كيف تكون حياتك متوقفة وأنت لا تكاد تجد دقيقة فارغة؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

تنتهي من يومك منهكًا.

رسائل أجبت عنها، مكالمات أجريتها، أعمال سلّمتها، مشاوير أنهيتها، طلبات قضيتها، مشكلات أطفأت بعضها قبل أن تشتعل، وأخرى حملتها معك إلى الغد.

ومن أول الصباح إلى آخر الليل، بالكاد وجدت مساحة تجلس فيها بلا شيء يطالبك.

شخص منهك وسط الرسائل والمكالمات والالتزامات المتراكمة، وأمامه طريق مضيء يرمز إلى استعادة الاتجاه وبناء الغد

ثم تنظر إلى حياتك بعد أشهر، فتفاجأ بشيء يصعب فهمه:

أشياء كثيرة حدثت… لكن أشياء مهمة في حياتك لم تتحرك تقريبًا.

أمر تعرف منذ زمن أنك تحتاج إلى إصلاحه، وما زال مؤجلًا. علاقة بالله تريد أن تعيد ترتيبها، وما زلت تقول: عندما تهدأ الأيام. حق تعرف أنك قصرت فيه، ومشروع يعني لك شيئًا، وصلة تحتاج أن تصلحها، وعادة تستنزفك، وقرار ظل طويلًا في رأسك… وكلها ما تزال تنتظر.

كيف أكون متوقفًا وأنا لا أتوقف؟

لأن امتلاء الوقت بالحركة لا يعني بالضرورة أن الحياة تتقدم.

قد يكون معظم ما تفعله ضروريًا، نافعًا، بل قد يكون بعضه واجبًا تؤجر عليه. المشكلة ليست في أنك تعمل كثيرًا، ولا في أن لديك مسؤوليات ثقيلة.

المشكلة تبدأ حين تصبح حياتك كلها مشغولة بصيانة اليوم، ولا يبقى فيها شيء لبناء الغد.

أنت تمنع الأشياء من السقوط، لكنك لا تجد وقتًا لترفع شيئًا جديدًا.

ترد على ما وصل إليك، وتعالج ما طرأ، وتسد ما انفتح، وتلحق ما تأخر، وتنجز ما يطالبك به الآخرون أو الظروف. وينتهي اليوم وقد نجحت في إبقاء كل شيء قائمًا تقريبًا…

إلا الأشياء التي لا تصرخ.

فالمهمة العاجلة لها موعد. والرسالة لها إشعار. والفاتورة لها تاريخ. والعميل يتصل. والعمل يطالب. والناس يسألون.

أما قلبك فلا يرسل إشعارًا كل صباح يقول: لقد مر شهر آخر ولم تصلح ما بينك وبين الله كما أردت.

وحياتك لا ترسل إنذارًا عند منتصف الليل تقول فيه: مر يوم آخر، ولم تقترب من الشيء الذي تقول منذ سنوات إنه مهم لك.

ولهذا يستطيع العاجل أن يبتلع حياتك بسهولة؛ لأنه يرفع صوته، بينما كثير من الأشياء المهمة تموت بصمت.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يتحول الانشغال إلى طريقة لتأجيل الحياة

هناك فرق بين أن تمر بمرحلة مزدحمة اضطررت فيها إلى تأجيل بعض الأمور، وبين أن يصبح التأجيل هو الشكل الدائم لحياتك.

الأول ظرف.

أما الثاني فقد يتحول، من حيث لا تشعر، إلى نظام.

كل أسبوع تقول: عندما تخف الضغوط. ثم تأتي ضغوط أخرى.

وعندما ينتهي هذا المشروع. فيبدأ مشروع غيره.

بعد أن تمر هذه المشكلة. فتظهر مشكلة جديدة.

حتى يصبح الهدوء الذي تنتظره شرطًا لبدء حياتك… مع أن ذلك الهدوء الكامل قد لا يأتي أصلًا.

وهنا يظهر السؤال الذي يستحق أن تقف أمامه:

لو استمرت أيامك بهذه الصورة سنة أخرى، فما الشيء المهم في حياتك الذي سيتغير فعلًا؟

ليس السؤال: كم سيكون عندك من الأعمال؟

بل: ماذا سيتقدم؟

لأنك تستطيع أن تكرر اليوم نفسه ثلاثمائة مرة، مع تغيير أسماء المهمات، ثم تكتشف في نهاية السنة أنك كنت تتحرك كثيرًا داخل الدائرة نفسها.

وهذا أحد أكثر أشكال التوقف خداعًا:

أن تكون متعبًا بما يكفي لتظن أنك تتقدم.

التعب ليس دليلًا على الاتجاه

نحن نقيس يومنا أحيانًا بمقدار ما استهلك منا.

إذا نمت متعبًا، شعرت أن اليوم كان ممتلئًا. وإذا كان مزدحمًا، شعرت أنه كان منتجًا.

لكن التعب يخبرك أن طاقة قد بُذلت، ولا يخبرك وحده أين ذهبت.

ولهذا جاء الميزان القرآني أعمق من مجرد عدّ الأعمال والساعات:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].

﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.

والمراد بـ«غد» هنا يوم القيامة، وهو أعظم غد ينبغي أن تُقاس به وجهة الحياة.

فالميزان ليس أن تسأل فقط: كم فعلت؟

بل: ماذا قدّمت؟

ما الذي انتقل بسبب هذا اليوم من دائرة النية إلى دائرة العمل؟

ما الطاعة التي ثبتت؟ ما التقصير الذي بدأت إصلاحه؟ ما الحق الذي أديته؟ ما الشيء النافع الذي بنيت منه لبنة؟

لأن اليوم قد يكون مزدحمًا جدًا، ومع ذلك لا يقدّم من حياتك إلا القليل إذا استهلكته الاستجابات المتلاحقة لما يفرض نفسه عليك.

وهذا لا يعني أن مسؤولياتك الصغيرة بلا قيمة، ولا أن أعمال البيت أو الرزق أو خدمة الناس أو قضاء الحاجات أعمال هامشية؛ قد تكون من أعظم ما تتقرب به إلى الله إذا صحت النية واستقام العمل.

لكن حتى الواجبات الكثيرة لا تمنعك من سؤال نفسك عن اتجاه مجموع حياتك.

فالمشكلة ليست كثرة المسؤوليات.

المشكلة أن يصبح كل يوم ردَّ فعل، حتى لا يبقى في حياتك فعل اخترته لأنك تعرف أنه ينبغي أن يحدث.

لا تنتظر فضلة الوقت

ربما كان الخطأ الذي أبقى بعض جوانب حياتك متوقفة أنك أعطيتها دائمًا ما يتبقى من وقتك.

إذا فرغت سأقرأ. إذا هدأت سأصلح. إذا خف العمل سأبدأ. إذا انتهت الالتزامات سأجلس مع نفسي.

لكن الأشياء التي تأخذ «بقية الوقت» قد لا تأخذ شيئًا؛ لأن الحياة بارعة في استهلاك البقية.

بعض ما هو مهم في حياتك لن يحدث حين تجد له وقتًا؛ بل حين تعطيه وقتًا.

ولهذا لا تحتاج أن تقلب حياتك كلها في يوم واحد.

انظر فقط إلى الشيء الأهم الذي ظل متوقفًا بينما كنت مشغولًا بكل شيء حوله.

ثم أعطه فعلًا صغيرًا حقيقيًا لا مجرد نية جديدة.

إن كان الخلل في علاقتك بالله، فلا تنتظر أسبوعًا هادئًا لتعود.

إن كان هناك حق واجب تعرف أنك تؤجله، فابدأ بأدائه.

إن كان هناك أمر نافع يعني لك شيئًا وظل سنوات تحت عبارة «لاحقًا»، فأخرج منه جزءًا واحدًا إلى الواقع.

لا تحاول أن تصنع حياة جديدة كاملة داخل يوم مزدحم.

لكن لا تسمح أيضًا لليوم المزدحم أن يلتهم حياتك كاملة.

يكفي أن يكون في يومك، إلى جانب ما يحفظ الأشياء من الانهيار، شيء واحد يدفع حياتك في الاتجاه الذي تريد أن تلقى الله وأنت سائر فيه.

فليس أخطر ما يسرقه الازدحام منك هو الراحة.

قد يسرق منك الاتجاه.

وقد تمر الأيام وأنت تؤدي عشرات الأشياء بإتقان، لكن الشيء الذي كان ينبغي أن يتغير فيك أو في حياتك ظل في الموضع نفسه.

لذلك حين تنتهي الليلة من قائمة أعمالك، لا تجعل سؤالك الوحيد:

ماذا أنجزت اليوم؟

أضف إليه سؤالًا أصدق:

ماذا قدّمت لغد؟

لأن الحياة لا تتوقف فقط عندما لا نفعل شيئًا.

قد تتوقف أيضًا حين نفعل أشياء كثيرة جدًا… لكنها كلها تُبقي اليوم قائمًا، ولا يبقى بينها شيء يبني الإنسان الذي ينبغي أن نصير إليه غدًا.

تعليقات

عدد التعليقات : 0