حين تظن أن الطاعة هي الشيء الوحيد الذي فعلته بنفسك
في الرزق تقول: الله رزقني. وفي المرض تقول: الله شفاني. وفي الشدة تقول: الله فرّج عني. وإذا ضاق باب ثم انفتح، قلت بلا تردد: لولا الله ما انفتح.
ثم تصل إلى طاعتك…
إلى قيامك من فراشك، وصبرك عن الحرام، ومجاهدتك لنفسك، وصدقتك التي أخفيتها، ولسانك الذي أمسكت به عن كلمة، وعبادة طال عليك طريقها ثم واصلت.
وهنا، في موضع خفي جدًا، قد يتغير الضمير قليلًا:
أنا قاومت.
أنا صبرت.
أنا قمت.
أنا تركت.
أنا أكملت.
لا تقولها دائمًا بلسانك، لكن النفس قد تحتفظ بالطاعة كأنها آخر قطعة أرض لم تُرجع ملكيتها كاملة إلى فضل الله.
ربما نزعت عن نفسك ملكية النعم كلها… ثم أبقيت الطاعة آخر قطعة أرض تقول عنها في سرّك:
هذه أنا فعلتها.
رددت إليه المال، والصحة، والرزق، والفرج… ثم وقفت عند عبادتك كأنك تقول:
«يا رب، كل شيء منك… إلا هذه الخطوات، أنا الذي جئت بها إليك.»
وهنا السؤال:
ومن جاء بك أصلًا؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- من الذي جعلك تريد الله؟
- آخر غرفة تختبئ فيها رؤية النفس
- حتى قولك: أريد رضا الله… يحتاج إلى الله
- لماذا تحرص أن تحسن العمل؟
- فاتورة الطاعة الخفية
- إياك نعبد وإياك نستعين
- هل معنى هذا أن تجلس ولا تعمل؟
- لا تجعل الطاعة آخر شيء تنسبه إلى نفسك
- العمل قد يظهر للناس والمحرك يبقى خفيًا
- والسؤال الأخير ليس: ماذا صنعت؟
من الذي جعلك تريد الله؟
قبل أن تسأل: من أعانني على الصلاة؟ اسأل سؤالًا أسبق:
من الذي جعل الصلاة تهمك؟
حولك من يسمع الأذان نفسه، ويرى المصحف نفسه، ويمر عليه رمضان نفسه، ويُذكَّر بالموت نفسه… ثم لا يتحرك قلبه كما تحرك قلبك في لحظة ما.
فمن أين جاءت تلك الرغبة؟ من أين جاء الانقباض بعد الذنب؟ من أين جاء الشوق إلى الرجوع؟ ومن أين خرجت منك يومًا جملة: يا رب، أريد رضاك؟
هل صنعت قلبك بيدك، ثم زرعت فيه إرادة الهداية؟ هل وقفت خارج نفسك يومًا وقلت لها: من اليوم ستشتاقين إلى الله؟
أم أن الله تفضل عليك فهداك، وأيقظك، وفتح لك بابًا ما كنت لتفتحه استقلالًا؟
قال سبحانه:
﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17]
تأمل: يمنّ عليكم.
الهداية ليست إنجازًا تقف به أمام الله.
الهداية نفسها منّة من الله عليك.
أي أن أول خطوة رجوت أن تسير بها إليه…
سبقك فضله إليها.
آخر غرفة تختبئ فيها رؤية النفس
قد يعرف العبد أنه فقير إلى الله في المال والمرض والفرج، لكن يصعب عليه أحيانًا أن يرى فقره إليه في العبادة.
لماذا؟
لأن المال يأتيك من خارجك، فيسهل أن تقول: رزقني الله. أما الطاعة فتظهر عبر حركتك أنت؛ أنت الذي قمت، وفتحت المصحف، وأغلقت باب الحرام، وصبرت، وسكت، وبذلت.
فتخدعك صورة الحركة.
لأن يدك تحركت، ظننت أن القوة منك. ولأن قدمك مشت، نسيت من أقامها. ولأن عقلك فكر، غاب عنك من وهبه القدرة. ولأنك صبرت ساعة، بدأت النفس تجمع الساعات في ملف خفي عنوانه:
ما فعلته أنا.
وهذه من أدق خدع النفس:
«أن ترد النعمة إلى الله… ثم تعتبر استعمالك للنعمة ملكًا خالصًا لك.»
تقول: الله أعطاني العقل، نعم… لكنني أنا اجتهدت به.
الله أعطاني الوقت، نعم… لكنني أنا أحسنت استغلاله.
الله هداني، نعم… لكنني أنا ثبتُّ.
اهدأ قليلًا.
لو كان الثبات شيئًا تملكه استقلالًا، لامتلكت ضمان الاستمرار.
فلماذا تخاف الفتور؟ ولماذا تسأل الله الثبات؟ ولماذا كان من دعاء النبي ﷺ:
«يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»
وقال الله لنبيه ﷺ:
﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74]
ولولا أن ثبتناك.
التثبيت منّة. والنجاة من الميل منّة. والبقاء على الطريق منّة.
فإذا أظهر الله منّته على نبيه ﷺ بالتثبيت، فمن نحن حتى ننظر إلى أعوام من الطاعة ثم نقول في سرائرنا:
لقد عرفت الطريق، وأنا الآن أعرف كيف أثبت؟
أنت لا تملك طاعة الغد لمجرد أنك أطعت اليوم.
ولا تملك خشوع الصلاة القادمة لأنك خشعت في الماضية. ولا تملك سلامة قلبك بعد الثناء لأنك بدأت العمل بقصد صالح. ولا تملك أن تبقى الحقيقة التي تراها اليوم واضحة في قلبك بعد أعوام.
أنت محتاج إلى الله في استمرارك كما كنت محتاجًا إليه في بدايتك.
حتى قولك: أريد رضا الله… يحتاج إلى الله
قد يقول العبد: أنا أريد رضا الله.
وما أعظم هذه الغاية.
لكن الفقر لا يتوقف هنا.
حتى إرادتك لرضا الله تحتاج إلى الله أن يحفظها لك؛ من أن تبدأ لله ثم يدخل عليك نظر الناس، ومن أن تبدأ تريد النفع ثم تلتفت إلى صورتك، ومن أن تعمل طلبًا لما عند الله ثم تسمع الثناء فيجد القلب فيه شيئًا لم يكن يحسب حسابه.
النية ليست حجرًا تضعه أول الطريق ثم تضمن أنه لن يتحرك.
هي موضع فقر دائم.
يا رب، أردت رضاك أمس…
فأعنّي أن أريده اليوم.
يا رب، بدأت لك…
فلا تجعلني أكمل لنفسي.
يا رب، فرحت بخير وقع على يدي…
فلا تجعل فرحي يتحول إلى إعجاب بمن وقع الخير على يديه.
نحن مفتقرون إلى الله حتى في حفظ وجهة القلب إلى الله.
ولهذا لا تشهد لنفسك بالطهارة، ولا تفتح على نفسك باب تفتيش لا ينتهي. لا تقل: قد خلصت نيتي. ولا تقل عند كل خاطر عارض: فسد كل شيء.
بل جاهد، واستغفر، وجدّد، وقل:
«يا رب، أنت أعلم بما في قلبي مني؛ فما دخل عليه مما لا يرضيك فطهّره، وما مال عنك فردّه إليك، ولا تكلني إلى حسن ظني بنفسي ولا إلى خوفي منها.»
لماذا تحرص أن تحسن العمل؟
وهنا سؤال أدق.
قد يصلي الإنسان فيحرص على إتمام صلاته. وقد يتعلم فيدقق. وقد يخدم والديه فيبحث عما يريحهما. وقد يدعو إلى خير فيختار الكلمة الأوضح. وقد يسعى في حاجة إنسان فيبذل حتى تتم على أحسن وجه.
فهل كل حرص على الإتقان حب للثناء؟
لا.
السؤال ليس: هل حرصت؟
السؤال:
«لماذا حرصت؟»
أردت أن يقال: ما أروعك؟
أم رجوت أن تؤدي ما بين يديك على وجه يحبه الله؟
أردت أن تُرى؟
أم خشيت أن تقصر فيما استُعملت فيه؟
ولهذا قد يكون الناس في مشهد العمل كلهم، لكنهم ليسوا بالضرورة غايته.
«ليس الإخلاص أن تُخرج الناس من مشهد عملك… بل أن تخرجهم من موضع العبادة في قلبك.»
اخدمهم.
أحسن إليهم.
افهم حاجتهم.
ابذل لهم.
لكن لا تجعل ثناءهم وقودك، ولا سكوتهم سبب توقفك، ولا اعترافهم بك شهادةً تبحث بها عن قيمة نفسك.
وإذا تعارض بريق العمل مع الحق، فأبق الحق ولو ذهب البريق.
وإذا كان ما يرضي الناس يخالف ما تعلم أنه يرضي الله، فهنا يمتحن المحرك فعلًا.
ليس السؤال دائمًا: ماذا فعلت؟
بل:
لماذا أردت أن تفعله بهذه الصورة؟
فاتورة الطاعة الخفية
هناك عبارات لا يقولها اللسان، لكن تأخر المطلوب قد يكشفها:
بعد كل ما فعلت…
بعد كل ما تركت…
بعد كل ما صبرت…
بعد كل ما دعوت…
وهنا قد يظهر الخلل.
كأن النفس كانت تسجل الطاعات، لا لتشكر الله عليها، بل لتعود بها يوم الحاجة وتقول:
أين المقابل؟
لكن من الذي أعانك على «كل ما فعلت»؟ ومن الذي حفظك فيما تركت؟ ومن الذي أمسك قلبك حين صبرت؟ ومن الذي ألهمك أن ترفع يديك في الدعاء؟
بل من الذي أبقى لسانك قادرًا أن يقول: يا رب؟
أنت لم تأت إلى الله بثروة مستقلة صنعتها بعيدًا عنه.
أنت تأتيه بما أعانك هو على حمله إليه… ثم تسأله أن يتفضل بقبوله.
فأين موضع الاستطالة؟
وأين الفاتورة؟
وأين تلك النبرة الخفية:
بعد كل ما فعلت؟
لعل الأدق أن تقول:
«بعد كل ما تفضلتَ فأعنتني عليه… لا أملك إلا أن أسألك فضلًا آخر: أن تتقبل مني، وألا تكلني إلى نفسي.»
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إعلان الغاية… و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ اعتراف بالفقر
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
أعلنت الغاية:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
يا رب، أنت المقصود.
ثم اعترفت فورًا بأنك لا تبلغ هذه الغاية استقلالًا:
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
العبادة له.
والاستعانة به حتى على عبادته.
حتى إرادة رضاه… تحتاج إلى إعانته.
وحتى القيام بالطاعة… يحتاج إلى إعانته.
وحتى الثبات بعدها… يحتاج إلى إعانته.
وحتى ألا ترى نفسك فيها… تحتاج إلى إعانته.
فالعبد لا يخرج من الفقر حين يدخل المسجد. ولا يصبح غنيًا عن الله عندما يفتح المصحف. ولا تتحول الطاعة إلى منطقة يقول فيها:
شكرًا يا رب… من هنا سأكمل وحدي.
البداية تحتاج إلى الله.
والاستمرار يحتاج إلى الله.
والرجوع بعد الميل يحتاج إلى الله.
وتطهير القصد يحتاج إلى الله.
والقبول فضل من الله.
«نحن لا نفتقر إلى الله فقط في أرزاقنا وشفائنا وفرجنا… نحن نفتقر إليه حتى في الطريق إليه.»
نحتاجه لنريده.
ونحتاجه لنقصده.
ونحتاجه لنعمل له.
ونحتاجه لنثبت.
ونحتاجه لنتوب من شوائب العمل.
ونحتاجه أن يتقبل.
ثم نحتاجه ألا يجعلنا نرى ما تفضل به علينا شهادةً نزكي بها أنفسنا.
هل معنى هذا أن تجلس ولا تعمل؟
لا.
هذه ليست دعوة إلى الكسل باسم التوكل، ولا إلى ترك المجاهدة بحجة أن التوفيق من الله.
أنت مأمور أن تقوم، وتجاهد، وتتعلم، وتصبر، وتغلق أبواب الحرام، وتحاسب نفسك، وتستدرك الخطأ.
لكن الفرق كله في رؤيتك لنفسك وأنت تفعل.
اعمل بأقصى ما تستطيع… ثم لا تعبد استطاعتك.
جاهد نفسك… ثم لا تجعل انتصارًا واحدًا شهادة أبدية على قوتك.
اصبر… ثم لا تجعل صبرك فاتورة ترفعها إلى الله.
اسعَ… لكن اسعَ مفتقرًا.
«يا رب، لا حول لي عن معصيتك إلا بعصمتك، ولا قوة لي على طاعتك إلا بإعانتك.»
المجاهدة لا تناقض الفقر.
بل المجاهدة الصحيحة تزيدك فقرًا.
لأنك كلما عرفت نفسك، عرفت أنك لا تستطيع ضمان نتيجة المجاهدة بقوتك وحدها، فتزداد استعانة بدل أن تزداد إعجابًا.
لا تجعل الطاعة آخر شيء تنسبه إلى نفسك
ربما نزعت عن نفسك أشياء كثيرة.
لم تعد تقول: مالي.
بل: رزق الله.
ولم تعد تقول: نجاحي.
بل: توفيق الله.
ولم تعد تقول: ذكائي.
بل: نعمة الله.
لكن فتش بهدوء عن آخر موضع قد تقول فيه النفس:
وطاعتي؟
هنا توقف.
وردّ الفضل أيضًا.
ليس ردًا يلغي مسؤوليتك؛ فالعبد يفعل حقيقة، ويختار حقيقة، ولذلك يؤمر وينهى.
لكن فعله لم يقع خارج ملك الله، ولا خارج مشيئته، ولا بعيدًا عن عونه وتوفيقه.
قال سبحانه:
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]
أردت.
لكن إرادتك ليست مستقلة عن الله.
مشيت.
لكن القوة والهداية ليست من خلقك.
ولهذا لا تقل:
أنا لم أفعل شيئًا.
ولا تقل:
أنا فعلت بنفسي.
بل قل:
«فعلت، وأنا عبد أعانني الله على الفعل، وأسأله ألا يحرمني القبول بفسادي وتقصيري.»
هذا هو الميزان.
العمل قد يظهر للناس… والمحرك يبقى في موضع لا يراه أحد
قد تقوم بعمل صالح عظيم، أو تنفق مالًا كثيرًا، أو تمضي سنوات في طلب العلم، أو تخدم والديك حتى يثقل جسدك، أو تربي أبناءك على الخير، أو تسعى في إصلاح بين الناس.
وقد تترك بابًا من الحرام لا يعلم أحد كم كلفك إغلاقه، وقد يستمر منك العمل أعوامًا حتى يراه الناس جزءًا ثابتًا من حياتك.
لكن كل هذا لا يعطي أحدًا جوابًا عن السؤال الخفي:
لماذا تحركت؟
لماذا بذلت؟
لماذا صبرت؟
لماذا حرصت أن تحسن؟
لماذا واصلت حين تعبت؟
ولماذا كان يهمك أن تؤدي الأمر على أكمل وجه تستطيع؟
الناس يرون الفعل.
أما المحرك فلا يعلم حقيقته إلا الله.
قد يقول الناس: صالح.
وأنت لا تزال تقول: يا رب، تقبل.
قد يمدحون إحسانك.
وأنت محتاج إلى الله أن يحفظ قلبك من رؤية إحسانك.
قد ينتفع بعملك خلق كثير، لكن كثرة المنتفعين لا تمنحك شهادة على ما قام في قلبك حين بدأت.
وقد لا يظهر لعملك أثر يذكر، لكن خفاء الأثر لا يعني أن ما علمه الله منك قد ضاع.
الناس يرون الثمرة.
أما الجذر، فموضعه أخفى.
ولهذا لا تجعل ظهور الأثر ختم قبول، ولا تجعل ضعفه حكمًا على قيمة سعيك عند الله، ولا تتخذ ثناء الناس مرآة تنظر فيها إلى نفسك.
اسأل عن الغاية التي حرّكتك.
ثم لا تزكِّ جوابك.
بل قل:
«يا رب، أنت أعلم لماذا تحركت، وأعلم بما دخل على قلبي في الطريق مما أعلمه ومما لا أعلمه؛ فطهّر قصدي، وردّني إليك كلما التفت، ولا تكلني إلى نفسي.»
ثم اعمل.
واستغفر.
واسأل القبول.
وامضِ.
اقرأ أيضًا
- خدعة نقطة البداية: هل جئت إلى الطاعة بقدمك أم بجذبة فضل الله؟
- العجب بعد الطاعة: كيف تقبض النفس ثمن العمل الصالح قبل الآخرة؟
- معنى لا حول ولا قوة إلا بالله: كيف تسقط وهم السيطرة؟
والسؤال الأخير ليس: ماذا صنعت؟
ربما يأتي يوم تنظر فيه خلفك فترى كثيرًا: صلوات حافظت عليها، وأبوابًا من الحرام تركتها، وسنوات من المجاهدة، ومالًا أنفقته، وخيرًا سعيت فيه، ومواقف أمسكت فيها لسانك، وأيامًا حملت فيها نفسك على الطاعة وهي تثقل.
وهنا احذر أن تقف طويلًا أمام ما مضى.
لا تجعل طاعات الأمس صورًا معلقة تمشي بينها وتقول:
هذا أنا.
اسأل بدلًا من ذلك:
«يا رب، من الذي أعانني حتى وصلت إلى هنا؟»
فضله سبق.
وتوفيقه أعان.
وستره غطى.
وتثبيته أبقى.
وأنت الآن مفتقر إليه كما كنت في أول خطوة.
فلا تقل:
لقد عرفت الطريق، وأصبحت أعرف كيف أسير.
بل قل:
«يا رب، أعنتني على السير إليك، فلا تكلني إلى نفسي فيما بقي.»
لأن أخطر وهم قد يبقى بعد أن ترد النعم كلها إلى الله…
أن تجعل الطاعة آخر شيء تقول عنه في سرّك:
هذه صنعتها أنا.
والحقيقة أنك مفتقر إلى الله حتى في التقرب إلى الله.
يا رب، لا تكلنا إلى أنفسنا في معصية فنضيع، ولا في طاعة فنرى أنفسنا. ولا تجعل ما أعنتنا عليه حجابًا يحجبنا عن رؤية فضلك.
أردنا رضاك، فأعنّا على صدق إرادته. وسرنا، فثبتنا بفضلك في السير. وعملنا، فلا تجعلنا نقف عند أعمالنا. وإن أحسنّا بفضلك وتوفيقك، فلا تجعل إحساننا شاهدًا نزكي به أنفسنا.
وطهّر المقاصد التي لا يعلم حقيقتها إلا أنت.
ثم تقبل منا فضلًا ورحمة.
فنحن فقراء إليك في أن نطلب رضاك… كما نحن فقراء إليك في أن ترضى عنا.