كتبها في لحظة غضب.
جملة قصيرة، لكنها تعرف أين تجرح. ضغط «إرسال»، ثم بقي ينظر إلى الشاشة. بعد دقائق شعر بشيء من الندم، فاختار:
«حذف لدى الجميع».
اختفت الجملة.
وظهر مكانها سطر رمادي بارد:
تم حذف هذه الرسالة.
تنفّس قليلًا، كأن شيئًا انتهى.
حذف الرسالة لا يمحو أثرها دائمًا؛ فبعض الكلمات لا تنتهي حين تختفي من الشاشة.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
الكلمة التي خرجت لم تعد كما كانت قبل خروجها. ربما قرأها صاحبها قبل أن تحذفها. وربما التقطتها ذاكرته، وبقيت فيه بعد أن خلا مكانها من المحادثة. وربما نقلها إلى غيره، أو أعادها في رأسه كلما تذكّر الموقف.
أنت حذفت السطر.
لكن ماذا عن الطريق الذي قطعه بعدك؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
الكلمة بعد الشاشة
ومع الشاشات لم تعد الكلمة جملة تكتبها فقط. قد تصبح صورة، أو مقطعًا، أو شائعة، أو شبهة، أو رابطًا تضغط تحته زر «نشر».
ترى منكرًا، فتغضب.
ثم ترفعه إلى حسابك، وتكتب فوقه:
«انظروا إلى حجم الانحطاط».
كان المقطع في صفحة واحدة، فأصبح عندك أيضًا. وكانت الصورة تبحث عمن يحملها، فحملتها وأنت تذمها. وكان بعض متابعيك لا يعرفونها، فعرفوها من خلال إنكارك لها.
أنت لم تصنع المنكر.
لكن زرّك فتح له نافذة جديدة.
وقد تقول:
أنا لم أنشره إعجابًا به، بل لأحذّر منه.
وربما صدقت. فليس كل من نقل باطلًا راضيًا به، وقد يحتاج الناس أحيانًا إلى بيان شبهة، أو التحذير من احتيال، أو كشف ظلم، أو ردّ قول فاسد عند من انتشر بينهم.
لكن السؤال ليس عن العبارة التي كتبتها فوقه فقط.
السؤال:
هل كان إنكارك يحتاج أن تمنح المنكر جمهورًا جديدًا؟
بعض الناس لم يكونوا سيشاهدون المقطع حتى قلت لهم: لا تشاهدوه. ولم يسمعوا بالشائعة حتى نشرتها وكتبت: «لا أعلم مدى صحتها». ولم تخطر لهم الشبهة حتى نقلتها كاملة، ثم وضعت تحتها ردًّا لن يقرأه كل من قرأها.
كنت تريد أن تطفئ النار.
لكن هل وضعت عليها ماءً… أم حملت منها جمرة إلى كل بيت؟
قد تكتب فوق المقطع: «هذا منكر».
لكن بعض الناس سيأخذون المقطع ويتركون عبارتك.
وقد تنشر صورة لتستنكرها، فيتوقف أحدهم عند الصورة ولا يكمل الإنكار. وقد تنقل شبهة لتسخر من ضعفها، فتدخل إلى قلب شخص لم يكن يملك جوابها. وقد تعيد نشر مقطع مضلل لتفضحه، فتمنحه المنصّة مزيدًا من المشاهدات والتفاعل والانتشار.
الخوارزمية لا تعرف أنك غاضب.
هي ترى أنك نشرت.
وأن الناس توقفوا.
وأن المقطع تحرك من خلالك.
متى يصبح التحذير توزيعًا؟
ليس كل باطل يجب أن يُعرض حتى يُرد عليه.
وليس كل منكر يجب أن يُنشر حتى يُستنكر.
وليس كل شائعة يكفي أن تكتب قبلها: «كما وصلني».
هذه العبارة لا ترفع عنك مسؤولية ما حملته إلى الناس. أنت قد لا تكون أول من أطلق الخبر، لكنك صرت واحدًا ممن وسّعوا طريقه.
والناقل ليس خارج الحكاية.
حين تختار المادة، وتدفعها إلى جمهورك، وتضيف إليها عنوانًا مثيرًا، فقد دخلت في حياتها الجديدة، حتى لو ختمتها بعبارة:
«الله المستعان».
وقد يكون أكثر ما يخدع الإنسان أنه لا يشعر بأنه قال شيئًا.
هو فقط ضغط زرًّا.
لم يجلس في مجلس. لم يرفع صوته. لم ينطق التهمة بلسانه.
أرسل صورة محادثة. شارك منشورًا. نقل تسجيلًا صوتيًا. ضغط «إعادة توجيه».
ثم وضع الهاتف جانبًا.
لكن سهولة الحركة لا تجعل أثرها خفيفًا.
ثانية واحدة من إصبعك قد تضع كلامًا في مئة هاتف. وما كان يحتاج قديمًا إلى مجالس كثيرة، قد يبلغه اليوم زر واحد قبل أن تهدأ حرارة انفعالك.
الناقل ليس خارج الحكاية
تنتهي لحظة النشر عندك.
وتبدأ حياة المنشور عند غيرك.
قد يُحفظ. وقد يُقتطع من سياقه. وقد يُعاد نشره بلا تعليقك. وقد يصل إلى من لم تعرفه، ثم يمضي أبعد مما تستطيع ملاحقته.
قبل النشر كان تحت سلطانك.
بعد النشر، قد لا يعود لك سلطان عليه.
لكن مسؤوليتك لا تزول لمجرد أنك لم تعد تملك جمعه.
وهذا لا يعني أن تصمت عن كل باطل، أو أن تترك النصيحة، أو تخشى بيان الحق. قد يكون السكوت خذلانًا في مواضع، وقد يكون التحذير واجبًا أو مطلوبًا.
لكن التحذير له قدر.
والبيان له طريقة.
والغرض أن يقل الشر، لا أن ينتشر وهو يرتدي ثياب الإنكار.
التحذير له قدر وطريقة
يمكنك أن تحذّر من الشائعة دون أن تعيد نشر نصّها المثير.
وأن تبيّن الحكم دون عرض الصورة المحرمة.
وأن ترد على الشبهة عند من وقعت عنده، دون تعريف آلاف الناس بها.
وأن تصف الخلل دون وضع رابط يقود إليه.
وأن تطمس ما لا تدعو الحاجة إلى إظهاره.
وأن تبلغ عن المحتوى بدل أن تمنحه حسابًا جديدًا يعيش فيه.
وربما كان أصدق إنكار تفعله أحيانًا أن تقطع الطريق.
لا أن تقف في آخره وتصيح بالناس بعد أن دللتهم عليه.
قبل أن تضغط زرّ «نشر»، لا تسأل فقط:
هل أنا مع هذا أم ضده؟
اسأل:
ماذا سيحدث له بسببي؟
هل سيضعف؟
أم سيبلغ من لم يكن سيبلغه؟
هل يحتاج الناس إلى هذا القدر كله حتى يفهموا التحذير؟
أم أن في داخلي غضبًا يريد أن يعرض المشهد، وفضولًا يريد أن يجذب العيون، ثم يضع فوقهما كلمة وعظية تريح الضمير؟
قد تختلط النيات. قد يكون في القلب إنكار صادق، ومعه حب للسبق، أو رغبة في التفاعل، أو لذة في إثارة الناس. لا نجزم بما في القلوب، لكننا لا نعفيها من السؤال.
هل كنت تحارب المنكر… أم كنت تحمل إليه جمهورًا جديدًا؟
الشائعة أشد خداعًا
والشائعة أشد خداعًا.
يصلك خبر يهزّ الناس، فتشعر أنك إن تأخرت ستفقد فرصة السبق. تكتب:
«عاجل».
ثم في الأسفل:
«نرجو التأكد».
لكن كلمة «عاجل» ركضت أسرع من «نرجو التأكد».
قرأ الناس العنوان.
ونقل بعضهم الخبر.
وبُنيت عليه أحكام.
ثم ظهر أنه كذب.
فتحذف المنشور، وتظن أن الصفحة عادت كما كانت.
لكن هل وصل التصحيح إلى كل من وصل إليهم الخبر؟
هل عاد ظنهم بالإنسان كما كان؟
هل أُغلقت المجالس التي بدأت من منشورك؟
حذف الكذبة لا يعيد دائمًا ما أخذته من طريقها.
لذلك لا يكن سؤالك:
هل الخبر مثير؟
بل:
هل أعلم أنه صحيح؟
ولا تقل:
أنا مجرد ناقل.
فلو لم يكن للناقل أثر، لما بحثت الشائعات عمن ينقلها.
ليست كل حقيقة تُنشر
وقد يكون ما تنشره صحيحًا، ومع ذلك لا يكون نشره عدلًا.
قد تنقل عيبًا حقيقيًا.
أو سرًا ثابتًا.
أو خطأ وقع فعلًا.
لكن صحة المعلومة لا تمنحها حق المرور إلى كل أحد.
ليس كل ما وقع يُعرض.
ولا كل ما عُرف يُنشر.
ولا كل حقيقة تصبح طاعة لمجرد أنها حقيقة.
وهنا يلتقي هذا المعنى مع أدب الستر وعدم التشهير؛ فليس المقصود تعطيل الحق، بل منع النفس من تحويل البيان إلى فضحٍ زائد عن الحاجة.
قد تُطلب الشهادة في موضعها، ويُحتاج إلى التحذير من شخص ثبت ضرره، ويجوز للمظلوم أن يشكو لمن يرفع عنه الظلم. لكن بين إيصال الحق إلى موضعه، وإلقاء الإنسان كله في ساحات الناس، مسافة تعرفها النفس حين تهدأ.
هل تريد دفع الضرر؟
أم تريد أن ترى صورته تسقط في عيون أكبر عدد ممكن؟
قد يبدأ الأمر طلبًا للإنصاف، ثم يُفتح الأرشيف كله. تُنشر محادثات خاصة، وتُكشف أسرار لا علاقة لها بالخصومة، وتُضاف تفاصيل لا يحتاجها الحق، لأن جرح اليوم يريد أن يعاقب العمر كله.
لكن من ظلمك لا يمنحك حقًا مفتوحًا في أن تظلمه.
ومن نشر عنك لا يجعل كل ما تعرفه عنه مباحًا للنشر.
فالكلمة لا تصبح عادلة لمجرد أن قائلها مجروح.
إذا أخطأت فلا تجعل الحذف نهاية التوبة
وإذا أخطأت، فلا تجعل «حذف المنشور» نهاية التوبة.
قد تحتاج إلى أن تصحّح.
وأن تكتب أن الخبر لم يثبت.
وأن تردّ عن إنسان ما قلته فيه.
وأن تعتذر لمن جرحت.
وأن تطلب ممن نقل عنك أن يتوقف.
وأن تمحو الأثر بقدر ما تستطيع، لا أن تمحو الدليل من صفحتك فقط.
فحذف الرسالة يزيلها من الشاشة.
أما التوبة فتسأل:
ماذا أفسدت الكلمة، وماذا أستطيع أن أصلح؟
ومن أكثر ما يعين القلب هنا أن يتذكر باب سوء الظن والغيبة؛ لأن النفس قد لا تحب تسمية الذنب باسمه، فتسمي النقل فضفضة، والتشهير تحذيرًا، وتتبع العورات حرصًا على الناس.
عبادة لا يراها أحد
وفي المقابل، لا تنس أن ما امتنعت عن نشره لله قد يكون عبادة لا يراها أحد.
خبر أثار غضبك، فتوقفت حتى تتثبت.
صورة وصلتك، فماتت عندك.
سر كان يمكن أن يمنحك مجلسًا ممتعًا، فحفظته.
مقطع منكر أغراك غضبك أن تنشره، ثم قلت:
لن أجعل حسابي بابًا له.
لا أحد سيصفق لهذا الصمت.
لن يرى الناس المنشور الذي لم تنشره.
لكن الله يعلم ما وقف عند إصبعك ولم يخرج؛ لأن التقوى سألته قبل الطريق:
إلى أين سيذهب هذا بعدي؟
وهذا قريب من معنى العمل الصالح الذي لا يصلح للنشر؛ فبعض الطاعات لا يليق بها أن تتحول إلى مشهد، وبعض الامتناع الصامت قد يكون أبلغ عند الله من منشورٍ صاخب.
قال الله تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
فلا تنظر إلى الشاشة وحدها.
انظر إلى الصحيفة.
ولا تنظر إلى ما كتبت فوق المنشور فقط.
انظر إلى ما حملته تحته.
ولا تقل:
أنا أنكرته.
حتى تسأل:
هل قلّ المنكر بسببي… أم وجد عندي شاشةً جديدة؟
اقرأ أيضًا
- ما معنى حديث «ومن ستر مسلمًا ستره الله»؟
- الغضب وضبط اللسان: حين يفتي الغضب لك بالكلمة الجارحة
- أدب الستر وعدم التشهير
علامة الذاكرة
قد تستطيع أن تحذف الرسالة من أعين الناس.
وقد لا تستطيع جمع ما مضى منها.
لكن باب التوبة لا يُغلق: توبة صادقة، وإصلاح لما أفسدت، وتثبت قبل النقل، ولسان وإصبع يتعلمان أن يقفا لحظة قبل أن يفتحا الطريق.
فليس كل ما أغضبك يستحق أن تنشره.
وليس كل ما رأيته يجب أن يراه الناس من خلالك.
وربما كان أصدق موقف اتخذته يومًا من باطلٍ رأيته…
أنك لم تمنحه زرّك.