غموض المستقبل: كيف تثق بالله حين لا تعرف نهاية ما يؤلمك؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

أشد ما يؤلمك في بعض البلاءات ليس ما حدث… بل ما لا تعرفه.

لا تعرف لماذا تأخر الأمر. لا تعرف كيف ستنتهي القصة. لا تعرف هل هذا الباب مغلق إلى الأبد، أم أن خلفه فتحًا لم يحن وقته. لا تعرف هل ما فقدته كان نجاة، أم أن ما تنتظره سيأتي، أم أن الله يهيئ لك شيئًا لم يخطر لك أصلًا.

وهنا يبدأ جرح من نوع آخر، هو ألم غموض المستقبل:

جرح الغيب المحجوب.

شخص يقف أمام طريقين بين العتمة والضوء في مشهد يرمز إلى غموض المستقبل والثقة بالله حين لا تعرف النهاية
حين لا تعرف النهاية، يبقى السؤال الأعمق: على ماذا يقوم اطمئنان قلبك؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يصبح الغيب المحجوب جرحًا

تقول في داخلك: يا رب، لو أعطيتني علامة فقط… لو عرفت أن النهاية ستكون خيرًا… لو رأيت شيئًا واحدًا يطمئنني إلى أن كل هذا لن يضيع…

وكأن القلب يقول:

أعطني معلومة عن الغد، حتى أستطيع أن أثق بك اليوم.

وهنا تأتي الآية في موضع بالغ الدقة:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: 179]

التمييز وحجب الغيب: ماذا تقول الآية؟

الآية في سياق تمييز المؤمن من المنافق، لا في كشف نهايات البلاء الفردي. لكن تأمل هذا الاقتران.

حديث عن التمييز… ثم حديث عن حجب الغيب.

وفي هذا الاقتران معنى يفتح بابًا للتأمل: أن الابتلاء يكشف، بينما يبقى الغيب غيبًا؛ فلا يقوم ثبات المؤمن على أن يُخبر مسبقًا بما سيحدث.

ومن جهة تأمل حال القلب: لو عرفت النهاية منذ البداية، لما انكشف كل ما في قلبك.

لو علمت يقينًا أن الفرج بعد ثلاثة أيام، فماذا سيكشف صبرك؟ لو علمت أن هذا الفقد سيعوضك الله عنه أضعافًا، فكم سيكون في رضاك من حقيقة التسليم؟ لو أعطاك الله خريطة الطريق كاملة، وأراك موضع كل ألم وموعد كل جبر، فقد تطمئن إلى الخريطة أكثر مما تطمئن إلى الله.

وهذا المعنى يتصل بسؤال التوكل دون معرفة طريق الفرج: ماذا يبقى في قلبك تجاه الله حين تسقط من يدك كل المعلومات؟

هنا الامتحان.

ليس السؤال فقط: هل ستتحمل؟

السؤال الأخطر:

من هو الله في قلبك عندما لا تفهم ما يفعله الله بك؟

من هو الله في قلبك حين لا تفهم؟

وهنا يستوقفك سؤال قرآني عظيم، مع أن الآية وردت في سياق إنكار إبراهيم عليه السلام على قومه عبادة غير الله:

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 87]

لم يقل: فما معلوماتكم؟ ولا: فما توقعاتكم للأحداث؟ بل:

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

وحين حُجب عنك الغد، يبقى أمام قلبك سؤال ظنه بربه.

وهنا تظهر الحقيقة التي قد تكون مؤلمة:

أحيانًا نحن لا نطلب معرفة الغيب لأننا نريد الفهم فقط… بل لأننا لا نشعر بالأمان مع الله إلا إذا عرفنا خطته.

نريد أن نرى الحكمة قبل أن نسلّم. نريد أن نعرف التعويض قبل أن نرضى بالفقد. نريد أن نضمن النهاية قبل أن نمشي الطريق.

أي أننا نقول دون أن نشعر:

يا رب، سأطمئن إليك عندما تطمئنني إلى النتيجة.

لكن الإيمان يقلب المعادلة كلها:

أنا لا أطمئن لأنني أعرف ماذا ستفعل.

أنا أطمئن لأنني أعرف مَن أنت.

وهذا فرق هائل.

قد لا أعرف ماذا سيحدث لعملي… لكنني أعرف ربي.
قد لا أعرف هل يعود ما فقدته… لكنني أعرف ربي.
قد لا أعرف لماذا سُمِح لهذا الباب أن يُغلق… لكنني أعرف ربي.
قد لا أعرف لماذا امتد الانتظار إلى هذا الحد… لكنني أعرف أن تدبير الله لا يصبح عبثًا لمجرد أنني لم أفهمه.

فالطفل قد يظن أن يد الطبيب التي تؤلمه يد تؤذيه، لأنه لا يرى إلا الإبرة. أما الأب فيرى ما وراءها.

ومشكلتنا مع الغيب أننا نعيش داخل مشهد واحد، ثم نحاول أن نحكم على القصة كلها.

نقف عند صفحة لم تنته، ونريد أن نصدر الحكم على الكتاب.

نرى بابًا مغلقًا فنقول: انتهى الخير.
نرى تأخيرًا فنقول: نُسيت.
نرى فقدًا فنقول: حُرمت.
نرى طريقًا لا نفهمه فنبدأ ـ من حيث لا نشعر ـ في بناء صورة عن الله من خلال اللحظة التي تؤلمنا.

وهنا الخطر الحقيقي.

ليس أن تجهل الغيب.

بل أن تجعل جهلك بالغيب حجة على رب الغيب.

أن تقول في قلبك: لو كان يحبني لما حدث هذا. لو كان يريد بي خيرًا لما تأخر الأمر. لو كان يدبر لي بلطف لرأيت اللطف الآن.

ولكن منذ متى كان عدم رؤيتك للشيء دليلًا على عدم وجوده؟

وكم من منع قد يكون وراءه رحمة لا تراها، وكم من خسارة قد يدخل من بابها حفظ لا تعرفه، وكم من شيء بكيت لأنك لم تنله، ثم انكشف لك بعد زمن وجه خير لم تكن تراه.

الثقة بالله لا بالسيناريو

لكن القضية أعمق حتى من ذلك.

لأن الله لا يطلب منك أن تحسن الظن به فقط على أساس أنك ستكتشف لاحقًا أن كل ما أردته سيأتيك.

هذا أيضًا قد يتحول إلى عبادة للنتائج.

حسن الظن بالله ليس أن تقول:

أنا واثق أن الله سيعطيني الشيء الذي أريده.

بل أن تقول:

أنا واثق بالله، سواء أعطاني هذا الشيء أم اختار لي غيره.

أنا لا أعرف الصورة التي سيأتي بها الخير.

لكنني أعرف أن الله سبحانه لا يلزم أن يحقق تصوري للخير حتى يكون تدبيره حكمة ورحمة.

وهذه إحدى أعمق مراتب العبودية:

أن تفصل بين الثقة بالله وبين ثقتك بتحقق السيناريو الذي تتمناه.

وهذا هو الميزان الذي يضبط معنى حسن الظن بالله: ثقة بالله، لا ضمان بأن الصورة التي اخترتها ستقع.

ربما تقول: أنا متوكل على الله أن تُقبل هذه الوظيفة.

لكن ماذا إن لم تُقبل؟

هل ينهار توكلك؟

إذن ربما كان قلبك متعلقًا بالوظيفة، وقد استخدم اسم التوكل ليطمئن إليها.

تقول: أنا أحسن الظن بالله أن هذا الشخص سيعود.

لكن ماذا لو لم يعد؟

هل يتغير ظنك بالله؟

إذن قد يكون السؤال أعمق من ذلك الشخص منذ البداية.

السؤال كان:

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟

هل ربك كريم فقط إن أعاد ما فقدت؟ هل هو رحيم فقط إن سارت الحياة بالطريقة التي اخترتها؟ هل هو حكيم فقط عندما تفهم حكمته؟ أم أن كماله ثابت قبل أن تعرف، وأثناء حيرتك، وبعد أن تنكشف لك بعض الأسرار؟

حين يصبح المجهول مرآة للقلب

وهنا قد ترى أثرًا يمكن أن يظهر مع حجب الغيب عنك:

فالغيب لو كُشف لك، فقد تنجو من القلق… لكن أشياء كثيرة في قلبك ستبقى مستترة.

أما حين لا تعرف، فقد يظهر كثير مما في قلبك.

قد يخرج خوفك.
وقد يخرج تعلقك.
وقد تخرج حاجتك إلى السيطرة.
وقد يظهر مقدار اعتمادك على الأسباب.
وقد تظهر الصورة التي تحملها في داخلك عن الله.

فإذا تأخر الجواب، هل تقول: تركني؟ وإذا أُغلق الباب، هل تقول: حرمني؟ وإذا لم تفهم، هل تقول: لا بد أن الأمر بلا حكمة؟

وقد يصبح حجب الغيب مرآة.

أنت تنظر فيها إلى المستقبل… بينما تنكشف لك بها أشياء في قلبك.

ولهذا قد يكون السؤال الذي ينبغي أن تسأله في أشد أيام الحيرة ليس:

يا رب، ماذا سيحدث؟

بل:

يا رب، ماذا ظهر في قلبي بسبب أنني لا أعرف ماذا سيحدث؟

هل ظهر سوء ظن يحتاج إلى شفاء؟ هل ظهرت عبودية للسيطرة؟ هل اكتشفت أن سلامي النفسي كان مربوطًا بأن تسير الحياة وفق خطتي؟ هل اكتشفت أنني كنت أقول إنني أثق بالله، بينما كنت في الحقيقة أثق بالإشارات المبشرة، والاحتمالات المطمئنة، والأبواب المفتوحة؟

وقد يكون من حكم ألا تأتيك العلامة التي طلبتها أن ينكشف هذا كله فيك.

وليس معنى هذا أن نجزم بأن الله حجبها عنك لهذا السبب بعينه؛ فحكمة الله في الواقعة المعينة غيب لا نعلمه.

لكن ما يمكنك أن تراه في نفسك أنك قد تطلب من العلامة أن تؤدي وظيفة لا ينبغي أن يؤديها في قلبك إلا الله.

تريد علامة تقول لك: اطمئن.

وقد يربيك الله في هذا الباب حتى تستطيع أن تقول:

يكفيني أنك ربي.

هذه ليست جملة سهلة.

هذه عبودية قد تصنعها سنوات.

أن تصل إلى موضع تقول فيه:

يا رب، لا أعرف لماذا. ولا أعرف إلى متى. ولا أعرف كيف ستنتهي. ولا أملك وعدًا بأن النهاية ستأتي بالصورة التي أريدها.

ولكنني أعرف شيئًا واحدًا:

لن أجعل الجزء الذي أخفيته عني يهدم كل ما عرّفتني به عنك.
لن أجعل ما أجهله من قدرك يحكم على ما أعرفه من أسمائك وصفاتك. فليس المجهول هو الذي يعرّفني بك؛ بل معرفتي بك هي التي تعلّمني كيف أقف أمام المجهول.

عرّفتني أنك الرحمن، فلا يجعلني ألم ساعة أتهم رحمة وسعت كل شيء.

وعرّفتني أنك الحكيم، فلا يجعلني جهل مشهد أتهم حكمة من يعلم القصة كلها.

وعرّفتني أنك اللطيف، فقد يمر لطفك من طرق لا يتعرف عليها قلبي إلا بعد زمن.

وعرّفتني أنك رب العالمين، فليس مطلوبًا مني أن أحمل العالم على كتفي كأن تدبيره أصبح مسؤوليتي.

وفي معنى قريب من الاعتماد على العلامات، يشرح مقال حسن الظن بالعلامة كيف قد يستمد القلب طمأنينته من الإشارة بدل أن تكون الإشارة مجرد سبب للشكر.

كيف يتغير الدعاء مع غموض المستقبل؟

وهنا يتغير الدعاء.

بدل أن يكون كل دعائك:

يا رب أخبرني ماذا سيحدث…

يصبح:

يا رب، أصلح قلبي أيًا كان ما سيحدث.

يا رب، لا تجعل غموض الطريق يفسد معرفتي بك.
يا رب، إذا حجبت عني خبر الغد، فلا تحجب عن قلبي الثقة بك.
يا رب، لا أريد يقينًا بالنتيجة يجعلني أستغني عن اليقين بك.

وأحيانًا قد يكون من أعظم ما يرزقك الله مع دعائك ليس أن يكشف لك الغيب… بل أن يبني في قلبك شيئًا يجعلك لا تحتاج إلى كشفه كي تواصل السير.

أن تنام دون أن تعرف.
وتهدأ دون أن تصل الرسالة.
وتصلي دون أن تظهر العلامة.
وتعمل دون ضمان.
وتترك لله تدبير ما ليس إليك، دون أن تطلب كل ليلة تقريرًا يشرح لك ما لا تملك الإحاطة به.

عندها يحدث التحول:

لا يعود المجهول حفرة تسقط فيها.

يصبح باب عبودية.

وكلما قال لك خوفك:

ولكنك لا تعرف ماذا سيحدث…

قال إيمانك:

صحيح.
ولكنني أعرف مَن بيده ما سيحدث.

وهذا من المعاني التي قد تنكشف فيك تحت ضغط الغيب المحجوب.

ليس جوابًا عن المستقبل.

بل جوابًا عن الله.

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

قلب يثق قبل أن يعرف النهاية

فإذا لم يخبرك الله بما وراء الستار… فلا تتعجل رفعه.

ربما ليس المطلوب الآن أن ترى ما وراءه.

ربما المطلوب أن يظهر مَن أنت أمامه.

وأن تكتشف أنت أيضًا:

هل كانت عبادتك لله ثابتة… أم كانت طمأنينتك لا تستقر إلا حين تفهم؟

هل كنت تثق بالله… أم كنت تثق فقط عندما تأتيك الأدلة التي توافق ما تريد؟

إن حُجب الغيب وبقي حسن ظنك… وذهب التفسير وبقي تسليمك… وتأخرت العلامة وبقي قلبك عند باب الله…

فقد خرج من هذا البلاء شيء أثمن من المعلومة التي كنت تطلبها:

خرج قلب يعرف كيف يثق بربه قبل أن يعرف النهاية.

وحينها قد يبقى الغد مجهولًا… لكن الله لم يعد مجهولًا في قلبك.

وهذه طمأنينة لا تحتاج إلى كشف الغيب.

تعليقات

عدد التعليقات : 0