حين يربح الإنسان الطريق ويخسر وجهته

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قد يكون الإنسان ماشيًا بسرعة، وكل من حوله يظن أنه يتقدم.

أبواب تُفتح.

أسباب تترتب.

مال يتحرك.

اسم يكبر.

علاقات تتسع.

مشروع ينجح.

بيت يستقر.

شهادة تقترب.

خطة تنضج.

والناس يقولون له: أنت على الطريق.

لكن السؤال الذي قد لا يسأله أحد، ولا يحب القلب أن يسأله لنفسه:

إلى أين؟

فالخطر ليس دائمًا أن يتعطل الطريق.

أحيانًا يكون الخطر أن ينجح الطريق جدًا، حتى ينسى صاحبه الوجهة التي كان ينبغي أن يمشي إليها.

يمضي، ويكسب، ويُنجز، ويُحسن إدارة الأسباب، ويعرف كيف يتعامل مع الناس، ويخطط بدقة، ويصبر على التعب، ويحتمل الضغط، لكنه في منتصف كل هذا لا ينتبه أن قلبه صار أبعد عن الآخرة، وأقل حضورًا مع الله، وأشد تعلقًا بما يفنى، وأكثر خوفًا من خسارة الطريق من خوفه من خسارة المصير.

قال الله تعالى:

﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

آل عمران: 185

حين يربح الإنسان الطريق ويخسر وجهته إلى الله والآخرة

هذا هو تعريف الفوز عند الله.

ليس أن يصفق لك الطريق.

ولا أن تتسع لك الدنيا.

ولا أن يقال: وصل.

بل أن تزحزح عن النار وتدخل الجنة.

كل فوزٍ لا يقربك من هذا الفوز يحتاج مراجعة.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين تصبح الوسيلة وطنًا

هناك خداع يمكن أن نسميه: انحراف الوجهة داخل النجاح.

لا يبدأ غالبًا بترك الدين، ولا بإعلان القطيعة مع الآخرة.

بل يبدأ حين تتحول الوسيلة إلى وطن.

كان العمل وسيلة للرزق الحلال، فصار المكان الذي يستمد الإنسان منه قيمته كلها.

كانت الدراسة بابًا للنفع، فصارت مقياس الكرامة والخوف والطمأنينة.

كان المشروع سببًا، فصار قبلة القلب.

كانت الأسرة أمانة، فصار الانشغال بمستقبلها يبتلع تربية القلوب على الله.

كان المال نعمة، فصار لغة الأمان الوحيدة.

كان التأثير في الناس بابًا للنفع، فصار صاحب الأثر يخاف على صورته أكثر مما يخاف على نيته.

هنا لا يخسر الإنسان الطريق من جهة الظاهر.

بل قد يربحه.

قد يصير أذكى.

أكثر خبرة.

أوسع علاقات.

أقوى حضورًا.

أكثر انضباطًا في مواعيده وخططه.

لكنه يخسر شيئًا لا يظهر في السيرة الذاتية: يخسر اتجاه القلب.

والسؤال الذي يفضح هذا الخداع:

هل أنا أتحرك إلى الله، أم أتحرك فقط داخل دنيا أكثر تنظيمًا؟

قد يكون يومك ممتلئًا بالإنجاز، لكنه فارغ من الرجوع.

وقد تكون خطتك محكمة، لكن قبلتك الداخلية مضطربة.

وقد تكسب احترام الناس، وتخسر صدق الخلوة.

وقد تصل إلى ما كنت تريده، ثم تكتشف أنك وصلت وحدك؛ بلا قلبٍ حاضر، ولا سجودٍ حي، ولا نيةٍ آمنة من التآكل.

ومن هنا يحتاج القلب أن يتذكر أن النجاح لا يغني عن بروتوكول السعي للآخرة، فالعبرة ليست بكثرة الحركة، بل بصدق الوجهة التي تتحرك إليها.

الطريق الذي يأكل صاحبه

من علامات خسارة الوجهة أن يصير الإنسان مستعدًا للتنازل عن أشياء صغيرة في البداية حتى لا يتعطل الطريق.

كلمة لا ينبغي أن تقال، لكنها قيلت لتسهيل علاقة.

مبلغ فيه شبهة، لكنه مرّ لأن المشروع محتاج.

تقصير في حق البيت، لكنه مبرر باسم المستقبل.

قلب يُكسر، لكن لا وقت للاعتذار.

صلاة تؤخرها النفس حتى تنهي ملفًا عاجلًا، ثم تكتشف أن الملفات كلها عاجلة.

كذبة صغيرة في إعلان أو معاملة أو وعد، ثم تقول النفس: السوق لا يرحم.

طالبة تنقل واجبًا وتنسبه لنفسها لأن الدرجة مهمة.

وموظف يرضى بتوقيع غير دقيق لأن إيقاف المعاملة سيكلفه مشكلة.

وصاحبة مشروع تخفي عيبًا في المنتج؛ لا لأنها لا تعرف الأمانة، بل لأنها تخاف أن تخسر ثقة السوق.

وداعية أو كاتب ينزل قليلًا عن صدق المعنى حتى لا ينقص التفاعل.

كل مرة تبدو صغيرة.

لكن الوجهة لا تضيع غالبًا بانحراف كبير واحد.

تضيع بانحرافات صغيرة يبررها الطريق الناجح.

كمن يمسك بوصلة، ثم يغير اتجاهها درجة واحدة كل يوم، وبعد زمن طويل يتعجب لماذا وصل إلى مكان لا يشبه مقصده الأول.

حين يقيس الإنسان نفسه بالمسافة لا بالاتجاه

قد يفرح الإنسان لأنه قطع مسافة طويلة.

أنجز كثيرًا.

تعب كثيرًا.

صبر كثيرًا.

تجاوز عقبات كثيرة.

وهذا كله قد يكون محل شكر إذا كان في طريق صحيح.

لكن قطع المسافة لا يكفي إذا كان الاتجاه منحرفًا.

فما قيمة أن تمشي طويلًا في طريق لا يقودك إلى الله؟

ما قيمة أن تكسب قضية وتخسر عدلك؟

أن تكبر تجارتك ويصغر ورعك؟

أن يزيد أثرك ويقل إخلاصك؟

أن ينجح بيتك من الخارج، وأنت لا تربي أهله على الصلاة والصدق والرحمة؟

أن تصبح معروفًا بالحكمة، وأقرب الناس إليك يخافون من قسوتك؟

أن تكتب عن الآخرة، وقلبك يرتب الدنيا كأنها دار البقاء؟

هنا لا يعود السؤال: كم مشيت؟

بل: في أي اتجاه مشيت؟

ليس كل تقدمٍ نجاة.

بعض التقدم ابتعادٌ محترف.

وبعض المكاسب خسائر مؤجلة.

وبعض الأبواب المفتوحة تكشف أن القلب لم يعد يسأل: هل هذا الباب يرضي الله، أم فقط يخدم خطتي؟

ليس المطلوب أن تفشل في الدنيا

لا يعني هذا أن النجاح عيب.

ولا أن التخطيط نقص في التوكل.

ولا أن السعي للرزق يناقض الآخرة.

ولا أن طلب المكانة النافعة مذموم بإطلاق.

ولا أن المؤمن ينبغي أن يكون ضعيفًا في عمله، مرتبكًا في أسبابه، عاجزًا عن إدارة دنياه.

قد يكون إتقان الطريق عبادة.

وقد يكون النجاح باب نفع.

وقد تكون القوة في العمل والعلم والمال والخدمة من تمام الأمانة إذا سُخّرت لله.

لكن المشكلة أن تنجح الوسيلة وتُنسى الغاية.

أن تتسع الدنيا في يدك، ثم تضيق الآخرة في قلبك.

أن تزيد خبرتك بالأسباب، وتنقص استعانتك بمسبب الأسباب. وهذا من مواضع الخطر في التعلق بالأبواب والأسباب حين تتحول الوسيلة إلى مصدر الطمأنينة والخوف.

أن تملك خريطة مفصلة لمشروعك، ولا تملك جوابًا صادقًا عن مصيرك.

أن تعرف ماذا تريد بعد سنة، ولا تعرف ماذا تريد أن تلقى الله به.

فهناك فرق بين عبدٍ يمشي في الدنيا وهو يحمل الآخرة في صدره، وبين عبدٍ يذكر الآخرة فقط حين يتعطل طريق الدنيا.

الأول يجعل الدنيا جسرًا.

والثاني يجعل الآخرة أداة تهدئة عند الأزمات.

كيف تعرف أنك بدأت تخسر الوجهة؟

من العلامات أن تتضايق من كل ما يذكرك بالآخرة إذا عطّل اندفاعك.

موعظة عن الموت تبدو لك ثقيلة.

حديث عن الحلال والحرام يربك مشروعك.

نصيحة عن النية تشعرك أنها تدخل في منطقة لا تريد فتحها.

تنبيه على حق الناس يضايقك لأنه سيؤخر الخطة.

ومن العلامات أن تصبح الصلاة استراحة قصيرة من الطريق، لا مركزًا يعيد ترتيب الطريق.

تدخلها بعقلك المشغول، وتخرج منها إلى نفس القلق، كأنها لم تُقِم في داخلك سؤالًا واحدًا: لمن أركض؟

ومن العلامات أنك صرت تخاف من تعطل مشروعك أكثر مما تخاف من فساد قلبك.

إذا خسرت مالًا اضطربت أيامًا.

وإذا خسرت خشوعك قلت: فترة وتعدي.

إذا تأخر ردٌّ دنيوي، ظللت تراجع الهاتف.

وإذا تأخر رجوعك إلى الله، قلت: بعد أن تهدأ الأمور.

ومن العلامات أنك تبرر القسوة باسم الضغط.

وتبرر الشبهة باسم الضرورة.

وتبرر إهمال الأهل باسم التعب من أجلهم.

وتبرر الغفلة باسم المسؤوليات.

حتى تصير حياتك كلها أعذارًا محترمة، لكنها لا تقودك إلى الله.

صحح الوجهة قبل أن تحتفل بالوصول

لا تنتظر أن ينهار الطريق حتى تراجع قبلتك.

بعض الرحمة أن ينتبه الإنسان وهو ما زال قادرًا على التصحيح.

اسأل نفسك قبل كل مشروع كبير:

هل هذا يقربني من الله أم يسرقني منه؟

هل سيجعلني أعدل أكثر أم أبرر أكثر؟

هل سيزيدني شكرًا أم قلقًا؟

هل سأحفظ فيه الصلاة والحق والرحمة؟

هل سأدخل فيه بالحلال وأخرج منه بسلامة القلب؟

ثم اسأل أثناء الطريق، لا في نهايته فقط.

فالنية قد تصح في البداية وتفسد في المنتصف.

قد تبدأ لله، ثم تدخل الصورة.

قد تبدأ لخدمة الناس، ثم تدخل السيطرة.

قد تبدأ للرزق الحلال، ثم يدخل التنافس الأعمى.

قد تبدأ لتكفي أهلك، ثم تجعل أهلك آخر من يأمن قربك.

لذلك لا يكفي أن تقول: بدأت بنية طيبة.

اسأل: هل بقيت النية على قيد الحياة؟

كيف تربح الطريق ولا تخسر الوجهة؟

أولًا: اجعل للآخرة سؤالًا يوميًا لا موسميًا.

لا تسأل فقط: ماذا أنجزت اليوم؟

اسأل: ماذا بقي لي عند الله من هذا اليوم؟

صلاة أديتها بحضور ولو ناقص.

حق حفظته.

كلمة حبستها.

نية راجعتها.

مالًا نقيته.

ذنبًا قطعت سببه.

عبدًا لم تظلمه وأنت قادر.

ثانيًا: اربط كل طريق بعبودية واضحة.

إن عملت، فليكن الصدق والأمانة جزءًا من العمل، لا زينة خارجه.

إن درست، فلا تجعل الدرجة تبرر الغش.

إن ربّيت، فلا تجعل الخوف على المستقبل يطغى على تعليم القلب معنى الله.

إن كتبت أو دعوت، فلا تجعل الوصول إلى الناس أكبر من الصدق مع الله.

إن بنيت مشروعًا، فلا تجعل الحلال تفصيلًا يُراجع بعد الأرباح.

ثالثًا: اجعل في يومك عملًا لا يخدم صورتك.

شيئًا بينك وبين الله.

صدقة سر.

دعاء لا يعرفه أحد.

استغفار صادق.

خدمة لا تُنسب إليك.

ترك ذنب لا يراك الناس حين تتركه.

هذا العمل الخفي يعيد الوجهة؛ لأنه يذكرك أن الطريق الحقيقي ليس ما شاهده الناس، بل ما صدق عند الله.

رابعًا: لا تجعل النجاح يغنيك عن الاستغفار.

استغفر وأنت تربح، لا فقط وأنت تسقط.

استغفر من نية تسللت.

من قسوة دخلت.

من حق تأخر.

من تعلق كبر.

من صلاة بردت.

من آخرة صارت بعيدة في قلبك رغم كثرة الكلام عنها.

خامسًا: راجع البوصلة عند كل توسع.

كلما كبر الطريق، كبرت حاجتك للسؤال.

كلما زاد المال، زادت الحاجة للورع.

كلما زاد الأثر، زادت الحاجة للإخلاص.

كلما زادت المسؤولية، زادت الحاجة للرحمة.

كلما زادت السرعة، زادت الحاجة للبوصلة.

فالسرعة بلا وجهة لا تختصر الطريق، بل تزيد المسافة عن المقصد.


اقرأ أيضًا

علامة الذاكرة

لا تفرح بطريقٍ يفتح لك الأبواب كلها، إن كان يغلق في داخلك باب الرجوع إلى الله.

هذه هي المسألة.

أن لا تخدعك الحركة.

ولا تخدعك النتائج.

ولا يخدعك ثناء الناس على تقدمك.

ولا يخدعك أن الطريق يبدو مرتبًا وناجحًا ومثمرًا.

فقد يربح الإنسان طريقًا كاملًا، ويخسر وجهته في صمت.

وقد يصل إلى المكان الذي أراده، ثم يكتشف أنه لم يعد هو العبد الذي كان ينبغي أن يصل.

امشِ في الدنيا.

لكن لا تمشِ بلا قبلة.

اربح الطريق إن استطعت، لكن لا تخسر المصير.

خذ بالأسباب، لكن لا تجعلها تسحبك من صاحب الأسباب.

ابنِ ما تستطيع، لكن لا تهدم ما ستلقى الله به.

وسع رزقك، لكن لا تضيق آخرتك.

انجح، لكن لا تجعل نجاحك شاهدًا عليك.

وقل لقلبك كلما اشتد الركض:

إلى أين؟

اللهم لا تجعلنا نربح الطرق ونخسر وجهتنا، ولا نصل إلى ما تمنيناه وقد ابتعدنا عما خلقتنا له.

اللهم اجعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، واجعل أعمالنا جسورًا إليك لا متاهاتٍ عنك، وردّ بوصلة قلوبنا إليك كلما خدعتنا السرعة، أو أغرتنا النتائج، أو أنسانا الطريقُ المصير.

تعليقات

عدد التعليقات : 0