفهم.

وقد تقول:

كنت أرجوه جدا.

وهذا صادق.

وقد تقول:

ما زال فقده يؤلمني.

وهذا لا يقدح في إيمانك.

لكن لا تجعل الألم يكمل الجملة نيابة عنك:

«ولأن هذا لم يحدث، فقد عرفت الآن كيف ستكون الأمور دائما».

أنت لم تعرف.

أنت تألمت.

وهما ليسا شيئا واحدا.

قال الله تعالى:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

هذه الآية لا تطلب منك أن تدعي معرفة الخير المختبئ في كل خيبة بعينها.

ولا أن تقول عن كل ما كرهته: أعرف لماذا فعله الله بي.

بل تعيدك إلى حدك الصحيح:

هناك فرق بين أن تعرف ما أصابك، وأن تعرف حقيقة التدبير كله.

أنت تملك الأول.

أما الثاني فلا.

ومن هنا يبدأ حسن الظن.

ليس بأن تفسر كل خيبة تفسيرا مريحا.

بل بألا تسمح لها أن تصبح تفسيرا سيئا لربك.

ربما كنت تسمي التوقع السيئ «حماية»

بعد الخيبات، يتعلم القلب حيلة تبدو ذكية:

توقع الأسوأ، فلن يفاجئك شيء.

لا تفرح كثيرا.

لا تعتبر الباب فرصة حتى يفتح تماما.

لا تصدق البشارة حتى تصبح واقعا.

لا تسمح للدعاء أن يرفع فيك أملا كبيرا.

إذا توقعت الخيبة من البداية، ستكون أقل ألما حين تأتي.

وهنا يصبح سوء التوقع نوعا من التأمين النفسي.

أنت تدفع ثمنه مقدما من فرحك، ومن سكينتك، ومن قدرتك على استقبال الاحتمال الجميل، مقابل وعد داخلي:

لن أنكسر كما انكسرت من قبل.

لكن هل ينجح ذلك حقا؟

إذا وقع الألم، سيؤلمك.

وإذا لم يقع، تكون قد عشت جزءا من الخير وأنت واقف خارجه.

والأخطر أن هذه الحماية قد تتسلل إلى علاقتك بالله.

فتظن أنك إذا لم تتوقع من الله شيئا جميلا، فلن تتعرض «لخيبة» جديدة.

وهنا يحتاج المعنى نفسه إلى تصحيح:

الله لا يخلف وعده.

لكن كثيرا مما نسميه «خيبة» لم يكن وعدا من الله أصلا.

كان أملا لنا.

أو احتمالا أحببناه.

أو نتيجة ظننا أنها الأقرب.

أو دعاء ربطنا في داخلنا إجابته بصورة واحدة.

فلما لم تقع الصورة قلنا:

خاب أملي.

والألم مفهوم.

لكن لا تجعل خيبة توقعك خيبة في ربك.

فرق هائل بين «لم يقع ما رجوت» و«لا خير لي فيما سيأتي»

هذه هي الجملة التي ينبغي تفكيكها.

قد تقول:

دعوت بالشيء ولم أحصل عليه.

صحيح.

لكن هل يعني ذلك أن الدعاء القادم سيؤول إلى النتيجة نفسها؟

لا تعلم.

قد تقول:

فرحت بأمر من قبل ثم لم يكتمل.

صحيح.

لكن هل أصبحت كل بداية جميلة مقدمة لنهاية مؤلمة؟

لا تعلم.

قد تقول:

انتظرت بابا سنوات ولم يفتح.

صحيح.

لكن هل هذا الباب هو معيار كل ما يستطيع الله أن يقدره لك؟

لا تعلم.

لاحظ أن العلاج لا يحتاج إلى أن يقول العكس:

سيحدث هذه المرة.

سيكتمل الباب القادم.

ستعوض حتما بالصورة التي تريد.

هذا أيضا كلام في الغيب.

بل العلاج أن تنزع من الخيبة سلطة لم تكن لها من الأصل.

فتقول:

أنت دليل على شيء حدث، لا دليل على كل ما سيحدث.

حسن الظن بالله لا يحتاج منك إلى ذاكرة بيضاء

ربما تظن أنك لكي تحسن الظن بالله من جديد، يجب أن تنسى.

أن يعود قلبك خفيفا كما كان قبل الخيبات.

أن تسمع عن الفرج فتشعر بالحماسة نفسها.

أن تدعو دون أن يمر في بالك شيء مما حدث.

لا.

قد لا تعود كما كنت.

وربما ليس المطلوب أن تعود.

الذاكرة التي تألمت لن تمحى بالأوامر.

لكن يمكن أن يتغير موضعها.

بدلا من أن تكون الخيبة أمام عينيك، اجعلها خلفك.

هي جزء من الطريق.

وليست الزجاج الذي يجب أن ترى من خلاله كل الطريق.

تذكرها حين تحتاج إلى الحكمة.

تعلم منها ألا تتعلق بسبب.

ألا تبني يقينا على علامة.

ألا تجعل أمنيتك وعدا من الله.

ألا تحدد للرحمة شكلا واحدا.

هذه ثمار ناضجة للخيبة.

لكن لا تتعلم منها ما لم تعلمك إياه:

أن فضل الله صار أضيق.

أو أن كل دعاء قادم سيعيد القصة.

أو أن نصيبك من الخير قد تحدد بما رأيته حتى الآن.

أخرج الخيبة من موضع الشرح

ربما لا تستطيع أن تمحو أثرها من النافذة دفعة واحدة.

لكن كلما رأيت القادم من خلالها، انتبه.

إذا ظهر احتمال خير وقالت لك:

«لا تفرح، سينكسر»…

لا تقل:

بل سأفرح لأنه سينجح حتما.

قل:

لا أعلم.

وإذا دعوت وقالت:

«دعوت من قبل»…

قل:

نعم.

وقد كنت عبدا لله حين دعوت من قبل، وأنا عبده الآن.

وإذا جاءك خاطر:

«لماذا أحسن الظن وأنا أعرف كيف تنتهي الأمور؟»

فصحح العبارة:

أنا أعرف كيف انتهت أمور.

ولا أعرف كيف ستنتهي الأمور.

فرق حرف واحد في اللغة…

لكن بينهما في القلب مساحة غيب كاملة.

ليس المطلوب أن ترى وراء النافذة شيئا محددا

قد تظل الظروف أمامك مغلقة.

وقد لا تجد الآن سببا قويا للتفاؤل.

ليس عليك اختراع سبب.

حسن الظن بالله لا يعني أن ترى الطريق.

ولا أن تشعر أن الفرج قريب.

ولا أن تتنبأ بخير محدد.

يكفي أحيانا أن تنظف موضعا واحدا من الزجاج:

ألا تجعل الألم القديم يكتب فوق كل مجهول جديد: «سيكون مثلي».

اترك المجهول مجهولا.

واترك فضل الله أوسع من ذاكرتك.

واسأل الله ما تحب دون أن تطالبه بالصورة.

وخذ السبب دون أن تعبده.

وإن جاء الخير فاحمد.

وإن بقي الأمر مؤلما، فلا تجعل بقاءه حجة على ربك.

فالخيبة تستطيع أن تصف لك جزءا من قصتك.

لكنها ليست مفسرا لأسماء الله.

ولا شارحا لمستقبلك.

ولا نافذة وحيدة يجب أن تنظر منها إلى القادم.

أعمق حسن الظن بعد الخيبات ليس أن تقول: هذه المرة سيحدث ما أريد؛ بل أن ترفض أن تجعل ما لم يحدث بالأمس تعريفا لما يمكن أن يأتي به الله غدا.

```0[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0