دعاء العبد المفتقر إلى الله: يا رب، حاجتي عندك ولكن قلبي لك

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

كيف تدعو الله دعاء عبدٍ مفتقر… يلحّ في حاجته، ولا يدخل على ربه باستحقاقه؟

دعاء العبد المفتقر إلى الله ليس إطفاءً للحاجة ولا تظاهرًا بالزهد فيما يرجوه القلب؛ بل سؤالٌ صادق يحفظ الدعاء من وهم الاستحقاق، ويرد القلب من مراقبة النتائج، ويعينه أن يحفظ قلبه في الانتظار.

دعاء عبد مفتقر إلى الله يرفع حاجته برجاء وعبودية دون دعوى استحقاق
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الدعاء بافتقار لا باستحقاق

اللهم إني لا آتيك بعملي… بل بفقري إليك

اللهم إني أتيتك، وليس لي بين يديك عمل أستطيل به، ولا طاعة أراها ثمنًا لفضلك، ولا صبر أعدّه حجة على رحمتك. أتيتك فقيرًا؛ فقيرًا إليك في ديني ودنياي، في قلبي وعقلي، حين أضعف وحين أظن أني قوي، بل فقيرًا إليك في الدعاء نفسه؛ فلولا أن فتحت لي باب الرجاء ما رفعت يدي، ولولا أن ألهمت قلبي ذكرك ما عرف لساني كيف يقول: يا رب.

اللهم فما اهتديت إلا بنورك، ولا أطعت إلا بإعانتك، ولا رجعت إليك إلا بفضلك، ولا انكسر قلبي بين يديك إلا وقد سبقتني رحمتك فأيقظت فيّ ما غفل. فكيف أجيئك بما هو من فضلك ثم أراه حقًّا أوجبه بعملي؟ وكيف أعدّ طاعتي وقد وفقتني إليها؟ وكيف أستكثر دموعي وأنت الذي ليّنت بها قسوة قلبي؟ وكيف أفتخر بباب طرقته وأنت الذي دللتني عليه وأذنت لي أن أقف عنده؟

يا رب، إني أستغفرك من عمل كبر في عيني حتى نسيت فضلك فيه، ومن دعاء طال على لساني حتى أوهمتني نفسي أن لي به استحقاقًا، ومن صبر أحصيت أيامه ثم دخلت عليك بقلب يراجع الحساب، ومن دمعة خبأ الشيطان في أطرافها معنى يقول: لقد بكيت كثيرًا، فأين ما أريد؟

اللهم طهّر قلبي من هذه الخصومة الخفية قبل أن أعرف لها اسمًا. وانزع من صدري ذلك المحاسب الذي يحصي دعواته، ويجمع ليالي انتظاره، ويراجع ما قدّم، ثم يقف في باطنه وقفة من يطالب لا وقفة من يفتقر. لا تجعلني أذكّرك بطاعتي وأنا المحتاج أن تستر تقصيري فيها، ولا أحتج بدمعي وأنا المحتاج إلى رحمتك، ولا أنظر إلى صبري بعين الإعجاب وأنا أعلم أني لولا تثبيتك لتهاويت عند أول الطريق.

لا تكلني إلى نفسي

اللهم إني عبدك، وهذه الحقيقة أكبر مني. عبد لا يملك لنفسه نفعًا إلا ما أذنت به، ولا يهتدي إلى خير إلا إن هديته، ولا يثبت على باب إلا إن أمسكت قلبه، ولا يأمن على إيمانه طرفة عين إن وكلته إلى نفسه.

فلا تكلني إليّ يا رب. لا تردني إلى نفس أعرف من ضعفها ما أخشاه، ولا تسلمني إلى قلب يتقلب، ولا إلى عقل يظن أنه أبصر الطريق ثم يضل في أول منعطف، ولا إلى خوف يضخم ما أمامي حتى ينسيني من فوقي، ولا إلى أمل يشتد حتى يعلّق سلام قلبي بصورة واحدة، ولا إلى قوة إذا أحسست بها نسيت أنها من فضلك وأنني إن حرمت معونتك صرت إلى عجزي أسرع مما أظن.

لا تكلني إلى نفسي في الرخاء فأغفل، ولا في الشدة فأجزع، ولا عند العطاء فأطغى، ولا عند المنع فأضيق، ولا عند المدح فأرى نفسي، ولا عند الذنب فأيأس من رحمتك. تولني. تول عبدًا يضعف إذا طال عليه الطريق، ويستعجل إذا اشتد شوقه، ويفسر الأقدار على قدر ألمه، ويظن أحيانًا أن ما يريده هو النجاة كلها لأنه لا يرى من المشهد إلا موضع وجعه.

تولني بلطفك الذي لا أحيط به، وأصلحني بعلمك الذي أحاط بسري وعلانيتي. ولا تجعل جهلي بنفسي يحجبني عن طلب إصلاحها منك.

يا رب، أنت تعلم حاجتي التي حملتها إليك مرارًا. تعلم موضعها من قلبي، وتعلم كم مرة حاولت أن أفوضها ثم وجدتها في صدري عند الصباح كما هي. وتعلم أني أريد. نعم يا رب، أريد. ولا أتجمل عليك بزهد ليس في قلبي، ولا أتظاهر بين يديك بسكينة لم تبلغها نفسي، ولا أقول: لا يهمني، وأنت تعلم مقدار ما يشغلني.

لقد اشتدت رغبتي في أشياء، وتعلق قلبي ببعض الصور، وانتظرت أبوابًا بعينها، وتمنيت أوقاتًا محددة، وبنيت في خاطري مستقبلًا ثم خفت أن يمر بي العمر ولا أراه. يا رب، أنت تعلم ذلك كله. فلا تجعلني أحتاج إلى أن أخفي عنك ما لم يخف عليك.

دعني آتيك بقلبي كما هو، لكن لا تتركه كما هو. خذ ضعفه فهذبه، وتعلقه فطهّره، وخوفه فأدخله في سعة الثقة بك، واستعجاله فرده إلى أدب العبودية.

اللهم إني لا أسألك أن تطفئ رغبتي حتى يصير قلبي باردًا، ولا أن تنزع مني الأمل حتى لا أتألم، ولكن أسألك أن تجعل رغبتي خاضعة لك لا متسلطة على قلبي، وأن تجعل رجائي فيك أوسع من رجائي في صورة بعينها، وأن تجعل مطلوبي في يدي لا في محراب قلبي؛ فلا أعبد ما أريد، ولا أجعل الفرج الذي رسمته أكبر من رضاك عني، ولا أختصر رحمتك في باب واحد، ولا أحبس جودك في الطريق الذي فهمته.

لا تحبس رحمة الله في صورة واحدة

يا رب، ربما تعلقت بصورة صنعتها بنفسي ثم ضقت بكل ما خالفها. ربما قلت: هكذا ينبغي أن يأتي الفرج، وفي هذا الوقت، ومن هذا الباب، وبهذه الصورة. ثم إذا خالفت الأيام رسمتي اضطرب قلبي كأن رحمتك غابت؛ وما غابت، ولكن بصري ضاق.

فاللهم وسّع قلبي عن الصورة. لا تجعلني أعبد توقعي، ولا أفتن بما تخيلته حتى أسيء استقبال ما تقدر لي. ردني من ضيق تصوري إلى سعة علمك، ومن قصر نظري إلى كمال تدبيرك، ومن إلحاح نفسي على صورة بعينها إلى افتقار عبد يقول: يا رب، أنا أعلم ما أحب، وأنت تعلم ما يصلح. أنا أرى العاجل، وأنت تعلم المآل. أنا أريد، وأنت ربي. فلا تجعل إرادتي حجابًا بيني وبين التسليم لك.

اللهم إني أسألك ما أريد. أسألكه بوضوح، وألح عليك فيه، وأكرره وأرجوه، لكن لا تجعل كثرة دعائي به تنقلب في قلبي دعوى استحقاق. لا تجعلني أقول في سري: دعوت كثيرًا، أو انتظرت بما يكفي، أو تعبت أكثر مما ينبغي، أو بعد كل هذا لا بد أن يقع ما أريد.

طهّر قلبي من هذه اللغة يا رب. فأنا لا أعرف مقدار ما أجهل، ولا أحيط بما تحيط به، ولا أرى من الطريق إلا موضع قدمي، وأنت رب العالمين.

يا رب، إذا طال الانتظار فلا تجعلني أقف بين يديك بقلب يتأدب في ألفاظه ويخاصم حكمك في باطنه. لا تجعل لساني يقول: رضيت، وقلبي يراجع ما قدرت. ولا تجعلني أقول: توكلت، ثم أقضي ليلتي أفتش في الأبواب عن علامة تؤكد أن ما أريد قريب. ولا تجعلني أقول: فوضت أمري إليك، ثم أعود لأحمله كله على صدري كأن الأمر لم يخرج من يدي.

اللهم علّمني صدق التفويض، لا تفويض اللسان وحده. علّمني أن أفعل ما أقدر عليه ثم لا أقتحم ما لم تكلفني به، وأن آخذ بالسبب ثم لا أتعبد له، وأن أطرق الباب ثم لا أجعل الباب ربًّا، وأن أخطط ثم لا أؤلّه الخطة، وأن أرجو ثم لا أختنق إذا جاء القدر من طريق آخر.

يا رب، أرح قلبي من اقتحام غيبك، ومن استباق أقدارك، ومن عيش المصائب قبل نزولها، ومن حمل أخبار لم تصل، ومن ترتيب الخوف على احتمالات لا يعلم حقيقتها إلا أنت. كم أهدرت نفسي من السكينة وهي تحاول أن تسبق غدًا لم يأت، وكم عاشت ألمًا لم يقع، وكم دفنت نعمة حاضرة تحت ظل مصيبة متوهمة.

يا رب، ردني إلى يومي. إلى الساعة التي أنا فيها، إلى الطاعة التي أعرفها، إلى الذنب الذي يجب أن أتركه، إلى الحق الذي يجب أن أقيمه، إلى النعمة التي ينبغي أن أشكرك عليها، إلى السجدة التي بين يدي. ولا تجعلني أضيع عبودية الحاضر لأن قلبي عالق عند باب المستقبل.

عبودية الحاضر قبل انتظار الغد

اللهم لا تجعلني أؤجل صلاح قلبي إلى ما بعد الفرج. لا تجعلني أقول: إذا انكشف هذا الكرب خشعت، وإذا سدد الدين اطمأننت، وإذا جاء المال أحسنت العبادة، وإذا انتهى الانتظار بدأت حياتي.

يا رب، من قال إن هذا اليوم ليس من حياتي؟ ومن قال إن العبادة تبدأ حين تتغير الظروف؟ وهذه الساعات التي أمضيها الآن، أليست من عمري الذي سألقاك به؟

فأعني أن أعبدك هنا. في النقص، وفي الضيق، وفي السؤال الذي لم أجد له جوابًا، وفي الطريق الذي لم يتضح، وفي الدعاء الذي ما زلت أكرره، وفي الخوف الذي أجاهده. في حياتي كما هي الآن، لا كما أرجو أن تكون غدًا.

احفظ قلبي وأنا أنتظر

يا رب، لا أريد أن أخرج من الانتظار وقد أخذ مني أدبي، ولا من البلاء وقد قسا قلبي، ولا من الدعاء وقد صرت أراقب النتائج بعين التاجر، ولا من طول الطريق وقد تعلم لساني المرارة أو تعلم قلبي أن يقيس نعمك كلها بالحاجة التي لم تقض بعد.

اللهم احفظني وأنا أنتظر. احفظ ديني من تعبي، وأخلاقي من ضيقي، ولساني من مرارة القلب، وعيني من الحسد، وصدري من السخط الذي يلبس ثوب الصمت. احفظني من أن يجعلني الألم ظالمًا ثم أعتذر لنفسي بأنني متعب، ومن أن يجعلني الخوف سيئ الظن ثم أسمي ذلك واقعية، ومن أن يداخلني اليأس ثم أقول: أنا فقط لا أريد أن أتعلق.

يا رب، اكشف لي خداع نفسي بلطف. ولا ترني من عيوبها بعين القسوة ما يفتح عليّ باب القنوط، ولا تستر عني ما أحتاج إلى معرفته حتى أهلك به. عرّفني من نقصي ما يقودني إلى بابك، واجعل معرفتي بنفسي باب افتقار لا باب يأس.

اللهم إني أعوذ بك من أن أجعل ألمي هويتي، ومن أن أسمّي نفسي بما مررت به. فلا أقول في قلبي: أنا المحروم، أو أنا الذي لا تفتح له الأبواب، أو أنا الذي لا تأتيه البشارات، أو أنا المتروك في آخر الصف.

هذه أسماء يكتبها الألم حين يطول، ويصدقها القلب إذا غفل. أما أنا فعبدك. هذا اسمي الذي لا يسقط عني. عبدك حين تتيسر الأمور، وعبدك حين تتعقد، عبدك إذا جاء ما أحب، وعبدك إذا بقيت واقفًا عند الباب. عبد فقير يرجو رحمتك، ويخاف ذنبه، ويعلم أنه لا نجاة له من نفسه إلا بك.

يا رب، لا تجعلني أسيء الظن بتدبيرك حين لا أفهم. لا تجعل خفاء الحكمة عندي اتهامًا خفيًّا لرحمتك. علّمني أن أقول: لا أعلم، وأن أستريح تحت هذه الكلمة.

لا أعلم لماذا تأخر. لا أعلم لماذا فتح لغيري. لا أعلم لماذا جاء الأمر على هذه الصورة. لا أعلم أين الخير في بعض ما مر. ولكني أعلم أنك ربي، وأعلم أنك لا تظلمني، وأعلم أن جهلي لا يحيط بعلمك، وأن قصور بصري لا يقدح في كمال تدبيرك. فاجعل هذه المعرفة تسند قلبي حين يعجز عن الفهم.

اللهم لا أطلب منك أن تكشف لي سر كل قدر؛ فأنا عبد ولا أحيط بعلمك. ولكني أسألك ألا تجعل جهلي بالقدر يفسد أدبي مع مقدّره. ولا تجعلني أفتش في كل حادثة عن رسالة خاصة، وفي كل تأخير عن علامة، وفي كل انغلاق عن تفسير.

أرحني من إرهاق التأويل. وأعطني بصيرة تقف عند ما تعلم، وتسكت عما لا تعلم، وتمضي في العبودية دون أن تشترط فهم كل شيء.

يا رب، كم أتعبتني نفسي وهي تحاول أن تطمئن بالمعلومة بدل أن تطمئن بك. تريد أن تعرف: متى؟ وكيف؟ ومن أين؟ وما العلامة؟ وهل اقترب؟ وهل تغير شيء؟

ردها إليك يا رب. وردد في قلبي ما يهدئها: لست مكلفًا بمعرفة الغد. لست موكلًا بحراسة القدر. لست مطالبًا أن ترى الطريق كله. لك رب. فامش بما ظهر لك من الحق، ودع ما غاب لمن لا يغيب عنه شيء.

الدعاء عبادة لا ضمان نتائج

اللهم إني أعوذ بك من أن أستعمل الدعاء طريقًا لأضمن ما أريد، ثم أضيق لأنني بقيت عبدًا لا يملك ضمان النتائج. علّمني أن الدعاء عبادة قبل أن يكون انتظارًا للإجابة، وأن الوقوف على بابك نعمة، وأن رجوعي إليك في ضعفي خير لا أريد أن أفقده مهما تبدلت الظروف.

لكن يا رب، لا تجعل هذا الكلام حيلة أهرب بها من صدق حاجتي. أنا ما زلت أسألك ما أريد، وما زلت أرجوه، وما زلت أتألم إذا طال الطريق. فلا تجعلني أكذب على قلبي باسم الرضا.

علّمني رضا لا يقتل الدعاء، وتسليمًا لا يطفئ الرجاء، وافتقارًا لا يحولني إلى نفس مهزومة، وخشوعًا لا يجعلني أظن أن حسن الأدب معك يعني ألا أبثك ما بي.

يا رب، علّمني أن أشكو إليك لا منك. أن أقول: تعبت، ولا أتهمك. أن أقول: أخاف، ولا أسيء الظن بك. أن أقول: طال الأمر، ولا أجعل طول الطريق ظلمًا. أن أبكي في سجودي وأبقى عبدًا مؤدبًا. أن أبثك حزني كله ثم أقوم من بين يديك وليس في صدري خصومة مع حكمك.

اللهم طهّر شكواي، ودموعي، ورجائي، وحتى الكلمات التي أقولها لك في الظلام. فإن كان في قلبي اعتراض مستور فأخرجه برحمتك، وإن كان فيه استحقاق متنكر فاكسره بلطفك، وإن كان فيه سوء ظن لبس ثوب الخوف فعرّفني به، وإن كان فيه تعلق بغيرك تسمى عندي حسن ظن فطهّر رجائي منه.

يا رب، لا تجعلني مخدوعًا بنفسي؛ فالنفس تحسن تسمية أمراضها. تسمي العجز واقعية، والاستعجال شوقًا، والتعلق وفاءً، والمساومة دعاءً، ومراقبة النتائج حسن ظن.

فبصرني، لكن بصرني برحمة. لا تفتح لي باب المحاسبة ثم تتركني وحدي مع قسوتي، ولا تجعلني أرى عيبي بعين الشيطان. أرنيه بعين عبد يريد أن يتوب؛ يرى الجرح ليطلب الدواء، لا ليتخذ من الجرح حكمًا نهائيًا على نفسه.

اللهم اجعل خوفي منك يردني ولا يسحقني، واجعل رجاء رحمتك يحملني ولا يخدعني، واجعل محبتي لك أصدق من أن تكون كلمة جميلة أرددها حين يرق قلبي. اختبر صدقها في يومي: في نظرتي، وفي مالي، وفي لساني، وفي حقي إذا غضبت، وفي خلوتي إذا غاب الناس، وفي شكري إذا اتسعت الدنيا، وفي أدبي إذا ضاقت.

إذا جاء الفرج فاحفظني في العطاء

يا رب، لا تجعلني أعرفك في الشدة أكثر مما أعرف بابك في العافية. أنا أخاف من نفسي بعد الفرج كما أخاف عليها قبله. أخاف أن أبكي اليوم ثم إذا مسحت عني الضر مضيت، وأن أقول: لن أنسى، ثم تأتيني السعة فتسرق قلبي بهدوء. أخاف أن أطلب منك فتحًا ثم إذا فتحت قلت: أحسنت التدبير، وأن أطلب رزقًا ثم إذا جاء تعلقت بالأسباب التي حملته، وأن أطلب نجاة ثم إذا نجوت نسيت كم كنت ضعيفًا.

فإن أعطيتني يا رب فاحفظني في العطاء. إن وسعت عليّ فاحفظني من نفسي في السعة. وإن رفعت عني ما أثقلني فلا تجعل خفة الحمل خفة في العبادة. وإن آتيتني ما أحب فلا تجعل المحبوب يأخذ موضع المنعم في قلبي.

اجعل أول أثر للنعمة فيّ أن ينخفض رأسي لك، وأن أستحي منك، وأن أقول بقلب يعلم قدره: هذا من فضل ربي. لا لأنني كنت أذكى، ولا لأنني أحسنت ترتيب كل شيء، ولا لأن لي منزلة أرفع بها نفسي على الناس، بل لأنك الكريم، وفضلك واسع.

اللهم لا تجعلني أفهم الفرج فهمًا يفسدني، ولا تجعل العطاء شهادة صلاح أكتبها لنفسي. فليس كل عطاء في الدنيا شهادة منزلة، ولا كل ابتلاء علامة هوان، وتجري أقدارك بحكمة لا أحيط بها. فلا تجعلني أزن منزلتي عندك بما في يدي، ولا بما فتح لي، ولا بما تأخر عني. اجعل همي أن ألقاك بقلب سليم، لا أن أبني من أحداث الدنيا تقريرًا عن قدري عندك.

وإن صرفت عني ما أحب فارفق بقلبي

يا رب، وإن صرفت عني ما أحب فارفق بقلبي. لا أسألك فقط أن تصرف الشيء؛ أسألك أن تتولى القلب الذي كان متعلقًا به، وأن تمسح من داخله أثر الصورة، وأن تخرجه من الباب المغلق دون أن يظل كل ليلة عائدًا إليه.

إن صرفت عني شيئًا فلا تجعلني أصرف معه حسن ظني بك. وإن تأخر عني ما أحب فلا تجعل التأخير يفسد صلاتي. وإن بقي السؤال فلا تجعل السؤال أكبر من العبودية.

كن لقلبي حين يعجز عن نزع تعلقه بنفسه؛ فبعض الأشياء لا تخرج من الصدر بمجرد قرار، وبعض الآمال لا تهدأ حين نقول لها: انتهي، وبعض الأحزان تحتاج لطفًا طويلًا حتى تسكن.

فكن بي رفيقًا يا رب. لا تتركني أطالب نفسي ببرود لا تملكه، ولا تجعلني أظن أن تألمي دليل فساد إيماني، لكن لا تدعني أيضًا أجعل الألم عذرًا للسخط. أعطني الميزان: رحمة لا تخدّرني، وحزمًا لا يقطع رجائي، وبصيرة تعرف الفرق بين جرح يتألم وقلب يعترض.

يا رب، إني لا أطلب قلبًا من حجر. أطلب قلبًا إذا تألم فر إليك. ولا أطلب نفسًا لا تخاف، أطلب نفسًا إذا خافت احتمت بك. ولا أطلب حياة بلا انتظار، أطلب ألا يجعلني الانتظار أنسى من أنت. ولا أطلب أن أعبر كل بلاء دون دمعة، أطلب ألا تحمل دموعي سوء ظن بك.

اللهم اجعل لي فيك مأوى لا تهدمه الأخبار، وسكينة لا تكون رهينة الأرقام، ورجاء لا يموت لأن موعدًا مر، وإيمانًا لا يحتاج كل صباح إلى علامة جديدة حتى يبقى حيًا.

يا رب، إني أتعب من نفسي حين تراقب: تراقب الأبواب، والرسائل، ووجوه الناس، والوقت، وكل تغير صغير، ثم تبني عليه مستقبلًا كاملًا. فرد بصري إليك. لا تجعلني أستهلك قلبي في قراءة ما لم تكتبه لي قراءة يقين. علّمني أن الأخبار أخبار، والأسباب أسباب، والناس عباد، وأنك أنت رب الأمر كله.

أحيانًا أخاف أن لا يأتي ما أريد. وأحيانًا أخاف أن يأتي بعد أن أكون قد تعبت. وأحيانًا أخاف من نفسي إن جاء. وأحيانًا لا أعرف ما الذي أخشاه بالضبط، فتتعبني كثرة الاحتمالات.

اللهم اجمع شتات قلبي. أنا لا أحسن حمل هذا كله وحدي. فاحمل عني ما لم تكلفني بحمله، وردني إلى مقام العبد: عبد يفعل ما يستطيع ثم يسلم، ويدعو ثم يسكن إلى أن ربه سمع، ويخطط ثم يعلم أن الورقة التي كتب عليها خطته ليست لوح القدر، ويبكي ولا يخجل من دمعه، ويرجو ثم لا يخاصم ربه إذا خالف الرجاء الصورة.

يا رب، إن كان ما أطلبه خيرًا لي فأسألك أن تقربه، وأن تيسره، وأن تفتح بابه، وأن تهيئ أسبابه، وأن تدفع عني ما يعوقه، وأن تأتيني به من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب. وأفض عليّ من كرمك، ولا تكلني إلى قدر عملي.

وإن أعطيتني مطلوبًا أحببته طويلًا فطهّر فرحتي به. لا تجعل فرحتي تقول: أخيرًا صارت الحياة كما أريد. بل اجعلها تقول: الحمد لله الذي تفضل. واجعلني أعرف أن النعمة تحتاج حفظك بعد وصولها كما احتاجت فضلك قبل وصولها.

فكم من عبد دعا بالعطاء ثم نسي أن يدعو بالعافية فيه. فأسألك حسن الانتفاع بما تعطيني، والبركة فيما تفتح، والشكر الذي يليق بفقري، والتواضع الذي يمنع النعمة من أن تصنع في قلبي صنمًا جديدًا.

وإن كان ما أطلبه شرًا لي، فأنت تعلم وأنا لا أعلم. فاصرفه عني وإن بكت نفسي عليه، لكن لا تتركني لبكائي وحدي. كن معي. وإن لم أفهم، فامنحني من الثقة بك ما يغنيني عن الفهم الكامل.

يا رب، ربما أبكي على باب صرفته عني رحمة، وربما أتألم من تأخير لو جاءني المطلوب قبله لفتنني، وربما أكره من الطريق ما يكون فيه خير لا أراه. أنا لا أعلم. فلا تجعل جهلي سيد قراري، ولا تجعل هواي ميزان الخير والشر.

اللهم اختر لي، ثم أصلح قلبي لما تختاره. أن تقدر ثم تفتح في صدري موضعًا للتسليم، وأن تأخذ بيدي من الصورة التي أحب إلى الخير الذي تعلم.

وأنا أقول: اختر لي، لا أقولها بلسان بارد. أقولها وأنا أعرف أن في قلبي أشياء أخاف أن أفقدها. فأعنّي على صدقها. لا تجعلني أقول لك كلمة أكبر من قلبي ثم أظن أني بلغت مقامًا لم أبلغه.

اجعل دعائي صادقًا بقدر ضعفي، ووسع قلبي بفضلك، وخذ بيدي خطوة خطوة. فأنا لا أصل إليك بقفزة من الادعاء. أنا أتعلم العبودية كل يوم؛ أتعلم أن أرجو دون أن أمتلك، وأن أحب دون أن أعبد، وأن أدعو دون أن أشترط، وأن أتألم دون أن أتهم، وأن أسلّم دون أن أكذب على وجعي.

اللهم ربّني بلطفك؛ فأنا لا أحسن تربية نفسي وحدي. إن في قلبي مواضع ما زالت تتعلم، فلا تجعلني أحتقر ضعفي حتى أنسى رحمتك، ولا تتركني أسكن إلى الضعف وأتخذه عذرًا. ارفعني إليك كلما سقطت، وخذ بيدي كلما توانيت، وأيقظني كلما خدرت روحي بالدنيا.

يا رب، إني أعوذ بك أن أخرج من سنوات الدعاء وقد تعلمت فقط كيف أطلب. علّمني كيف أعبد، وكيف أفتقر، وكيف أعرفك ربًا لا خزانة للمطلوبات. لا تجعل صلتي بك تقوم على حاجة، فإذا قضيت انطفأ الطريق.

اللهم لا تجعلني أعرف سجودي من أبواب الكرب فقط. ارزقني سجدة تأتيك في يوم هادئ، ودعاء يخرج في العافية، وشكرًا لا ينتظر تهديد النعمة، ومحبة لا تحتاج إلى انهيار الدنيا حتى تستيقظ.

يا رب، أريد قلبًا يعرفك في الرخاء كما عرف بابك في الضيق. لا أريد أن أكون ممن لا يحسنون الرجوع إلا إذا أوجعتهم الحياة. اجعل لي إليك طريقًا تسلكه روحي وهي مطمئنة أيضًا. اجعلني أذكرك قبل الخوف، وأدعوك قبل الحصار، وأستعين بك قبل أن تنقطع الأسباب، وأشكرك قبل أن تهتز النعمة في يدي.

ربما كان أعظم فقري أنك إن أعطيتني ما أريد قد أنساك إن لم تحفظني. فاحفظني بفضلك، وردني منك إليك. ولا تجعل نعمة سألتك إياها سنوات تصبح سببًا في بعدي عنك.

ما أقسى أن يفتح للعبد الباب الذي بكى عنده، ثم يدخل فينسى من فتحه.

يا رب، لا تجعلني هذا العبد.

إن فتحت لي فأدخلني عليك قبل أن تدخلني على النعمة. وإن أغنيتني فأغن قلبي بك قبل أن تغني يدي. وإن رفعت عني الضيق فلا ترفع عني الافتقار. وإن مسحت دمعي فلا تمسح من قلبي أثر السجود. وإن طمأنت خوفي فلا تجعل الأمن يورثني الغفلة.

أبقني فقيرًا إليك ولو كثرت في يدي النعم، ومنكسرًا لك ولو مدحني الناس، ومستعينًا بك ولو سهلت الأسباب، وذاكرًا لفضلك ولو ألفت العطاء.

لا تجعلني أعتاد رحمتك حتى أنسب آثارها إلى نفسي وحسن تدبيري. كم من نعمة مررت بها ولم أقف، وكم من ستر عشت تحته حتى ظننته حقًا مكتسبًا، وكم من شر دفعته عني ولم أعلم أنه كان قريبًا، وكم من يوم مضى بي سالمًا ولم يخطر في قلبي أن سلامتي نفسها عطية.

اغفر لي يا رب غفلتي عن النعم التي لم تصرخ. فالبلاء يوقظني بصوته، أما لطفك فكثيرًا ما يعبر بي في صمت.

اللهم ارزقني عينًا ترى آثار رحمتك قبل أن تضطرها المصيبة إلى النظر، وقلبًا يشكر على ما بقي ولا ينتظر أن يفقده حتى يعرف قيمته. ولا تجعل حاجتي الغائبة تحجب عني نعمك الحاضرة، ولا تجعل بابًا واحدًا مغلقًا يملأ بصري حتى أنسى الأبواب التي حفظتني داخلها، ولا تجعلني أختصر حياتي كلها في سؤال، ولا أختصر كرمك كله في إجابة واحدة.

يا رب، إن بقيت حاجتي فأنت ربي. وإن قضيتها فأنت ربي. إن تغير واقعي فأنت ربي. وإن بقي كما هو زمنًا فأنت ربي.

هذه الحقيقة أسألك أن تثبتها في قلبي حتى لا تتغير بتغير الأخبار.

اللهم لا تجعل علاقتي بك رهينة نتيجة، ولا تجعل سلام قلبي مرتبطًا بموعد، ولا تجعل حسن ظني يضعف إذا خالف القدر حسابي. واجعلني كلما اختلطت عليّ الطرق أعود إلى أبسط الحقائق وأعظمها: أنا عبدك، وأنت ربي، وأنت أعلم بي، وأنا لا غنى لي عنك طرفة عين.

يا رب، لا أطلب أن أشعر بالقوة. أطلب أن تكون معي في ضعفي. ولا أطلب أن أضمن أني لن أسقط، أطلب إذا سقطت أن تردني. ولا أقول: لن يشرد قلبي، لكن أقول: إن شرد فرده، وإن قسا فلينه، وإن غفل فأيقظه، وإن تعلق فطهّره، وإن أعجبته نفسه فعرّفه قدرها، وإن يئس فافتح له باب الرجاء، وإن أذنب فلا تدعه يهرب منك بسبب ذنبه.

يا رب، أنا لا أثق بثباتي بقدر ما أرجو تثبيتك، ولا أطمئن إلى قوتي بقدر ما ألوذ بمعونتك. ولا أزكي قلبي؛ أضعه بين يديك. قلبًا تتنازعه الرغبات، وتضعفه المخاوف، وتحركه الكلمات، ويصعد ويهبط.

فيا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، ولا تدعه يضل عن بابك.

اللهم أصلح سريرتي؛ ذلك الموضع الذي لا يراه الناس، حيث تنبت النية قبل أن يراها العمل، ويختبئ العجب تحت الثناء، وتتحول الرغبة إلى تعلق، وتبدأ الخصومة قبل أن ينطق اللسان، ويولد سوء الظن صغيرًا ثم يكبر في الظلام.

طهّر ذلك الموضع يا رب. فإني أخاف من فساد لا يراه أحد ويهدم كل ما يرونه. ولا تجعلني مشغولًا بصورة صلاحي عند الناس عن حقيقة فقري بين يديك.

إن مدحوني فنجني من نفسي، وإن ذموني فنجني من نفسي. وإن عرفوا لي خيرًا فلا تجعل معرفتهم به تزيده في عيني، وإن خفي عملي عنهم فلا تجعلني أفتش عن عين تراني. واجعلني أستحي منك أن أطلب منزلة في قلوب الخلق بعمل أردت به وجهك.

يا رب، حتى دعائي هذا لا تجعلني أعجب به، ولا تجعل جمال العبارة يحجبني عن حقيقة الافتقار. فرب كلمة رقيقة قالها لسان والقلب بعيد، ورب عبد لم يحسن البيان وبلغ من الصدق موضعًا لا تبلغه الخطب.

فلا تجعلني أعبد الكلمات، ولا أظن أن حسن المناجاة شهادة على حسن حالي. اجعل ما أقوله حقيقة، ولو سقطت الزخارف كلها، ولو لم يبق على لساني إلا: يا رب، ارحمني.

يا رب، أنا لا آتيك ببلاغتي، ولا بدموعي، ولا بتاريخ دعائي، ولا بما يراه الناس مني. آتيك بي كما أنا؛ بما أصلحت مني وبما لم أصلح، بمواضع النور وبالزوايا التي أخجل منها، بصلاة أرجو قبولها وغفلة أستغفرك منها، برجاء يشرق وخوف يثقل، بقلب يريدك ثم تسرقه الدنيا ثم يرجع خجلًا.

هذا أنا يا رب. فلا تردني إلى نفسي.

اللهم إن كان في قلبي خير فزكه، وإن كان فيه مرض فداوه، وإن كان فيه كبر فطهّره، وإن كان فيه تعلق فحرره، وإن كان فيه حزن فآوه، وإن كان فيه خوف فكن لي فيه، وإن كان فيه ذنب فلا تحرمني بسبب الذنب من باب التوبة.

أنا لا أطلب منك أن تريني أني صالح؛ أطلب أن تصلحني. ولا أطلب شعورًا دائمًا بالقرب؛ أطلب أن تبقيني على طريقك حتى في الأيام التي يجف فيها الشعور. ولا أطلب أن أعيش دائمًا في وهج الإيمان؛ أطلب ألا أبيع الحق حين يخفت الوهج.

ثبتني في العبادة التي لا تصحبها دمعة، وفي الصلاة التي أجاهد فيها الشرود، وفي يوم لا أشعر فيه بشيء عظيم، لكني أعرف أنك ربي فأطيعك.

اللهم لا تجعلني عبد اللحظات العالية فقط. ربني على الاستقامة حين تهدأ المشاعر، وعلى الصدق حين لا يراني أحد، وعلى الدعاء حين لا تأتيني إشارة تطمئنني، وعلى الشكر حين تصبح النعمة مألوفة.

يا رب، إن طال الطريق فلا تجعل طوله أكبر منك في قلبي. وإن اشتد الكرب فلا تجعل صوته يعلو على معرفتي بك. وإن ضعفت فلا تجعل ضعفي يخبرني أني متروك. وإن تأخر عني ما أحب فلا تدع نفسي تكتب من التأخير قصة لم تأذن بها.

لا تكمل الجملة من رأسك

كم من مرة أكملت أنا الجملة من رأسي.

رأيت الباب مغلقًا فقلت: لن يفتح. رأيت السبب ضعيفًا فقلت: انتهى الأمر. طال الانتظار فقلت: لست مرادًا بهذا الخير.

يا رب، اغفر لي ترجماتي لأقدارك.

أنت لم تقل لي كثيرًا مما قلته لنفسي.

فأمسك قلبي عند حد ما يعلم. ولا تدعه يضيف إلى الألم حكمًا بالغيب. إذا لم أعرف فاجعلني أقول: لا أعرف. ولا أكمل الجملة. ولا أحول الخوف إلى يقين، ولا الاحتمال إلى قدر مكتوب في خيالي.

وردني إلى قول القلب: ربي يعلم. وهذا يكفيني حتى يظهر لي ما كتبت.

يا رب، أسألك حاجتي وأنت تعلمها. أسألك إياها بكل فقر فيّ، بلا استحقاق، وبلا مساومة، وبلا فاتورة مخفية. فإن كانت خيرًا فافتح لي، وأفض عليّ من كرمك، ولا تكلني إلى سوء عملي وتقصيري.

أنا أرجو رحمتك، وأطرق باب فضلك، وأحسن الظن بجودك؛ لا لأن عملي عظيم، بل لأنك الكريم.

يا رب، لا تحرمني خير ما عندك بسبب سوء ما عندي. ولا تجعل ذنوبي تقطعني عن الدعاء، ولا تجعل تقصيري يقول لي: بأي وجه تسأل؟

فأنا لا أسألك لأنني أجيئك بعمل يرفعني. أسألك لأنك ربي، ولأن بابك مفتوح للتائبين، ولأن المذنب إن لم يفر إليك فإلى أين يذهب؟

يا رب، لا ملجأ منك إلا إليك. إن خفت من ذنبي فررت إليك، وإن خفت من نفسي فررت إليك، وإن خفت من الغد فررت إليك، وإن خفت أن يفسدني الفرج فررت إليك، وإن خفت أن يطول البلاء فررت إليك.

كل الطرق في ضعفي تنتهي عند بابك.

فلا تحرمني حسن الوقوف.

اللهم علّمني أن أرفع يدي إليك بقلب ذليل لا مهين، منكسر لا يائس، راجٍ لا مُدلّ، ملحّ لا معترض، متعلق بك لا بصورة الإجابة.

إذا دعوتك فلا تجعل أذني معلقة بالخبر أكثر من تعلق قلبي بك. وإذا انتظرت فلا تجعلني أحصي الأيام حتى أنسى أن كل يوم منها عمر أعبدك فيه. وإذا بكيت فلا تجعلني أرى في دمعي ثمنًا. وإذا صبرت فلا تجعلني أستكثر صبري.

واجعلني كلما طال الطريق أعرف فقري أكثر، لا استحقاقي أكثر.

يا رب، هذه هي الفتنة الخفية التي أخافها: أن يبدأ الدعاء افتقارًا، ثم يطول، فتدخل النفس. تعد، وتقارن، وتقول: فلان دعا أقل، وفلان انتظر أقل، وفلان فتح له… وأنا؟

اللهم اقطع هذه المقارنة من أصلها. ما لي ولتقديرك في عبادك؟ وما لي ولأرزاق قسمت بعلمك؟ ردني إلى صحيفتي، وإلى قلبي، وإلى واجبي، وإلى بابي عندك. ولا تجعل نعم غيري دليل حرماني، ولا تأخر حاجتي حجة على قلة فضلك.

ارزقني قلبًا يفرح للناس دون أن ينزف من المقارنة؛ يقول إذا رأى نعمة عند غيره: بارك له يا رب، ثم يعود إليك بحاجته دون اعتراض. وطهّرني من الحسد الذي يصنعه الألم، ومن المرارة التي يربيها الانتظار، ومن أن تضيق نفسي بعطاء عبد لأنني ما زلت أنتظر.

يا رب، أصلحني قبل العطاء، وأصلحني بالعطاء، وأصلحني بعد العطاء، وأصلحني إن لم يأت ما أردت. لا تجعل صلاحي رهينة حدث.

وإن كان في هذه الرحلة كلها خير، فاجعل من أعظم خيرها أن أعرف فقري إليك. لكن لا تجعلني أعرفه كعبارة؛ فقد قلت كثيرًا: أنا فقير إليك. اجعلني أعيشه.

حين يزدحم الحساب بالمال فلا أستغني، وحين يقل فلا أجزع. حين يسندني الناس فلا أنسى، وحين يبتعدون فلا أنهار. حين أجد السبب فلا أعبده، وحين أفقده فلا أظن أن قدرتك نقصت.

اجعل الفقر إليك حقيقة تسري في قلبي؛ تجعلني أقول عند كل نعمة: بفضلك، وعند كل طاعة: بإعانتك، وعند كل ثبات: بتثبيتك، وعند كل نجاة: برحمتك.

يا رب، ما لي شيء خالص أقول: هذا مني. إن أحسنت فمن توفيقك، وإن صدقت فمن فضلك، وإن ثبت فمن إعانتك، وإن رجعت فمن رحمتك. وإن كان في قلبي رجاء بك، فمن الذي عرفني بك حتى رجوتك؟

فلك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما وفقت، ولك الحمد على باب لا يزال مفتوحًا كلما عدت.

يا رب، كم عدت إليك بنفس الذنب من جهة أخرى، وكم وعدت ثم ضعفت، وكم خشعت ثم قسا قلبي، وكم ظننت أني تعلمت ثم كشف موقف صغير أن في نفسي بقية من الدرس. ومع ذلك سترت وأمهلت وفتحت.

فكيف لا أرجو رحمتك؟ وكيف أعتمد على عملي وأنا أعرف تكرار ضعفي؟

اللهم اجعل معرفتي بضعفي بابًا لحسن الافتقار، لا حجة لترك المجاهدة. فلا أقول: أنا ضعيف، ثم أستسلم للذنب. ولا أقول: نفسي هكذا، ثم أتركها. أعنّي أن أجاهد وأنا أعلم أن التوفيق منك، وأن أعمل وأنا أعلم أن العمل لا يستقل عن معونتك، وأن أطرق وأنا أعلم أن فتح الباب بيدك.

يا رب، إن سقطت فلا تجعلني أستريح في الأرض، وإن تعثرت فلا تجعل العثرة اسمًا لي، وإن أخطأت فلا تدع الشيطان يقنعني أن بابك صار أبعد.

ردني.

ولو للمرة التي استحييت من عدها.

ردني.

فأنا لا أملك بابًا غير بابك.

وكلما قلت لنفسي: بأي وجه أعود؟ ذكّر قلبي أني أعود بوجه عبد مذنب إلى رب غفور، لا بوجه مستحق.

أبقني لك

يا رب، أعطني أو أخر عني، افتح أو أمسك، يسر أو اصرف، لكن لا تتركني لي.

هذه حاجتي التي أخاف فقدها أكثر من كل حاجة:

لا تتركني لي.

فإن وكلتني إلى نفسي حملت ما لا أطيق، وتكلمت فيما لا أعلم، وأحببت ما قد يضرني، وخفت مما لم يقع، وتعلقت بالسبب، وأكملت الجمل من رأسي.

لا تتركني لي يا رب.

تولني.

أمسك قلبي.

صحح نظري.

سدّد لساني.

اهد اختياري.

بارك سعيي.

واغفر تقصيري.

إن بلغني ما أريد فبلغني إليه وأنا لك. وإن حالت بيني وبينه أقدارك فأبقني لك. وإن طال الطريق فأبقني لك. وإن تغيرت أمنيتي فأبقني لك. وإن انكسرت صورة أحببتها فأبقني لك.

أنا لا أريد أن أخسر العبودية بسبب شيء من الدنيا. لا تجعل مالًا، ولا فقرًا، ولا شخصًا، ولا غياب شخص، ولا صحة، ولا مرضًا، ولا فتحًا، ولا انتظارًا يخرجني من بابك.

أبقني عبدك.

أبقني لك حين لا أملك إلا الدعاء، وحين تكثر في يدي الأسباب. حين يهدأ صدري، وحين يضطرب. حين أقول: فهمت، وحين لا أفهم.

أبقني لك.

حتى إذا انتهت هذه الدنيا، وسقطت الأسماء، وتفرقت الأسباب، وجئت إليك وحدي، لا أجيئك متكئًا على عمل، ولا معجبًا بطاعة، ولا محتجًا بدمعة، ولا حاملًا قائمة بما صبرت.

بل آتيك بقلب يرجو رحمتك، ويعلم أنه لولاك ما اهتدى، ولولا سترك ما سلم، ولولا عفوك ما نجا.

يا رب، إني لا آتيك بعملي، بل بفقري. وحتى عملي من فضلك.

ولا آتيك بقوتي؛ فقد عرفت من نفسي ما يكسر دعواها. ولا آتيك باستحقاق أُدلّ به عليك.

أتيتك لأنك ربي.

ولأنك أذنت للفقير أن يسأل.

ولأن رحمتك أوسع من ذنبي.

وفضلك أعظم من عملي.

وعفوك هو رجائي.

اللهم لا ترد قلبي إلى نفسه. لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك. واجعل لي من لطفك سترًا، ومن هداك نورًا، ومن معونتك قوة، ومن رحمتك مأوى، ومن ذكرك حياة.

يا رب، إن كان لي دعاء أسألك أن تحيي به بقية دعائي، فهو هذا:

لا تتركني لنفسي.

لا تجعلني أستغني عنك في قلبي ولو ملكت، ولا أيأس من رحمتك ولو فقدت، ولا أسيء الظن بك ولو طال الطريق، ولا أنسى فضلك ولو ألفت النعم، ولا أعجب بعملي ولو مدحني الناس.

خذ بيدي إليك. وردني إليك كلما ابتعدت. وأبقني لك.

عبدًا فقيرًا، راجيًا، مستكينًا، يحسن السؤال ولا يدعي الاستحقاق، يلح ولا يخاصم، يبكي ولا يسيء الأدب، وينتظر ولا يحاسب ربه، ويعلم أن أعظم ما يرجوه من كل طريق أن يبقى قلبه لك وهو يسألك ما في فضلك.


اقرأ أيضًا

يا رب، حاجتي عندك ولكن قلبي لك

يا رب، حاجتي عندك، ولكن قلبي لك.

فلا تجعل حاجتي أكبر في صدري من عبوديتي، ولا تجعل ما أطلبه أحب إليّ من سلامة قلبي معك. وأعطني من الدنيا ما يكون عونًا لي على رضاك، واصرف عني ما يكون فتنة لي أو حجابًا عن طاعتك، ثم ارزقني الرضا بما تقدر.

لا رضا المتكلف الذي يخفي وجعه، بل رضا عبد قد يبكي، وقد يتألم، لكنه يعرف أين يضع قلبه.

يا رب، أنا عبدك. ضعيفك. فقير إليك. مذنب أرجو عفوك. ومحتاج أرجو فضلك. وحائر أرجو هداك. وخائف ألوذ بك.

فلا تحرمني خير ما عندك بسوء ما عندي.

ولا تكلني إلى نفسي.

وتولني برحمتك.

وأصلحني بلطفك.

وأبقني على بابك حتى ألقاك.

ليس في قلبي دعوى استحقاق، بل رجاء عبد عرف أن نجاته كلها في رحمتك، وأنك مولاه، وأن شرفه كله أن يبقى لك عبدًا.

اللهم آمين.

تعليقات

عدد التعليقات : 0