طول البلاء لا يعني دوامه: ليس كل ما طال بقاؤه كتب له أن يبقى

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🪢 ليس كل ما طال بقاؤه كتب له أن يبقى

حين تقيس ما بقي من الأزمة بعدد السنوات التي مضت… كأن عمر العقدة يخبرك كم تحتاج كي تنحل

حبل معقود بقي مشدودا طويلا أمام شخص يتأمل عند الغروب، في مشهد يرمز إلى أن طول البلاء لا يعني دوام الأزمة وأن العقدة قد تتغير في وقت أقصر مما نتخيل.

هناك أزمات لا ترهقك فقط لأنها ثقيلة.

ترهقك لأنها قديمة.

لو أن المشكلة بدأت منذ أسبوع، لبقي في داخلك شيء واسع للاحتمالات. كنت ستقول: لعلها تتغير، لعل سببا يظهر، لعل الأمور لم تستقر بعد على صورتها الأخيرة.

لكنها حين تبقى سنة، ثم سنتين، ثم أكثر، يحدث شيء في نظرتك إليها.

لا تصبح المشكلة أكبر بالضرورة.

لكن عمرها يبدأ في التحول إلى حجة.

تقول لنفسك:

لو كان لها مخرج، لظهر منذ زمن.

لو كانت ستتغير، لتغيرت.

لقد جربت كثيرا.

مرت مناسبات كنت أظن أن الأمر سيتحسن بعدها، ولم يتحسن.

وجاءت أعوام جديدة وبقي القديم مكانه.

فتبدأ في قياس ما بقي من الأزمة بما مضى منها.

وكأنك أمام عقدة ظلت مشدودة سنوات، فاستنتجت أن حلها ـ إن كان لها حل أصلا ـ يحتاج سنوات أخرى.

لكن العقد لا تعمل بهذه الطريقة دائما.

قد تبقى العقدة مشدودة زمنا طويلا بسبب التفافة واحدة تحمل بقية الخيوط.

ويظل الناس يشدون أطرافها، فتزداد إحكاما.

ثم يتحرك موضع صغير كان يحمل الشد كله…

فتتفكك في دقائق عقدة عاشت سنوات.

وهنا يكمن السؤال الذي قد يحتاج قلبك أن يسمعه بعد طول البلاء:

من قال إن المدة التي استغرقتها الأزمة حتى اليوم تساوي المدة التي تحتاجها حتى تتغير؟

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

عمر العقدة ليس قياسا للمسافة إلى حلها

العقل يحب الخطوط المستقيمة.

إذا احتاج شيء خمس سنوات حتى يصل إلى هذه الحال، نتخيل أنه سيحتاج زمنا مشابها كي يخرج منها.

وإذا تحسنت الأمور ببطء شديد مدة طويلة، نتوقع أن بقية التحسن سيكون بالبطء نفسه.

وإذا لم يظهر حل خلال سنوات، نتصور أن احتماله أصبح أضعف كلما مضى الوقت.

لكن كثيرا من أحوال الحياة لا تتغير بهذه الصورة الخطية.

قد يبقى أمر معلقا لأن سببا واحدا لم يوجد بعد.

وقد تستمر أزمة لأن مجموعة ظروف بقيت مجتمعة، فإذا تغير واحد منها تغيرت أشياء كثيرة معه.

وقد يبقى باب رزق مغلقا لأن فرصة لم تظهر، ثم تظهر فرصة تغير حسابات سنوات.

وقد تستمر مشكلة صحية زمنا، ثم يوفق الله إلى تشخيص أو علاج يغير المسار.

وقد يبقى نزاع عائلي معقدا، ثم تحدث مراجعة أو كلمة أو ظرف يعيد ترتيب ما كان متجمدا.

ليست هذه وعودا بأن كل أزمة ستنحل فجأة.

ولا أن في أزمتك تحديدا تفصيلة خفية ستظهر غدا.

إنما المعنى الذي ينبغي أن يبقى صحيحا هو:

عدم تغير المشهد طويلا لا يثبت أن مقدار التغير المطلوب كبير بقدر عمره.

أحيانا يكون تاريخ العقدة طويلا…

لكن المسافة بين «ما زالت» و«انتهت» أقصر بكثير مما يتخيل صاحبها.

لأنك عشت كل السنوات… تظن أن الحل يجب أن يعيشها أيضا

هذه واحدة من أقسى خدع البلاء الطويل.

أنت تعرف كم دفعت.

تعرف الليالي التي مرت.

والمحاولات التي فشلت.

والأبواب التي أغلقت.

والمرات التي رفعت فيها رأسك ثم عدت مثقلا.

أنت تعرف الكلفة بالتفصيل.

ولهذا يصعب على النفس أن تتخيل أن مشهدا كلفها سنوات يمكن أن يتغير في مدة قصيرة.

كأن في داخلك ميزانا يقول:

بعد كل هذا التعقيد… لا يمكن أن يكون الخروج بهذه السهولة.

بعد كل هذه السنوات… لا بد أن الطريق الباقي طويل أيضا.

لكن مقدار ما استغرقه الألم في التكوّن لا يحدد مقدار الزمن الذي يحتاجه المشهد حتى يتغير.

ولا يلزم أن تتفكك الأزمة بالسرعة نفسها التي تكونت بها.

قد يتراكم الدين سنوات، ثم تتغير القدرة على السداد في مرحلة أقصر.

وقد يبنى وضع كامل حول ظرف واحد، ثم يتغير الظرف فتتغير معه شبكة واسعة من النتائج.

وقد تظل العقدة شديدة لا لأن كل خيط فيها يحتاج إلى علاج مستقل، بل لأن الخيوط كلها مشدودة من موضع واحد.

وأنت لا تعرف دائما أين ذلك الموضع.

ولا متى يأذن الله بتغيره.

يوسف لم يحتج إلى سنوات أخرى تساوي سنوات السجن

في قصة يوسف عليه السلام مشهد بالغ الدلالة في هذا المعنى.

قال الله تعالى:

﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: 42].

سنوات مر فيها المشهد نفسه:

سجن.

ثم سجن.

ثم يوم جديد داخل السجن.

ولو قاس إنسان بقية القصة بما مضى منها، لربما قال: لقد طال الأمر، ولا تظهر حركة كبيرة في المشهد.

ثم قال الله تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: 50].

جملة واحدة، وبعدها بدأ المشهد كله يتحرك في اتجاه آخر.

لم تكن سنوات السجن دليلا على أن الانتقال منه إلى حال أخرى يحتاج سنوات مماثلة.

لكن انتبه:

قصة يوسف ليست جدولا زمنيا لحياتك.

ولا يجوز أن نقول لكل مبتلى: كما خرج يوسف بعد سنوات فستخرج أنت بعد كذا.

إنما نأخذ منها أصلا أصدق:

الحال الطويلة قد تكون طويلة حقا، من غير أن تكون دائمة، وقد يبدأ تغيرها من موضع لم يكن ظاهرا في حساباتك.

فالسنوات تصف ما وقع.

ولا تحد قدرة الله على ما سيقع.

المشكلة حين تشد العقدة بنفسك من شدة اليأس

حين يطول الانتظار، قد تبدأ النفس في شد أطراف العقدة بطريقة تزيدها إحكاما.

ليس لأنك تريد ذلك.

بل لأنك أصبحت مقتنعا أن لا شيء سيتغير.

فتترك سببا مشروعا كان يمكن أخذه لأنك تقول: جربت بما يكفي.

أو ترفض فرصة صغيرة لأنها لا تشبه الحل الكبير الذي تنتظره.

أو تتوقف عن التعلم أو الحركة أو السؤال لأن التجارب السابقة علمتك أن تتوقع الفشل.

أو تجعل الأزمة جزءا من هويتك:

أنا الذي لا تنفرج له هذه الأمور.

أنا الذي دائما يحدث معه كذا.

أنا الذي كتب عليه أن يعيش بهذا الشكل.

وهنا انتقلت من وصف العقدة إلى ربط نفسك بها.

وهذا ما ينبغي مقاومته.

ليس بالتفاؤل المصطنع.

ولا بأن تقول لنفسك إن الفرج قريب وأنت لا تملك علما بذلك.

بل بجملة أكثر انضباطا:

هذه الأزمة قديمة… لكن قدمها ليس نبوة.

لقد بقيت.

هذا ما أعرفه.

أما أنها ستبقى، فلا أعرفه.

لا تبحث بجنون عن «الخيط السري»

وقد يسمع الإنسان صورة العقدة، فيبدأ في اتجاه آخر من الاستنزاف:

إذن لا بد أن هناك شيئا واحدا لو عرفته لتغير كل شيء.

ما هو؟

هل فاتني سبب؟

هل أخطأت في قرار؟

هل هناك عبادة معينة؟

هل توجد إشارة لم أفهمها؟

وهنا نحتاج إلى ميزان.

ليس المقصود أن لكل أزمة «خيطا سريا» مطلوبا منك اكتشافه.

ولا أن الفرج متوقف على لغز لم تحسن حله.

ولا أن تأخره يعني أنك لم تجد المفتاح بعد.

قد يكون عليك أسباب واضحة فخذها.

وقد تحتاج إلى مراجعة قرار فراجعه.

وقد تحتاج إلى طلب خبرة أو علاج أو عمل أو إصلاح فافعل.

لكن لا تحول الغيب إلى لعبة بحث.

أنت مأمور بما ظهر لك من السبب المشروع.

أما كيف يجمع الله الأسباب، ومتى تتغير الظروف، وما الذي يفتح به ما أغلق، فليس كله تحت سيطرتك.

العقدة في يدك من جهة التكليف فقط:

لا تشدها أكثر بما تستطيع تجنبه.

وافعل ما تعرف أنه صحيح.

أما بقية الخيوط فليست كلها في يدك.

طول الانتظار لا يعطيك حق كتابة النهاية

قال الله تعالى:

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].

هذا وعد يثبت القلب، لكنه لا يسلمنا موعدا خاصا ولا صورة محددة للفرج.

فلا تقل:

بما أن العسر طال، فلا بد أن اليسر غدا.

ولا تقل في الجهة الأخرى:

بما أن العسر طال، فلا يسر بعده.

كلا الجملتين تتكلمان فيما لا تعلم.

أما العبودية الأصدق فتقول:

طال الأمر حتى أتعبني.

ولا أرى الآن كيف يتغير.

وسأبذل ما أستطيع.

لكنني لن أجعل حدود قدرتي بعد سنوات من المحاولة حدا لقدرة الله، ولا سنوات الإغلاق حكما بأن كل الأسباب الممكنة قد انتهت.

فأنا أحسب بما ظهر لي.

والله يقدر بما لا يحيط به حسابي.

لا تعد السنوات كلما أردت أن تعرف كم بقي

ربما كنت الآن داخل أمر مضى عليه زمن طويل.

ولهذا، كلما حاول أحد أن يذكرك بالأمل، أجابه صوت في داخلك:

أنت لا تعرف كم مضى.

وهو اعتراض مفهوم.

فالذي عاش الأزمة يعرف ثقل عمرها بطريقة لا يعرفها من ينظر إليها من الخارج.

لكن بعد أن تقول:

«لقد مضت سنوات»…

توقف.

لا تضف تلقائيا:

«إذن أمامي سنوات».

لأن الجزء الأول من الجملة تاريخ.

والجزء الثاني غيب.

وقد يكون بينهما فرق هائل.

افعل اليوم ما تستطيع فعله.

إن كان في العقدة طرف مشروع تستطيع تحريكه، فحركه.

وإن لم تملك الآن إلا أن تمنع اليأس من أن يحولك إلى جزء منها، فافعل.

ولا تطلب من نفسك حماسا لا تملكه.

ولا يقينا بفرج محدد لم يعطك الله تفاصيله.

يكفي أن تترك في قلبك مساحة واحدة لم يغلقها طول الألم:

أن ما استمر طويلا يمكن أن يتغير دون أن يحتاج التغير إلى عمر يساوي عمره.

فالسنوات التي مرت تخبرك كم تحملت.

لا كم بقي عليك أن تتحمل.

والعقدة التي عاشت طويلا تخبرك أنها كانت محكمة.

لا أنها أبدية.

وقد يكون ما يرهقك اليوم أنك تنظر إلى كل خيوطها دفعة واحدة، بينما لا تعلم أيها سيحرك الله، ولا متى، ولا كيف.

فلا تعد عمر العقدة كل ليلة لتستنتج عمرها الباقي.

بعض الأشياء تقضي سنوات وهي مشدودة… ثم لا تحتاج حين يأذن الله بتغيرها إلى سنوات أخرى كي تتفكك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0