حين يطول البلاء: لماذا يبدو كأنه صار حياتك كلها؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث
رجل يتأمل طريقًا ممتدًا بعد المطر في مشهد يرمز إلى أن البلاء مرحلة من الحياة لا الحياة كلها

وأنت داخل البلاء، لا ترى له حوافّ.

ترى يومك منه. وغدك من خلاله. وتتذكّر أمسك تحت ظله.

حتى يُخيَّل إليك أن حياتك لم تعد طريقًا يمرُّ بهذا الألم، بل إن الألم نفسه صار الطريق كله.

لأن البلاء حين يطول لا يوجعك بما يحدث فقط…

بل يعبث بإحساسك بالزمن.

الشهر يبدو عامًا. والليلة تبدو بلا آخر. والأيام المتشابهة تتراكم حتى يصعب عليك أن تتصور أن للحياة هيئة أخرى غير هذه الهيئة.

ومن هنا يبدأ الوهم القاسي:

أن ما يملأ يومك الآن، سيملأ عمرك كله.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يعبث البلاء بإدراك الزمن

لكن انتبه…

أنت تحكم على القصة من الصفحة التي تؤلمك.

ولو فتحت كتابًا ووقعت عينك على فصل شديد الحزن، ثم لم تقرأ قبله ولا بعده، لاستطعت أن تصف ذلك الفصل…

لكن لن يكون من حقك أن تقول:

هذه هي القصة كلها.

وهكذا يفعل البلاء بإدراكك.

يجعلك قريبًا جدًا من الصفحة التي أنت فيها، حتى تختفي منك بقية الصفحات.

لا لأن بقية الحياة قد اختفت. بل لأن عينك الآن ملتصقة بهذا الموضع من الطريق.

الفصل المؤلم ليس القصة كلها

ولهذا فإن من أشد ما يحتاج إليه القلب في الشدة أن يفرّق بين أمرين:

أن يكون البلاء كبيرًا في حياتك… وأن يكون هو حياتك كلها.

قد يكون كبيرًا حقًّا.

قد يأخذ من نومك. ومن صحتك. ومن مالك. ومن طمأنينتك.

قد يغيّر علاقات، ويؤجل أحلامًا، ويترك فيك أثرًا لا تمحوه الأيام سريعًا.

ولا ينبغي لأحد أن يهوّن عليك ذلك.

لكن عِظَم الأثر لا يمنح البلاء حقَّ الاستيلاء على معنى عمرك كله.

فكم من أيام مررت بها يومًا وكنت تظن أنك لن تراها من الخلف أبدًا…

ثم صارت ذكرى.

لا لأنها كانت هيّنة. بل لأن الزمن مضى بك بعدها.

كم من امتحان كان في وقته العالم كله.

وكم من فقدٍ ظننت أن قلبك لن يعرف بعده صباحًا طبيعيًا.

وكم من خوفٍ استيقظت عليه أيامًا حتى حسبته المقيم الذي لن يرحل.

ثم مضت السنوات…

وبقي ذلك كله جزءًا من سيرتك.

جزءًا حقيقيًا. مؤلمًا ربما. مؤثرًا بالتأكيد.

لكنه لم يعد السيرة كلها.

وهذا هو الشيء الذي يعجز قلبك عن رؤيته وهو في منتصف العاصفة:

الأيام التي لا تستطيع الآن أن تتخيل نهايتها، قد يأتي وقت تنظر فيه إليها من بعيد وتقول: تلك كانت مرحلة من حياتي.

الألم لا يعرف الغيب

لا نقول إن كل ما فقدته سيعود.

ولا إن كل باب سيُفتح كما أردت.

ولا إن كل جرح سيختفي أثره.

فليس لنا أن نكتب الغيب.

لكننا نقول شيئًا أصدق:

ليس لديك اليوم من العلم ما يبيح لك أن تجعل هذا الفصل حكمًا نهائيًا على بقية العمر.

أنت تعرف ألم هذه الساعة.

أما بقية الطريق فلا تعرفها.

وهنا يكون الإيمان رحمة بالعقل قبل أن يكون عزاءً للقلب.

لأن المؤمن يعلم أنه لا يملك الغد.

لكنه يعلم مَن يملكه.

قال الله تعالى:

﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾.

فإذا كان الغد غيبًا…

فكيف جعلت حزنك اليوم شاهدًا عليه؟

وكيف سمحت لساعة ثقيلة أن تخبرك بما ستكون عليه سنوات لم تأتِ بعد؟

الألم يعرف الحاضر الذي يؤلمك.

لكنه لا يعرف الغيب.

والخوف يستطيع أن يقول:

«أنا متعب الآن».

لكنه حين يقول:

«ستظل هكذا دائمًا»…

فقد تجاوز ما يعلم.

حين يتحول الواقع إلى نبوءة

وهذه من أخطر حيل البلاء:

أن يتحول من واقع تعيشه إلى نبوءة تصدقها.

من:

أنا أتألم.

إلى:

لن أتوقف عن الألم.

ومن:

هذه الأيام شديدة.

إلى:

كل أيامي ستكون شديدة.

ومن:

فقدت شيئًا عزيزًا.

إلى:

انتهت الأشياء الجميلة من حياتي.

والفرق بين الجملتين قد يبدو صغيرًا في اللسان…

لكنه هائل في القلب.

الأولى تصف جرحًا.

والثانية تحكم على العمر كله.

الصفحة التي بين يديك

وأنت لم تُكلَّف أن تعرف شكل بقية عمرك.

بل أن تعبد الله في الصفحة التي بين يديك.

يومًا بيوم. وصلاةً بصلاة. ودعاءً بدعاء. وخطوةً بما استطعت.

فالعبور لا يُشعَر به دائمًا أثناء حدوثه.

وقد تتبدل فيك أشياء كثيرة بينما عينك معلقة بشيء واحد لم يتبدل بعد.

ثم يأتي وقت تلتفت فيه إلى نفسك فتدرك:

لم أخرج من تلك الأيام كما دخلتها.

وهنا تظهر رحمة خفية:

أن الله لم يجعل معرفتك بالمستقبل شرطًا لقدرتك على السير إليه.

يكفيك من النور ما يقع عند قدمك.

ثم تخطو.

ثم يأتي موضع الخطوة التالية.

ولهذا كان من هدي القرآن ألا يجعل العسر نهاية الجملة:

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.

ليس معنى ذلك أن الإنسان يعرف صورة اليسر، ولا موعده، ولا الطريق الذي يأتي منه.

ولكنه يتعلم ألا يمنح العسر صفة الإطلاق.

فالعسر موجود.

لكنه ليس ربَّ الزمن.

والبلاء شديد.

لكنه لا يملك مفاتيح الغيب.

والليلة طويلة.

لكن طولها في قلبك لا يجعلها العمر كله.

لا تحمل بقية عمرك مع وجع اليوم

فإذا ثقل عليك يومك، فلا تحمل معه بقية عمرك.

يكفيك وجع اليوم.

لا تضف إليه آلام سنوات لم تأتِ.

وإذا ضاقت الصفحة، فلا تحكم منها على الكتاب.

وإذا طال الفصل، فلا تسمِّه القصة كلها.

قل:

هذه أيام من حياتي… وليست حياتي كلها.

هذا فصل مؤلم…

وليس من حقي أن أكتب بنفسي كلمة «النهاية».

أنا الآن في موضع من الطريق لا أرى بعده.

لكن عدم رؤيتي للطريق لا يعني أن الطريق انتهى.

وما دام الله هو ربَّ أيامي كلها…

فليس هذا اليوم وحده هو الذي يملك أن يعرّف لي معنى عمري.

قد يبقى من البلاء أثر طويل.

لكن الفصل ليس الكتاب كله.

وما يملأ عينيك اليوم…

ليس بالضرورة كل ما سيملأ حياتك غدًا.

فلا تجعل لحظةً من عمرك تتكلم باسم العمر كله.

ولا تجعل الألم يكتب خاتمةً لقصةٍ لم يأذن الله لك أن ترى بقية صفحاتها بعد.

تعليقات

عدد التعليقات : 0