اللغة المتكررة التي تخاطب بها نفسك ليست مجرد وصف عابر لما يحدث؛ فقد تتحول مع الزمن إلى عدسة ترى بها ذاتك والناس والحياة. وهذه قراءة في الكلمات التي تبدأ مزاحًا، ثم تستقر في الداخل حتى تتكلم باسمك.
عن اللغة التي نكررها مزاحًا، ثم تعيد تسمية العالم داخلنا
في هذا المقال
أخطأتَ في أمرٍ صغير، فضحكت وقلت أمام من حولك: أنا غبي، أنا دائمًا أفسد كل شيء.
ضحكوا، وضحكت معهم. لم تكن تقصد العبارة على حقيقتها، ولم تكن مستعدًا للدفاع عنها لو ناقشك أحد. كانت جملةً خفيفة أطلقتها لتتجاوز الموقف، ثم مضيت.
لكنها لم تمضِ.
عدتَ تقولها بعد خطأٍ آخر، ثم بعد نسيان موعد، ثم حين تعثرت محاولة كنت تعوّل عليها. وفي يومٍ لم يكن حولك فيه أحد، أخطأت مرةً جديدة، فسمعت العبارة نفسها في داخلك قبل أن تفكر:
أنا دائمًا أفسد كل شيء.
هذه المرة لم تكن مزحة.
لم تعد أنت الذي استدعى الكلمة؛ هي التي حضرت لتفسّرك.
حين تتحول الكلمة إلى عدسة
وهنا يبدأ السؤال الذي لا نقف عنده كثيرًا: ماذا يحدث لك حين تكرر ألفاظًا لا تؤمن بها تمامًا، لكنها مع الزمن تصبح اللغة التي ترى بها نفسك والناس والحياة؟
بعض الكلمات تدخل القلب ضيوفًا عابرين. تدخل في نكتة، أو تعليقٍ ساخر، أو عبارةٍ منتشرة يرددها الجميع. ثم يكثر دخولها حتى تألف المكان، وتأخذ لها مقعدًا، ثم مفتاحًا، ثم تبدأ في إعادة تسمية الغرف.
في البداية تقول: «الناس كلهم مصالح» لأن شخصًا خذلك، أو لأن العبارة بدت ذكية في مجلسٍ ممتلئ بالساخرين. ثم تكررها كلما سمعت قصة غدر. وبعد زمن، يقدم إليك أحدهم معروفًا صادقًا، فلا تستقبله كما هو؛ تبحث خلفه عن المصلحة التي أخفاها.
لم تعد العبارة تصف بعض الناس.
صارت تسبق الناس إليك.
تقول: «لا أحد يبقى» بعد فراقٍ واحد، ثم تبدأ في قراءة كل تأخرٍ على أنه رحيل، وكل فتورٍ على أنه خيانة، وكل مسافةٍ مؤقتة على أنها استعدادٌ للتخلي عنك. فتخاف العلاقات قبل أن تؤذيك، وربما تفسدها بيدك وأنت تحاول أن تحمي نفسك منها.
وتقول عن نفسك: «أنا منحوس»، أو «لا شيء ينجح معي»، كلما تعثر أمر. ثم تأتيك فرصٌ صغيرة، فلا تراها؛ لأن لغتك لا تملك اسمًا لها. وتأتيك نجاحات، فتصفها بالمصادفة. وتأتيك عثرة، فتستقبلها كدليلٍ جديد على الحكم القديم.
الكلمة لا تغيّر القدر، وليست تعويذةً سحرية تصنع الواقع بمجرد التلفظ بها. وليس كل لفظٍ عابر يعيد بناء شخصيتك، ولا ينبغي أن تتحول مراقبة الكلام إلى وسواسٍ يفتش في كل مزحة.
لكن اللغة المتكررة تفعل شيئًا أهدأ وأعمق: إنها تختار لك ما تراه، وتمنح الأحداث أسماءها، ثم تمدك بالتفسير الجاهز قبل أن تنظر في الحقيقة.
حين تقول مرارًا: «أنا فاشل»، لن تحتاج كل مرة إلى فحص ما حدث: هل قصرت؟ هل احتجت إلى تعلم؟ هل كانت الظروف أصعب من قدرتك؟ هل نجحت في جوانب وفشلت في جانب؟ لقد حُسمت القضية قبل أن تبدأ؛ لأن الكلمة القديمة وصلت أولًا.
وحين تقول: «كل شيء تافه»، قد لا تكون قد فقدت المعنى فعلًا. ربما كنت متعبًا، أو محبطًا، أو محاطًا بلغةٍ ساخرة تخجل من إظهار الجدية. لكنك إذا كررتها طويلًا، فقد يأتي يومٌ تحتاج فيه إلى أن تحب شيئًا، أو تؤمن بشيء، أو تبذل من أجل شيء، فلا تجد في قاموسك إلا السخرية.
لقد درّبت لسانك على هدم كل معنى قبل أن يسكن قلبك.
وقد لا تكون هذه اللغة من صنعك أصلًا. ربما سمعتها في بيتك حتى حسبتها منطقًا. أو التقطتها من أصدقاء لا يحتملون الصدق فيغطونه بالمزاح. أو تشربتها من شاشتك؛ من مقاطع تجعل الوفاء سذاجة، والحياء ضعفًا، والزواج سجنًا، والتدين عقدة، والأمل غباء، والجدية مادةً للسخرية.
ثم تتكلم بها وأنت تظن أنك تعبّر عن نفسك.
لكن من الذي يتكلم فيك حقًا؟
هل هذه قناعتك، أم صدى مجلسٍ طال جلوسك فيه؟ هل هذا حكمك على الحياة، أم عبارةٌ حفظتها من كثرة ما سمعتها؟ هل أنت الذي اخترت هذا اللسان، أم أن الكلمات وجدت فيك مكانًا خاليًا فأقامت؟
ولأن الكلمة قد تخرج من اللسان وتبقى في قلب غيرك، يتصل هذا المعنى أيضًا بمقال أثر الكلمة الجارحة؛ أما هنا فننظر إلى العبارة حين تعود فتسكن داخل صاحبها.
حين نمنح الخطأ اسمًا ألطف
وليست الخطورة في الكلمات القاتمة وحدها، بل في الأسماء التي نمنحها لأفعالنا حتى نهرب من حقيقتها. قد نسمّي الغيبة «فضفضة»، والقسوة «صراحة»، والجبن «حكمة»، والتساهل في الحق «طيبة»، والتعلق «حبًّا»، والرياء «مراعاةً للناس».
لا يتغير الفعل حين نغيّر اسمه، لكن مقاومتنا له تضعف. فالنفس تنفر من الغيبة، وقد لا تنفر من الفضفضة. تستحي من الظلم، لكنها قد تفخر بالحزم. تخاف الرياء، لكنها تطمئن إلى تحسين الصورة.
أحيانًا لا يحتاج الخطأ إلى حجةٍ تقنعك به.
يحتاج فقط إلى اسمٍ ألطف.
ولهذا لم يكن الكلام في ميزان الدين صوتًا يخرج ثم يتلاشى. قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.
فالكلمة ليست بريئةً دائمًا من الطريق الذي يأتي بعدها. قد تفتح خصومة، أو تسكّن ضميرًا، أو تهدم قدر إنسانٍ في نفسه، أو تجعل المنكر مألوفًا لأنه قيل ألف مرة في ثوب المزاح.
كم من طفلٍ سمع في كل خطأ: أنت غبي، ثم كبر وهو يحاول أن يثبت حكمًا لم يختره. وكم من إنسانٍ قيل له ضاحكين: أنت لا تصلح لهذا، فصار صوتهم يظهر في رأسه كلما همَّ ببداية. وربما نسي الذين قالوا العبارة أنهم قالوها، بينما ظل هو يعيش داخلها سنوات.
نحن لا نعرف دائمًا أين تنتهي الكلمة بعد خروجها.
لهذا لا يكفي أن تقول: كنت أمزح. قد يشرح المزاح نيتك، لكنه لا يمحو الأثر كله. وليس المطلوب أن يصبح الإنسان ثقيلًا يخاف الضحك، ولا أن يزن كل حديثٍ عابر كما لو كان بيانًا رسميًا. المطلوب فقط ألا تجعل المزاح منفذًا دائمًا لكلماتٍ لو قيلت لك في لحظة ضعفٍ لجرحتك.
وهذا هو الوجه الأعمق الذي يكمله مقال المزاح المؤذي: لا تجعل الضحك بابًا لكسر القلوب؛ فالضحك لا يبرئ العبارة من أثرها، سواء بقيت في قلب من سمعها أو عادت لتصير صوتًا في داخلك.
اللغة الصادقة: تسمية الجرح دون أن تبتلعك
ثم انتبه إلى اللغة التي تخاطب بها نفسك. لا تستبدل الصدق بكلماتٍ وردية كاذبة. إذا كنت متعبًا، فقل: أنا متعب. وإذا فشلت محاولة، فقل: هذه المحاولة لم تنجح. وإذا أخطأت، فقل: أخطأت وأحتاج إلى أن أصلح.
لكن لا تمنح الألم أكثر مما وقع.
لا تقل: انتهت حياتي، لأن بابًا أُغلق. ولا تقل: لا أحد يحبني، لأن شخصًا خذلك. ولا تقل: أنا لا أنفع، لأنك عجزت عن أمر. ولا تقل: الله لا يريد لي خيرًا، لأن ما أردته لم يقع في الموعد الذي أردته.
اللغة الصادقة لا تنكر الجرح، لكنها تمنعه من ابتلاع العالم كله.
هناك فرقٌ بين أن تقول: «وقعت في ذنب»، وأن تقول: «أنا فاسد». الأولى تسمّي فعلًا يمكنك أن تتوب منه، والثانية تحوّل الفعل إلى هويةٍ تحبسك داخله. وفرقٌ بين أن تقول: «ضعفت اليوم»، وأن تقول: «لن أتغير أبدًا». الأولى تفتح باب العلاج، والثانية تغلق الغد بحكمٍ أصدره ألم اللحظة.
استردّ حقك في التسمية
ابدأ بملاحظة العبارات التي تسبق تفكيرك. لا تسأل فقط: هل هذه الكلمة جميلة؟ اسأل: هل هي حق؟ وإذا بقيتُ أكررها، فما الإنسان الذي ستبنيه في داخلي؟ وما الذي ستجعلني أراه؟ وما الذي ستحجبني عنه؟
ثم استردّ حقك في التسمية.
قل: تعثرت، ولم أنتهِ. أخطأت، ولست مضطرًا إلى حماية خطئي. خذلني إنسان، وليس كل الناس هو ذلك الإنسان. أُغلق باب، وليست أبواب الله محصورةً فيه. أنا ضعيف، لكنني لست متروكًا إلى ضعفي؛ أستعين بالله وأتعلم وأحاول.
لا تبحث عن أجمل عبارة.
ابحث عن أصدقها.
فالكلمات الصادقة لا تخدّرك، ولا تهينك، ولا تجعل العتمة أكبر من حجمها. إنها تضع الشيء في موضعه: الذنب ذنبٌ يحتاج إلى توبة، والخسارة خسارةٌ تحتاج إلى صبر، والخطأ خطأٌ يحتاج إلى إصلاح، والإنسان عبدٌ يضعف ويقوم، ولا يملك أن يحكم على بقية عمره من لحظةٍ واحدة.
راجع الكلمات التي منحتها إقامةً طويلة فيك. بعضها لم تختره، وبعضها دخل مزاحًا، وبعضها ورثته من خوف غيرك، وبعضها ردّدته حتى حسبته صوتك.
ليس كل ما يتكلم في داخلك أنت.
فلا تمنح كل كلمةٍ مفتاحًا، ولا تسمح لعبارةٍ عابرة أن تعيد تسمية العالم كله في قلبك.
قد تبدأ الكلمة على لسانك مزحةً لا تؤمن بها.
ثم تنتهي لغةً تؤمن من خلالها بكل شيء.