لا تنتظر دفعة جديدة كلما خفّ الشعور

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قد لا تترك الطريق لأنك لا تؤمن به.

أحيانًا تتركه لأنك اعتدت أن لا تمشي إلا حين يدفعك شعور قوي من الخلف.

لحظة خشوع عالية.

موعظة هزّت قلبك.

دعاء أبكاك.

بلاء كشف لك ضعفك.

كلمة جاءت في وقتها.

ليلة شعرت فيها أنك قريب جدًا من الله.

ثم تمضي الأيام، ويخفّ الشعور.

لا تعود الدموع كما كانت.

لا يأتي الخشوع بنفس القوة.

لا تشعر بالاندفاع نفسه نحو الصلاة، أو القرآن، أو التوبة، أو ترك الذنب، أو إصلاح ما بينك وبين الله.

فتقف النفس عند الباب، لا لأنها تنكر الطريق، بل لأنها تنتظر دفعة جديدة.

كأنها تقول: سأعود حين أشعر.

سأبدأ حين يتحرك قلبي.

سألتزم حين تأتيني موجة إيمانية.

سأترك هذا الذنب حين أكرهُه بقوة كما كرهته أول مرة.

سأدعو حين أجد حرارة الدعاء.

سأقرأ القرآن حين أشعر أنني حاضر.

وهنا يبدأ الخلل الهادئ: أن تجعل الشعور قائدًا للطاعة، لا خادمًا لها.

قال الله تعالى:

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾

الحجر: 99

الثبات على الطاعة بعد خفوت الشعور دون انتظار دفعة جديدة

لم يقل: واعبد ربك ما دام قلبك مشتعلًا.

ولا ما دمت متأثرًا.

ولا ما دامت الدفعة حاضرة.

بل عبادة ممتدة، فيها أيام حرارة، وأيام جفاف، وأيام فهم، وأيام مجاهدة، وأيام تمشي فيها لأنك عبد، لا لأن الشعور يحمل قدمك.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

عبادة الدفعات

هناك خداع يمكن أن نسميه: عبادة الدفعات.

أن لا يتحرك الإنسان إلا بعد صدمة، أو موعظة، أو خوف، أو دمعة، أو انهيار، أو موقف يضعه أمام نفسه.

ثم إذا خفّ الأثر، توقف.

لا توقفًا صريحًا دائمًا، بل بطءًا داخليًا.

كان يقرأ القرآن لأنه يريد أن يسمع خطاب الله، ثم صار ينتظر مقطعًا مؤثرًا يعيده إلى المصحف.

كانت تدعو لأنها فقيرة إلى الله، ثم صارت تنتظر ألمًا جديدًا يفتح لها باب الدعاء.

كان يترك بابًا لا يرضي الله لأنه عرف خطره، ثم لما خفّ شعور الخوف بدأ يقترب منه مرة أخرى: لعل الأمر ليس بهذه الخطورة.

كانت التوبة واضحة في ساعة البكاء، ثم لما هدأت الدمعة ضعفت الحدود.

وهذا من أخطر ما يحدث للقلب: أن يظن أن صدق الطريق لا يبدأ إلا حين يشتعل داخله شيء كبير.

مع أن أكثر السير إلى الله لا يكون في لحظات الاشتعال، بل في الأيام التي لا يراك فيها أحد، ولا يدفعك فيها شعور واضح، ولا يصفق لك قلبك بعد الطاعة.

تقوم إلى الصلاة لأن الصلاة حق.

تفتح المصحف لأن القرآن حياة.

تغض بصرك لأن الله يراك.

تردّ الحق لأن الأمانة دين.

تسكت عن كلمة قاسية لا لأنك هادئ جدًا، بل لأنك لا تريد أن تلقى الله بجرحٍ تركته في قلب أحد.

وتغلق الباب الذي يضعفك لا لأنك صرت تكرهه تمامًا، بل لأنك تعرف نهايته ولو ضعفت كراهيتك له.

السؤال الذي يكشف هذا الخداع:

هل أعبد الله، أم أعبد شعوري وقت العبادة؟

ليس المقصود أن الشعور لا قيمة له.

بل المقصود أن لا نجعله شرطًا للسير. وهذا قريب من معنى الثبات على الطاعة حين يغيب الشعور.

حين يتحول التأثر إلى وقود سريع الاحتراق

التأثر نعمة.

الدمعة نعمة.

اللحظة التي ينكسر فيها القلب نعمة.

الموعظة التي توقظك نعمة.

لكنها ليست بديلًا عن القرار.

بعض الناس يعيش من دفعة إلى دفعة.

يسمع موعظة عن الصلاة، فينتظم أيامًا.

ثم تخف الحرارة، فينتظر موعظة أخرى.

يمر بضيق، فيكثر الدعاء.

ثم إذا انكشف بعضه، خف الدعاء حتى يحتاج إلى ضيق جديد.

يكتب عهدًا مع نفسه بعد سقوط، ثم يترك العهد مع أول يوم عادي لا يحمل خوفًا ولا بكاء.

وكأن القلب صار لا يتحرك إلا عند الطوارئ.

هذه حياة مرهقة.

لأن صاحبها يحتاج كل مرة إلى صدمة توقظه.

يحتاج إلى ألم جديد ليعود إلى الدعاء.

إلى ذنب موجع ليعود إلى التوبة.

إلى فقدٍ مخيف ليعرف قيمة القرب.

إلى ضيقٍ يضغطه حتى يتذكر أن له ربًا.

وهنا ينبغي أن ينتبه القلب: ليس من الحكمة أن تنتظر النار حتى تتذكر الماء.

ولا أن تنتظر الوجع حتى تصدق في الرجوع.

ولا أن تجعل البلاء هو المنبّه الوحيد لقلبك.

قد يوقظك الله بلطف.

بآية.

بفكرة.

بهدوء.

بشعور خفيف.

بمللٍ من الغفلة.

بحياءٍ صغير بعد ذنب.

فلا تحتقر هذه الإشارات لأنك لم تبكِ كما بكيت من قبل.

لماذا نخاف من خفوت الشعور؟

لأننا نظن أن خفوت الشعور يعني كذب البداية.

يقول الإنسان: لو كنت صادقًا لبقيت الحرارة.

لو كانت توبتي حقيقية لما ضعفت.

لو كان قلبي حيًا لبقي الخشوع كما كان.

وهذا ليس لازمًا.

قد تكون صادقًا، ثم يخف شعورك.

وقد تكون تائبًا، ثم تحتاج إلى مجاهدة.

وقد تكون قريبًا من الله، ثم تمر بأيام جفاف.

وقد يكون العمل مقبولًا عند الله وأنت لا تشعر بشيء عظيم بعده.

فالقلب يتقلب.

والإيمان يزيد وينقص.

والعبد لا يملك أن يصنع حرارة الشعور متى شاء.

لكن يملك أن لا يجعل غيابها عذرًا لترك الباب.

المشكلة ليست أن تخف الدفعة.

المشكلة أن تجعل خفوتها إذنًا بالانسحاب.

أن تقول: لم أعد أشعر، إذًا لن أقرأ.

لم أعد أتأثر، إذًا لن أدعو.

لم أعد أجد اللذة، إذًا لن أستمر.

هذا منطق خطير؛ لأنه يجعل الطاعة معلقة بمزاج القلب، لا بحق الرب.

والقلب إذا تُرك للمزاج، ربّى صاحبه على عبادة متقطعة: كلما اشتعل جاء، وكلما خفت اختفى.

ليس كل برود موتًا

لا يعني هذا أن نحتقر الشعور، أو نطلب من الإنسان أن يكون آلة باردة.

ولا يعني أن الخشوع والدموع وحلاوة الطاعة أمور هامشية.

هذه أبواب عظيمة من فضل الله.

لكن لا ينبغي أن نفتح باب الوسواس إذا لم نجدها.

ليس كل يوم بارد دليل بعد.

ولا كل صلاة بلا دمعة دليل فساد.

ولا كل قراءة بلا تأثر ظاهر دليل قسوة.

ولا كل توبة تحتاج أن تبدأ بانهيار كبير.

أحيانًا يكون أعظم صدقك في العبادة أنك بقيت حين لم تشعر.

صليت وأنت مشتت، لكنك لم تترك الصلاة.

قرأت وأنت ثقيل، لكنك لم تغلق المصحف.

دعوت وأنت جاف، لكنك لم تهجر الدعاء.

تركت الذنب وأنت ما زلت تشتهيه، لكنك قدمت رضا الله على رغبتك.

هذا ليس نفاقًا.

هذا جهاد.

والجهاد لا يكون دائمًا مصحوبًا بشعور جميل.

بعض الطاعات تشبه حمل الدواء المرّ.

لا يبهج اللسان، لكنه ينقذ الجسد.

وبعض الأيام لا يعطيك فيها العمل لذة عاجلة، لكنه يحفظ فيك خط الرجوع.

وإذا اختلط عليك الأمر بين الجفاف العابر والإنهاك الطويل، فقد ينفعك معنى الاحتراق الروحي في العبادة حتى لا تخلط بين المجاهدة والجلد.

لا تجعل الدفعة شرطًا للواجب

من تلبيس النفس أنها تطلب شعورًا عاليًا قبل العمل البسيط.

ينتظر أحدهم حضورًا كاملًا قبل أن يصلي بخشوع، فيضيع عليه أصل المجاهدة.

وتنتظر امرأة صفاءً نفسيًا حتى تفتح المصحف، فيبقى المصحف مؤجلًا لأن الصفاء لا يأتي.

وينتظر شاب كراهية تامة للذنب حتى يتركه، مع أن ترك الذنب مطلوب ولو بقيت النفس تنازعه.

وتنتظر فتاة أن تشعر بقوة كاملة حتى تقطع بابًا لا يرضي الله، مع أن القرار الصحيح قد يبدأ وهي تبكي ضعفها لا وهي مطمئنة إلى قوتها.

وينتظر صاحب حق أن يهدأ تمامًا حتى يصلح ما أفسده، فيبقى الإصلاح مؤجلًا باسم الحالة النفسية.

والحقيقة أن كثيرًا من الطريق يبدأ قبل اكتمال الشعور.

تبدأ وأنت ثقيل.

تقوم وأنت غير مشتعل.

تغلق الباب وأنت ما زلت تلتفت إليه.

تستغفر وأنت لم تبلغ تمام الندم الذي تتمنى.

تدعو وأنت لا تجد الكلمات الكبيرة.

تقول: يا رب، لا أملك دفعة جديدة، لكني لا أريد أن أترك الباب.

وهذا بحد ذاته صدق.

كيف تستمر حين يخف الشعور؟

أولًا: فرّق بين الدفعة والعهد.

الدفعة توقظك.

أما العهد فيحملك بعد أن تهدأ الدفعة.

حين تبكي في موعظة، لا تجعل ثمرة البكاء مجرد شعور جميل.

حوّلها إلى عهد صغير واضح.

ركعتان في وقت محدد.

ورد لا تفاوض عليه.

باب في الهاتف يُغلق.

حق يُرد.

اعتذار يُقال.

صحبة تُراجع.

مال تُنقّيه.

كلمة تحفظها إذا اشتعل الغضب.

لا تخرج من لحظة التأثر بلا قرار عملي؛ لأن الشعور إذا لم يتحول إلى عمل، تبخر وترك فيك ذكرى مؤلمة: كنت قريبًا ثم ابتعدت.

ثانيًا: اجعل للطاعة حدًا أدنى لا يسقط بتغيّر المزاج.

ليس كل يوم ستقرأ كثيرًا.

لكن لا تجعل المصحف غائبًا.

ليس كل دعاء سيكون طويلًا.

لكن لا تترك “يا رب” من يومك.

ليس كل صلاة ستأتي بخشوع كامل.

لكن لا تكف عن طلب الحضور قبلها ولو بلحظة.

ليس كل يوم ستشعر بقوة على ترك الذنب.

لكن لا تسلم له الطريق.

الحد الأدنى ليس تديّنًا ناقصًا ترضى به دائمًا، بل حبل نجاة تمسكه حين تخف الدفعة.

ثالثًا: لا تفتش عن الشعور قبل الطاعة، بل اطلبه داخلها.

كثيرون ينتظرون أن يحضر القلب حتى يصلوا.

والأدق: صلِّ، واسأل الله أن يحضر قلبك في الصلاة.

لا تنتظر أن تشتاق للقرآن حتى تقرأ.

اقرأ، واطلب من الله أن يرزقك الشوق.

لا تنتظر أن تصبح التوبة سهلة.

تب، واطلب من الله أن يلين قلبك بعدها.

أحيانًا لا يسبق الشعور العمل.

أحيانًا يولد الشعور من رحم الاستمرار.

رابعًا: لا تقارن كل يوم بأقوى يوم في حياتك.

لا تجعل ليلة بكيت فيها معيارًا تضرب به كل أيامك.

ولا تجعل لحظة خشوع نادرة سببًا لاحتقار عباداتك العادية.

تلك اللحظة فضل.

لكن الطريق ليس كله قممًا.

من أراد أن يعيش على القمم وحدها، ترك المشي في السهول الطويلة.

والسير إلى الله يحتاج قممًا توقظ، وسهولًا تثبت، وأيامًا عادية تصنع الصدق بصمت.

خامسًا: استعن بالله على الثبات لا على الشعور فقط.

قل: يا رب، ارزقني الحضور.

لكن قل أيضًا: يا رب، ثبتني إذا غاب الحضور.

قل: يا رب، ارزقني لذة الطاعة.

لكن قل معها: يا رب، لا تجعلني أترك الطاعة إذا غابت لذتها.

قل: يا رب، أيقظ قلبي.

لكن قل أيضًا: يا رب، علمني أن أمشي إليك ولو كان قلبي يتعلم الحياة ببطء.

حين يكون الاستمرار أصدق من الاندفاع

الاندفاع قد يكون صادقًا، لكنه لا يكفي وحده.

كم من إنسان اشتعل يومًا ثم انطفأ سريعًا.

وكم من عبد لم يكن كثير الضجيج، لكنه بقي.

يصلي.

يستغفر.

يقوم من ذنبه.

يعود بعد فتوره.

لا ينتظر صدمة جديدة كل مرة.

لا يجعل ضعف الشعور تصريحًا بالغياب.

هذا الثبات الهادئ قد يكون عند الله أعظم مما نظن.

لأنه لا يعتمد على نشوة عابرة، بل على معرفة مستقرة: أن الله يُعبد في الحضور والغياب، وفي الحرارة والبرود، وفي البكاء والجفاف، وفي الأيام التي تشعر فيها أنك قريب، والأيام التي لا تشعر فيها إلا أنك محتاج.

بل قد يكون يومك البارد الذي لم تترك فيه الباب شاهدًا لك.

لأنك لم تأتِ مدفوعًا بلذة ظاهرة.

جئت لأنك تعرف أن لك ربًا.

وهذه منزلة لا ينبغي احتقارها.


اقرأ أيضًا

علامة الذاكرة

لا تجعل قلبك عابرَ مواسم؛ إن خفّت الريح، فامشِ على قدمي العهد.

هذه هي الجملة التي ينبغي أن تبقى.

الدفعة نعمة، لكنها ليست الطريق كله.

والشعور رحمة، لكنه ليس قائد العبادة.

والدمعة الصادقة باب، لكنها لا تغني عن خطوة الغد.

لا تنتظر دفعة جديدة كلما خف الشعور.

ابدأ بما معك.

بخشوع قليل.

بدعاء قصير.

بورد يسير.

بترك ذنبٍ تعرف خطره.

بإغلاق باب صغير.

بسجدة ثقيلة لكنها صادقة.

بكلمة: يا رب، قلبي بارد، لكني لا أريد أن أتركك.

فالقلب لا يحيا دائمًا بالصواعق.

أحيانًا يحيا بقطرة بعد قطرة.

وبخطوة بعد خطوة.

وبطاعة صغيرة تُعاد حتى تفتح في الداخل بابًا لم يكن مفتوحًا.

اللهم لا تجعلنا عباد مواسم لا نعرفك إلا عند الوجع، ولا نطلبك إلا عند الاشتعال، ولا نعود إليك إلا إذا دفعتنا الصدمات.

اللهم ارزقنا ثباتًا إذا خف الشعور، وصدقًا إذا بردت الدفعة، وعبادة لا تنتظر اللذة حتى تبدأ، وقلبًا يعرف طريقك في أيام الحرارة والجفاف.

اللهم إن فترت قلوبنا فلا تتركها، وإن خفّت دموعنا فلا تحرمنا الرجوع، وإن ضعفت دفعاتنا فاحملنا بعهد العبودية حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.

تعليقات

عدد التعليقات : 0