لا تنخدع كثيرًا بالمرحلة التي صرت فيها أهدأ.
أقل اندفاعًا.
أكثر قدرة على تسمية مشاعرك.
أحسن اختيارًا لكلماتك.
أوسع فهمًا للناس.
أبعد عن بعض المعارك التي كانت تستفزك.
أقل تعلّقًا بصورةٍ كنت تُرهق نفسك لأجلها.
قد يكون هذا كله من فضل الله عليك، وقد يكون ثمرة تجارب مؤلمة، ومراجعات صادقة، وسقوطٍ علّمك، وابتلاءٍ هذّب شيئًا من داخلك.
لكن الخطر يبدأ في لحظة لا يلاحظها القلب بسهولة:
حين لا يكتفي بأن ينضج، بل يبدأ في مراقبة نضجه بإعجاب.
حين يقول في داخله: أنا لم أعد كغيري.
أنا تجاوزت هذه المرحلة.
أنا أفهم الناس أكثر مما يفهمون أنفسهم.
أنا صرت أرى الخداع من بعيد.
أنا لا أُستفز بسهولة.
أنا أعمق من هؤلاء الذين ما زالوا يتعثرون في البدايات.
وهنا يولد مرض خفي يمكن أن نسميه: غرور النضج.
وهو من أخفى صور العُجب؛ لأنه لا يأتيك في صورة طيشٍ ظاهر، بل في صورة اتزانٍ يعجب بنفسه.
قال الله تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾
النجم: 32
هذه الآية لا تمنع العبد أن يعرف نعمة الله عليه، ولا أن يشكر ما فتح الله له من رشدٍ وبصيرة، لكنها تمنعه أن يحوّل ما أُعطي إلى شهادةٍ يعلّقها على صدره.
فالله أعلم بما في القلب من تقوى، وأعلم بما بقي فيه من خفاء، وأعلم بما كان سيظهر لو تغيّرت الظروف، أو اشتد الضغط، أو جاءت فتنة من الباب الذي نظن أننا تجاوزناه.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين يصبح النضج صورة جديدة للنفس
في البدايات، كان الإنسان يُعجب بقوته، أو بجماله، أو بذكائه، أو بماله، أو بحضوره بين الناس.
ثم إذا قطع شوطًا في التزكية، قد يتغير شكل الإعجاب ولا يموت أصله.
لا يعود يقول: أنا أفضل لأنني أملك أكثر.
بل يقول: أنا أفضل لأنني أفهم أكثر.
لا يقول: أنا أقوى من الناس.
بل يقول: أنا أهدأ منهم.
لا يقول: أنا لا أخطئ.
بل يقول: أخطائي أرقى من أخطائهم، ووعيِي بها أعمق من وعيهم.
وهنا يتحول النضج من علاجٍ للنفس إلى مرآةٍ جديدة تقف أمامها النفس لتتأمل صورتها.
تراه في شخصٍ كان سريع الغضب، فلما صار أهدأ، بدأ يحتقر من لا يزال يغضب.
وتراه في إنسان تعلّم الصمت بعد سنوات من التشتت، فصار يضع نفسه فوق من لا يزالون يشرحون آلامهم بصوت مرتفع.
وتراه في كاتبة أو داعية أو ناصحٍ عرف بعض مداخل النفس، فصار كلما رأى ضعفًا قال في داخله: أعرف هذا، لقد تجاوزته.
وتراه في زوجٍ صار أقدر على ضبط نفسه، لكنه بدأ يستخدم هدوءه لإشعار الطرف الآخر أنه الأقل نضجًا دائمًا.
وتراه في زوجة تعلمت الصبر والحكمة، لكنها صارت تنظر إلى انفعال غيرها كدليل نقصٍ لا كمرحلة تحتاج رفقًا.
وتراه في طالبٍ أو موظفةٍ أو صاحب مشروعٍ تعلّموا من تجاربهم، ثم صاروا يستثقلون من لا يزال يتعلم بالخطأ.
وهنا يظهر السؤال الأقسى:
هل نضجت حقًا، أم صرتَ تُعجب بالنسخة الهادئة من نفسك؟
هذا السؤال لا يهدم التقدم، لكنه يختبره.
لأن النضج الذي يجعل صاحبه أكثر رحمةً بالناس غير النضج الذي يجعله أكثر تعاليًا عليهم.
الثمرة الناضجة لا تصعد إلى أعلى الشجرة
النفس تحب أن تجعل النضج ارتفاعًا.
كأن الإنسان كلما فهم أكثر، صار فوق الناس أكثر.
لكن في المعنى الإيماني، النضج الحقيقي لا يرفع الرأس غرورًا، بل يخفضه افتقارًا.
الثمرة إذا امتلأت نضجًا مالت إلى الأسفل.
ليست لأنها أقل قيمة، بل لأنها أثقل بحقيقتها.
وكذلك القلب إذا نضج: صار أثقل بمعرفة ضعفه، لا أخفّ بادعاء اكتماله.
يعرف أنه لو لا ستر الله لانكشف.
ولو لا حفظ الله لمال.
ولو لا توفيق الله لرجع إلى أبوابٍ يظن أنه تركها.
ولو تبدلت الظروف، وجاءت الفتنة من موضعٍ مختلف، لاحتاج إلى رحمة الله من جديد.
الناضج لا يقول: أنا صرت آمنًا.
بل يقول: عرفت شيئًا من الطريق، وما زلت محتاجًا أن يحفظني الله فيه.
لا يقول: هؤلاء في مرحلة تجاوزتها.
بل يقول: كنت هناك يومًا، وربما أعود إن تُركت لنفسي.
لا يقول: فهمت الناس.
بل يقول: فهمت بعض نفسي، وما خفي عني أكثر.
فآخر ما ينضج في القلب أن يتواضع لنقصه بعد كل وعيه.
حين يستعمل الإنسان نضجه لإدانة الناس
من علامات غرور النضج أنك تتحول من إنسانٍ تعلّم إلى قاضٍ داخلي على من لم يتعلموا بعد.
ترى شابًا ينهار بعد خذلان، فتقول في نفسك: ما زال متعلقًا.
وترى فتاة تبكي من بابٍ كان ينبغي أن تغلقه، فتقول: ما زالت لا تفهم.
وترى شخصًا يكرر الخطأ، فتنسى أنك ربما كنت تحتاج سنوات حتى تخرج من خطأٍ واحد.
وترى من يكتب ألمًا خامًا غير مصقول، فتحتقر لغته، بدل أن ترى وجعه.
وترى من يفرح بمدح الناس، فتقول: ما زال في طلب الصورة، وكأن قلبك أنت لا يفرح بصورةٍ أخرى أدقّ وأخفى.
بل قد يبلغ الأمر أن تجعل من وعيك سلاحًا.
تقول للطرف الآخر: أنت تتصرف من جرح.
أنتِ لا ترين الحقيقة.
أنت ما زلت في مرحلة الإسقاط.
أنت لم تنضج بعد.
وقد تكون بعض هذه العبارات صحيحة في أصلها، لكنها إذا خرجت من موضع العلو لا الرحمة، صارت إيذاءً بلسانٍ مثقف.
ليست كل تسميةٍ دقيقة دليل بصيرة.
أحيانًا تكون التسمية الدقيقة قسوةً مهذبة، إذا قيلت لتثبيت الآخر في الأسفل لا لأخذ يده إلى الأعلى.
ليس المطلوب إنكار ما رزقك الله
لا يعني هذا أن تتظاهر بأنك لم تتغير.
ولا أن تنكر أثر التجربة.
ولا أن تساوي بين مرحلة ومرحلة.
ولا أن تقول عن كل رشدٍ رزقك الله إياه: لا شيء.
هذا ليس تواضعًا دائمًا؛ قد يكون جحودًا للنعمة أو ارتباكًا في فهم التواضع.
من حقك أن تقول: علّمني الله.
فتح الله عليّ في باب.
كنت مندفعًا فهدأني.
كنت متعلقًا فخفف عني.
كنت قاسيًا فلينني.
كنت أظن شيئًا ثم أبصرني الله بغيره.
لكن الفرق بين الشكر والعُجب دقيق.
الشكر يقول: هذا من فضل ربي، وأسأل الله أن لا يسلُبه مني.
أما العُجب فيقول بلسانٍ خفي: هذا أنا الآن.
الشكر يجعلك أرحم بمن تأخر؛ لأنك تعرف أن الله هو الذي أخذ بيدك.
أما العُجب فيجعلك تضيق بمن تأخر؛ لأنك تنسى أنك لم تصل بقوتك.
الشكر يفتح باب الدعاء.
والعُجب يغلقه؛ لأنه يظن أنه لم يعد محتاجًا كما كان.
اختبار النضج الحقيقي
ليس الاختبار أن تتكلم عن النضج بكلمات جميلة.
الاختبار أن ترى إنسانًا يقع في خطأٍ كنت تقع فيه، فلا تحتقره.
أن ترى من لا يزال يبالغ في ألمه، فتذكر أيامًا كنت لا تعرف فيها كيف تسمي ألمك.
أن تسمع نصيحةً من شخصٍ أقل خبرة منك، فلا ترفضها فقط لأنك ترى نفسك أعمق منه.
أن تُخطئ بعد سنوات من الوعي، فلا تنهار صورتك عن نفسك؛ لأنك لم تكن معصومًا أصلًا.
أن تُنتقد، فلا تجعل نضجك درعًا يمنعك من الاعتراف.
أن تقول: ربما كنت مخطئًا.
أن تقول: لا أعرف.
أن تقول: أحتاج أن أراجع نفسي.
أن تقول: ما زال فيّ من الجهل والهوى ما يحتاج إلى تهذيب.
هذه الجمل قد تكون أدق علامات النضج؛ لأنها تكسر التمثال الداخلي الذي تحب النفس أن تبنيه لنفسها بعد كل مرحلة وعي.
فالإنسان قد يتجاوز غرور الجهل، ثم يُبتلى بغرور الفهم.
وقد يترك العجب بالطاعة الظاهرة، ثم يُبتلى بالعجب بنقاء تحليله لنفسه.
وقد يترك التعلق بثناء الناس على عمله، ثم يتعلق بثنائهم على عمقه ونضجه وهدوئه.
والنفس لا تموت بسهولة.
إنما تغيّر ملابسها.
كيف يحرس القلب نضجه من العُجب؟
أولًا: انسب كل رشدٍ إلى الله.
لا تقل في داخلك: أنا وصلت.
قل: الله سترني، وعلمني، ولطف بي، ولو وكلني إلى نفسي لرجعت.
هذه ليست عبارة للتزيين، بل حقيقة ينبغي أن تعيش في القلب.
ثانيًا: اجعل كل فهمٍ سببًا لمزيد من الرحمة، لا لمزيد من الحكم.
إذا فهمت لماذا يضعف الناس، فارحم ضعفهم.
إذا عرفت مداخل النفس، فلا تستخدم معرفتك لتعرية الناس بلا حاجة.
إذا أبصرت مرضًا في غيرك، فتذكر أنك تحمل أمراضًا أخرى قد لا تراها.
ثالثًا: ابقَ قابلًا للتعلم.
من زوجٍ أو زوجة.
من ولدٍ صغير.
من خطأٍ عابر.
من نقدٍ مزعج.
من إنسانٍ لا يملك لغتك ولا أدواتك.
فالحكمة قد تصل إليك من فمٍ لا تتوقعه، والحق لا يفقد حقه لأن ناقله ليس على صورتك.
رابعًا: لا تجعل الهدوء وحده دليل صحة.
قد يكون الهدوء نضجًا.
وقد يكون برودًا.
وقد يكون خوفًا من المواجهة.
وقد يكون رغبة في الظهور بمظهر المتزن.
وقد يكون قسوةً صامتة.
لذلك فتّش: هل هدوئي رحمة، أم تعالٍ بارد؟ هل صمتي حكمة، أم هروب؟ هل اتزاني يقرب الناس من الحق، أم يشعرهم أنهم أدنى مني؟
خامسًا: اجعل لك عبادة تُذكّرك أنك عبد لا محللٌ للحياة فقط.
سجدة بلا جمهور.
دعاء فقر.
استغفار من عُجب لا يراه الناس.
صدقة سر.
اعتذار صادق.
خدمة لمن لا يستطيع أن يرد لك شيئًا.
هذه الأعمال تعيدك من صورة “الإنسان الناضج” إلى حقيقتك الأولى: عبد محتاج.
اقرأ أيضًا
- ما معنى ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾؟ متلازمة الثوب الأبيض وتزكية النفس الخفية
- العجب بالفضيلة: كيف تتحول الأخلاق إلى صنم داخلي؟
- العجب بالطاعة: كيف يكشف الانحراف الخفي في القلب؟
علامة الذاكرة
النضج الذي يجعلك ترى نفسك ناضجًا أكثر مما يجعلك ترى حاجتك إلى الله، لم يكتمل بعد.
هذه هي الجملة التي ينبغي أن تفتش القلب.
لا تثق كثيرًا بصورة الهدوء.
ولا بصورة الفهم.
ولا بصورة الاتزان.
ولا بصورة الإنسان الذي صار يشرح آلامه بوعي، ويحلل عيوبه بذكاء، ويتكلم عن الطريق بلغة عميقة.
كل هذا قد يكون خيرًا، وقد يدخل عليه حظ النفس من بابٍ رفيع.
آخر ما ينضج في القلب أن لا يقف أمام مرآة نضجه طويلًا.
أن يعرف أن الطريق لم ينتهِ.
وأن الوعي ليس عصمة.
وأن التجربة ليست ضمانًا.
وأن من لطف الله به في مرحلة، يحتاج لطفه في كل مرحلة.
وأن العبد لا يخرج من خطر النفس لأنه عرف اسم الخطر.
بل ينجو كل يوم بفضل الله، ثم بصدق المجاهدة، ثم بخوفٍ صحي من أن يعود من بابٍ لم ينتبه له.
اللهم لا تجعل ما علمتنا به حجة كبرٍ علينا، ولا تجعل نضجنا باب عجب، ولا تجعل فهمنا للناس سببًا للقسوة عليهم.
اللهم ارزقنا وعيًا يورث رحمة، ونضجًا يورث تواضعًا، وبصيرةً لا تنسينا فقرنا إليك.
اللهم لا تكلنا إلى صورة حسنة بنيناها عن أنفسنا، ولا إلى هدوءٍ نظنه كمالًا، ولا إلى فهمٍ نظنه نجاة، واجعل آخر ما ينضج في قلوبنا أن نراك أنت صاحب الفضل، وأن نرى أنفسنا عبادًا محتاجين إلى رحمتك حتى آخر الطريق.