«الجميع يفعل ذلك» ليست حجةً تحوّل الخطأ إلى صواب، لكنها قد تُسكت السؤال عن الدليل. هذه الحلقة الخامسة من سلسلة «ما نستهين به: قانون البناء الصامت».
عن وهم توزيع المسؤولية، ولماذا يبدو الخطأ أخف حين نفعله وسط حشد كبير.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
تأمل هذه المعركة الخفية التي تُحسم في داخلك خلال لحظات: يُعرض عليك فعل تعلم أنه خطأ، أو مكسب يحتاج إلى تحرٍّ، أو مجلس يجري فيه ما لا ترضاه. في اللحظة الأولى، يرتفع في داخلك تنبيه يدعوك إلى التوقف والمراجعة، وتهمّ بالرفض أو الانسحاب.
لكن قبل أن تفعل، تلتفت يمينًا ويسارًا. فتجد زميلك يفعله، وقريبك الذي تحترمه لا يرى فيه بأسًا، وترى على شاشتك مئات الناس، وربما ملايينهم، يتعاملون معه كأنه جزء طبيعي من الحياة. وفيهم المثقف والناجح، وربما من يبدو عليه الصلاح.
عندها تأتي العبارة المريحة: لا بأس… الجميع يفعل ذلك.
وفجأة يخف التردد. ليس لأن دليلًا جديدًا ظهر، ولا لأن حكم الفعل تغير، لكن لأن وجود الآخرين حول الخطأ منحك شعورًا بأنك لست مسؤولًا عنه بالقدر نفسه. كأن الزحام استطاع أن يخفف وزن الفعل، وكأن كثرة السائرين في الطريق تكفي لتثبت سلامته.
قف هنا، وضع مشرط الوعي على هذه الطمأنينة: هل عرفت أن الفعل صحيح؟ أم أنك فقط شعرت بالأمان لأنك لم تعد وحدك؟
هنا تكمن خديعة الكثرة: أن يتحول المشهد المتكرر أمام العين إلى حجة، وأن نستبدل السؤال: ما الحق في هذه المسألة؟ بسؤال آخر: ماذا يفعل معظم الناس؟
وهم توزيع المسؤولية: حين يبدو الذنب أصغر وسط الحشود
لماذا يسهل على الإنسان أن يفعل مع الجماعة ما يصعب عليه أن يفعله وحده؟ لأن الشعور بالمسؤولية الفردية قد يضعف وسط المجموعة. إذا كنت وحدك من يغش، أو يظلم، أو يشارك في غيبة، فالفعل ظاهر أمامك بلا ستار. أما إذا رأيت مجلسًا كاملًا يفعله، فقد تشعر — دون أن تصوغ ذلك بوضوح — بأن المسؤولية توزعت بينهم.
كأن نصيبك منها صار جزءًا صغيرًا لا يكاد يُرى. فتقول: لست الوحيد، وغيري أشد مني، وهذا هو النظام المعتاد هنا، وماذا سيغير امتناعي وحدي؟
لكن المسؤولية الأخلاقية لا تعمل بهذه الطريقة. كثرة المشاركين لا تقسّم فعل الإنسان بينهم، ولا تحمل عنه اختياره. فإذا شارك عشرة أشخاص في ظلم، لا يصبح نصيب كل واحد عُشر ظلم لا قيمة له. بل يُسأل كل واحد عما قال وفعل واستطاع.
وقد تتفاوت المسؤوليات بحسب العلم والقدرة والتأثير والإكراه، لكن عدد الفاعلين وحده لا يحوّل الباطل إلى مباح. أنت لا تحمل أفعال الناس جميعًا، لكنك تحمل فعلك أنت. وهذا هو الجزء الذي يحاول وهم الكثرة أن يخفيه عنك.
استئناس الوحشة: حين يغيّر التكرار الاجتماعي اسم الفعل
بعض الأفعال يحيط بها في البداية شعور واضح بالاستنكار. لكن حين تتكرر أمام الإنسان، ويكثر من يفعلها، ويتحدث الناس عنها بخفة، قد تزول غرابتها. لا تتغير حقيقتها بالضرورة؛ الذي يتغير هو إحساسك بها.
فالغيبة قد تسمى فضفضة، أو تحليلًا للشخصيات، أو نقلًا لما يعرفه الجميع. والغش قد يسمى تدبيرًا للأمور، والرشوة قد تسمى تسهيلًا للمعاملة، والكذب قد يسمى ذكاءً اجتماعيًّا، والتنازل عن الحق قد يسمى مرونة.
ليست المشكلة في كل هذه الألفاظ على إطلاقها؛ فالفضفضة قد تكون مباحة، والمرونة قد تكون حكمة، وبعض المال الذي يشتبه فيه الإنسان قد يتبين بعد السؤال أنه حلال. لكن الخطر أن تُستعمل الكلمات لتغيير الإحساس بالفعل قبل التحقق من حكمه.
وحين يتفق الناس على تسمية مخففة، يشعر الفرد أن اعتراضه صار غريبًا، لا لأن دليله ضعيف، بل لأن اللغة العامة أعادت تزيين الفعل. وهكذا لا تقدم الكثرة للخطأ عددًا من المشاركين فقط، بل قد تمنحه اسمًا ألطف، وصورة أقل قبحًا، وحضورًا متكررًا.
ثم يصبح رفضه هو الذي يحتاج إلى تفسير، بينما لا يحتاج فعله إلى أي تفسير.
المشهد الفاصل: عبور الإشارة الحمراء
تخيل أنك تقف عند طريق سريع، وإشارة المشاة حمراء. السيارات تمر، والعبور خطر. إذا كنت وحدك، ستتردد غالبًا، وستشعر أن النزول إلى الطريق مجازفة ظاهرة.
لكن لو تحرك جمع كبير بجانبك، فقد تجد نفسك تسير معهم قبل أن تعيد تقدير الخطر بنفسك. لم تتوقف السيارات بالضرورة، ولم تتغير الإشارة، لكن حركة الآخرين منحتك إحساسًا بأنهم لا بد يعرفون شيئًا لا تعرفه، أو أن الخطر لا يمكن أن يصيب هذا العدد كله.
وقد يكون الجمع مصيبًا أحيانًا، كأن تكون الإشارة معطلة أو الطريق مغلقًا من الجهة الأخرى. لكن قد يكون الجميع قد اندفعوا لأن كل واحد رأى غيره يتحرك.
وهذه هي الخديعة: قد لا يكون في الحشد شخص واحد تحقق من الطريق. كل واحد استدل بحركة الآخر. فتكوّن يقين جماعي من سلسلة ظنون فردية.
والأمر نفسه يقع في المواقف الأخلاقية. يقول الأول: لو كان خطأ لما فعله هؤلاء. ويقول الثاني: لو كان خطأ لاعترض الأول. ثم يستدل كل واحد بصمت الآخر، مع أن الجميع كانوا في البداية مترددين.
وهكذا يتحول عدم الاعتراض إلى موافقة متوهمة، ثم تتحول الموافقة المتوهمة إلى عرف يصعب كسره.
الخوف من الغربة: ما الذي نشتريه حين نوافق الناس؟
وراء عبارة «الجميع يفعل ذلك» حاجة إنسانية حقيقية: الحاجة إلى الانتماء. الإنسان لا يحب أن يبدو شاذًّا عن محيطه، ولا أن يُتهم بالتعقيد أو التشدد أو ضعف الفهم.
وقد تكون مخالفة المجموعة مكلفة. ربما تخسر قبولًا اجتماعيًّا، أو تتعرض للسخرية، أو يُنظر إليك بوصفك شخصًا يصعب التعامل معه. ولهذا قد لا تكون مشكلتك أنك اقتنعت بالفعل؛ قد تكون فقط لا تريد دفع ثمن رفضه.
فتوافق الناس، لا لأن حجتهم أقوى، بل لأن وحدتك أثقل. وهنا يجب ألا تحتقر هذا الخوف أو تنكر وجوده. فالغربة متعبة، والضغط الاجتماعي حقيقي.
لكن الاعتراف به أكثر صدقًا من تحويله إلى حجة شرعية. لا تقل: هذا صحيح لأن الجميع يفعله. قل بوضوح: أنا أعرف أن عندي اعتراضًا، لكني أخشى مخالفتهم.
حين تسمي الخوف باسمه، تستطيع معالجته. أما إذا حولته إلى دليل، فقد تخسر المبدأ وتبقى مع ذلك خائفًا.
المشهد الفاصل: لجنة الامتحان المزيّفة
تخيل أنك تجلس في قاعة امتحان. قرأت السؤال، وتعرف من الكتاب أن الإجابة الصحيحة هي الخيار الأول. لكن حين تنظر حولك، تجد الطالب الذي عن يمينك يختار الخيار الثاني، والذي عن يسارك يفعل الشيء نفسه، ثم ترى معظم القاعة تكتب الإجابة ذاتها.
يبدأ الشك في التسلل إليك: هل يمكن أن أكون وحدي المخطئ؟ ربما فهم الجميع شيئًا فاتني.
قد يكون هذا السؤال مشروعًا؛ فالإنسان قد يخطئ، ومراجعة النفس عند مخالفة أهل العلم والعقل ليست ضعفًا. لكن الخطأ أن تمحو إجابتك لمجرد العدد، دون أن تراجع القاعدة أو الدليل.
فقد يكون الآخرون قد نقل بعضهم عن بعض، وقد يكون أول من أخطأ طالبًا واحدًا، ثم صار خطؤه إجابة جماعية لأن الجميع وثقوا بالكثرة. إذا ظهرت النتيجة، فلن تتحول الإجابة الخاطئة إلى صحيحة لأن معظم القاعة كتبتها.
لكن العبرة ليست أن تكون دائمًا الطالب المخالف؛ فقد تكون أنت المخطئ والجماعة مصيبة. العبرة أن تعود إلى المرجع، لا إلى عدد الأقلام.
الكثرة ليست دليلًا على الحق… وليست دليلًا على الباطل
هنا نحتاج إلى الميزان الدقيق. لا يصح أن نقول: كلما كثر الناس على أمر، كان ذلك دليلًا على فساده. كما لا يصح أن نقول: كلما شاع أمر، صار صحيحًا.
فالكثرة وصف عددي، لا حكم شرعي مستقل. قد تجتمع الأكثرية على صواب، وقد يثبت الحق بإجماع أهل العلم في مواضعه، وتكون موافقة العلماء المعتبرين والرجوع إليهم من أسباب الهداية، لا من اتباع القطيع. وقد يشيع الخير كما يشيع الشر.
وقد ترى ملايين الناس يصلون، أو يتصدقون، أو يتعاونون على نفع، فلا تقول إن كثرتهم موضع ريبة. إذًا، ليست المشكلة في اتباع الآخرين من حيث الأصل؛ فالتعلم كله قائم على الثقة بأهل الخبرة والرجوع إلى من يعلم.
المشكلة أن تجعل مجرد الشيوع بديلًا عن البرهان، وأن تستدل بفعل من لا تعرف علمه ولا حجته على إسقاط حكم ثابت. السؤال ليس: هل أنا مع الأكثر أم مع الأقل؟ بل: أين الدليل؟ ومن أهل العلم في هذه المسألة؟ وهل حكمي قائم على معرفة أم على ضغط المشهد؟
وقد قال الله تعالى:
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
والآية تحذر من اتباع الظن في مواجهة وحي الله، ولا تعني أن كل أكثرية في كل شأن ضالة.
كما أن قوله تعالى:
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
يقرر أن الحق لا يُعرف بمجرد العدد، لا أن مخالفة الناس غاية تُطلب لذاتها. فلا تجعل الكثرة صنمًا، ولا تجعل القلة صنمًا مقابلًا. اجعل الحق هو المرجع.
متى تكون عبارة «الجميع يفعل ذلك» معلومة نافعة؟
ليست ملاحظة سلوك الناس عديمة القيمة دائمًا. فقد تخبرك الكثرة أن فهمك للمسألة يحتاج إلى مراجعة. إذا رأيت أهل العلم والفضل يفعلون أمرًا كنت تظنه حرامًا، فربما غاب عنك تفصيل أو خلاف معتبر.
وإذا كان إجراء ما متبعًا عند المختصين، فقد يكون له تفسير لا تعرفه. حينها لا تقل فورًا: كلهم على باطل وأنا وحدي صاحب الحق. بل اسأل وتثبت.
إذًا، عبارة «الجميع يفعل ذلك» يمكن أن تكون سببًا للسؤال، لكنها ليست وحدها جوابًا. تدفعك إلى البحث: لماذا يفعلونه؟ هل عندهم دليل؟ هل المسألة مختلف فيها؟ هل ما أراه هو الفعل نفسه الذي حكمت عليه، أم أن هناك تفاصيل لا أعلمها؟
الفرق كبير بين أن تقول: كثرتهم تثبت الإباحة. وبين أن تقول: كثرتهم جعلتني أراجع فهمي وأسأل أهل العلم. الأول تسليم للزحام، والثاني تواضع في طلب الحقيقة.
سقوط المرجعية لا يحدث بكل موافقة للناس
من المبالغة أن يُحكم على كل من برر فعله بالكثرة بأنه عزل الله عن التشريع أو أصيب بخلل في أصل عقيدته. قد يكون الإنسان عارفًا بالحكم، لكنه ضعيف أمام الضغط الاجتماعي. وقد يكون جاهلًا يحتاج إلى تعليم. وقد يظن أن شيوع الفعل دليل على وجود خلاف شرعي. وقد يقلد شخصًا يثق به تقليدًا أخطأ في موضعه.
كل هذه صور تحتاج إلى تصحيح، لكنها ليست درجة واحدة. الخطر الحقيقي يبدأ حين يعرف الإنسان الحكم، ثم يرفضه لا لضعف عارض، بل لأن المجتمع لا يعجبه. أو حين يجعل رضا الناس ميزانه النهائي، فيقبل من الشرع ما وافقهم ويرد ما خالفهم.
أما العاصي الذي يقول: أعرف أن هذا خطأ، لكني ضعفت واتّبعت الناس… فقد أخطأ، لكنه لا يزال يعترف بالمرجع الصحيح، وهذا الاعتراف باب للتوبة.
لذلك لا تبالغ في تشخيص نفسك أو الآخرين. صحح الفعل، واكشف ضغط الجماعة، لكن لا تدّع الاطلاع على ما في القلوب، ولا تنقل كل ضعف سلوكي مباشرة إلى حكم عقدي كبير.
لا تحتقر الناس لتثبت استقلالك
قد يفهم بعضهم هذا الكلام بطريقة معكوسة. فيبدأ بالنظر إلى عامة الناس باحتقار، ويظن أن مخالفتهم دليل على عمقه ونقائه. فيبحث عن الغرابة لذاتها، ويرفض كل شائع لأنه شائع، ويستمتع بصورة الفرد الذي يفهم بينما الجميع مخدوعون.
وهذا هو صنم الكثرة نفسه، لكن بصورة مقلوبة. فقد جعل العدد محور تفكيره في الحالتين: مرة يتبع الناس لأنهم كثر، ومرة يخالفهم لأنهم كثر.
أما صاحب الحق، فلا يحتاج إلى احتقار أحد. قد يكون مع الأكثرية حين يظهر له صوابها، وقد يكون مع القلة حين يقوم الدليل معها، وقد يقف وحده فترة، لكنه لا يتغذى على الشعور بالتفوق، بل يسأل الله الثبات والهداية، ويخشى أن يكون هو المخطئ.
لا تقل: أنا أفضل من هؤلاء لأنني لم أفعل ما فعلوا. قل: الحمد لله الذي عافاني، وأسأله أن يهديني ويهديهم، وألّا يكلني إلى نفسي.
فالاستقلال عن ضغط الجماعة لا يعني الكبر عليها.
المسؤولية فردية… لكن النجاة ليست مشروع عزلة
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
وقال سبحانه:
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾
سيأتي الإنسان بعمله ومسؤوليته، ولن يكون انتشار الفعل حجة تمحو اختياره. لكن تذكّر الفردية لا يعني أن ينعزل الإنسان عن الناس، أو يظن أن طريق الصلاح لا يسلكه إلا وحده.
فالصحبة الصالحة من أعظم أسباب الثبات، والجماعة قد تعين على الحق كما قد تضغط نحو الخطأ. والمؤمن لا يستبدل القطيع السيئ بوحدة منهكة، بل يبحث عن بيئة تُذكّره، وأصدقاء يسندونه، وأهل علم يرجع إليهم.
لا تقل: سأواجه العالم كله وحدي. قل: لن أجعل كثرة المخطئين حجتي، وسألتمس صحبة تعينني على الصواب.
فالإنسان يتأثر بمن حوله، والحكمة ليست في إنكار هذه الطبيعة، بل في اختيار من تريد أن تتأثر بهم.
كيف تكسر مفعول «الجميع يفعل ذلك»؟
حين تسمع العبارة في داخلك، لا تحاول إسكاتها بكلام عام فقط. اسألها أسئلة محددة:
أولًا: من هم «الجميع»؟ هل هم فعلًا الجميع؟ أم مجموعة تظهر لك كثيرًا بسبب بيئتك أو شاشة هاتفك؟ فالمنصات قد تكرر أمامك نوعًا واحدًا من الناس حتى تظنه المجتمع كله.
ثانيًا: هل عددهم دليل؟ ما الحجة التي يحملونها غير العدد؟ وهل لو فعل العدد نفسه نقيض هذا الفعل لتغير الحكم عندك مرة أخرى؟
ثالثًا: هل المسألة ثابتة أم تحتاج إلى سؤال؟ قد تكون أمام حرام واضح، وقد تكون أمام مسألة اجتهادية أو ملتبسة. فلا تُفتِ نفسك بمجرد النفور، ولا بالكثرة.
رابعًا: ما الذي أخاف فقدانه إذا خالفتهم؟ القبول؟ الوظيفة؟ الصداقة؟ الصورة الاجتماعية؟ حين تعرف الثمن، تستطيع البحث عن طريقة حكيمة لدفعه أو تقليله.
خامسًا: ما الموقف الأدنى الذي أستطيعه؟ قد لا تستطيع تغيير المجلس كله، لكن تستطيع ألّا تشارك، أو تغيّر الموضوع، أو تنسحب بهدوء، أو تسأل بعد ذلك.
ليست الشجاعة دائمًا خطابًا مرتفعًا. قد تكون امتناعًا صامتًا واضحًا.
الخلاصة: لا تجعل الزحام يحمل عنك بصيرتك
يا من يهدئ نفسه لأن كثيرين يسيرون في الطريق نفسه… تذكر: قد يكونون مصيبين، فاسأل عن الدليل. وقد يكونون مخطئين، فلا تجعل عددهم يغنيك عن التفكير. وقد تكون المسألة أوسع مما ظننت، فلا تتعجل في اتهامهم.
لكن لا تستعمل وجوههم الكثيرة ستارًا تهرب خلفه من مسؤولية قرارك. لن تُسأل لماذا لم تكن أغرب الناس، ولن تُمدح لمجرد أنك خالفت الأكثرية.
ستُسأل — بحسب علمك وقدرتك — هل طلبت الحق، وهل اتبعته حين ظهر لك، وهل قاومت خوفك من الناس دون ظلم أو كبر؟
إذا عُرض عليك فعل، وسمعت في نفسك: الجميع يفعل ذلك… فتوقف وقل:
الجميع لا يملكون أن يجعلوا الخطأ صوابًا.
لكنني كذلك لا أملك أن أجعل ظني الشخصي دينًا.
سأبحث عن الحق.
وسأرجع إلى الدليل وأهل العلم.
ثم سأتحمل مسؤوليتي، سواء وافقني الناس أم خالفوني.
وقل:
يا رب، أستغفرك من كل باطل زيّنته لي الكثرة فاتبعته، ومن كل حق تركته خوفًا من استغراب الناس.
وأستغفرك من كل مرة جعلت فيها شيوع الفعل دليلًا يغنيني عن السؤال، أو جعلت فيها خوفي من الخلق أقوى من صدقي معك.
اللهم ارزقني بصيرة لا يخدعها الزحام، وتواضعًا لا يجعلني أظن أن مخالفة الناس وحدها دليل هدايتي.
دلني على الحق بدليله، وارزقني الرجوع إلى أهل العلم، ولا تجعلني أسيرًا لمشهد متكرر أو رأي شائع.
وإن ظهر لي الحق، فارزقني شجاعة اتباعه بلا كبر على الناس، ولا قسوة عليهم، ولا طلب للغرابة والشهرة.
واجعل لي صحبة تعينني على طاعتك، وتذكرني إذا نسيت، وتقويني إذا أوحشني الطريق.
ولا تجعلني إمعة أتحرك حيث تحرك الجمع، ولا متعاليًا يرفض الحق لمجرد أن الجمع قال به.
واجعل قلبي لك، وميزاني وحيك، وسبيلي العلم والعدل والرحمة.
هنا تستعيد بوصلتك. لا حين تقرر مخالفة الجميع… بل حين تتوقف عن استخدام العدد بدل الدليل.
وحين يصبح سؤالك الأول، وسط الزحام أو خارجه: ما الحق؟