لا أراقب اختيارك… لكني أتألم

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هناك لحظة لا يكون فيها العبد معترضًا، لكنه متعب.

لا يقول: لماذا يا رب؟ لا ينازع الحكمة. لا يتهم التدبير. ولا يطلب أن يُنتزع الاختيار من تدبير الله. لكنه يقول بصوت خفيض، وبنفس طال عليها الطريق: "يا رب، طال عليّ الانتظار. لا أرفض ما اخترت، لكني تعبت. فاحملني في هذا التعب حتى لا أغرق فيه."

هذه ليست لحظة ضعف رخيصة. وليست شكًا في الحكمة. وليست جزعًا يُسقط الأجر.

هذه لحظة عبد جاء إلى الله لا يحمل خطة بديلة، ولا يقترح صورة أخرى للفرج، بل يحمل ألمًا. ألمًا لا يعرف ماذا يفعل به، فيضعه حيث يجب أن يوضع: بين يدي الله.

عبد يرفع يديه في لحظة ألم وانتظار دون اعتراض على اختيار الله
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الألم ليس اعتراضًا

ليس كل من تألم في الانتظار كان ساخطًا. وليس كل من انكسر صوته كان معترضًا. وليس كل من طالت عليه الطريق كان ممن يريد أن يملي على الله صورة الفرج.

قد يتألم المؤمن، ويضيق صدره، ويسأل في سره: إلى متى؟ وتغرورق عينه، ويرتجف قلبه، ومع ذلك لا يخرج عن دائرة التسليم. لأن التسليم ليس موت الشعور. التسليم ليس أن تتحول إلى حجر لا يحس.

التسليم أن لا تجعل الوجع حاكمًا على ظنك بالله.

فلا بأس أن تتألم. لا بأس أن يطول عليك الطريق. لا بأس أن تسأل الله وأنت تبكي. الألم وحده ليس دليلًا على ضعف الإيمان. الأنبياء تألموا. يعقوب عليه السلام ابيضت عيناه من الحزن: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: 84]. وأيوب عليه السلام نادى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. ونبينا ﷺ دعا ربه يوم بدر ورفع يديه حتى سقط رداؤه [رواه مسلم]. لم يكن أحدهم معترضًا. كانوا بشرًا يألمون، والله يسمع نجواهم، ويعلم ضعفهم، ولا يردّ عبدًا جاءه بألمه.

حين يتحول الألم إلى قلق

الألم في أصله بريء. لكنه إذا تُرك بلا عبودية، قد يتحول إلى شيء آخر.

يبدأ الألم وجعًا صامتًا. ثم شيئًا فشيئًا، يبدأ يدور في الداخل. يتحول إلى أسئلة لا تتوقف: لماذا تأخر الفرج؟ لماذا لم يحدث إلى الآن؟ لماذا فُتح لفلان ولم يُفتح لي؟ ماذا يعني هذا الانتظار الطويل؟ هل تُركت؟ هل دعائي لم يُستجب؟ هل الباب مغلق؟

وهنا لا يعود الألم مجرد وجع. هنا يصبح مصنع قلق.

سمِّ هذا: خدعة الألم حين يعود قلقًا.

أن تترك الألم يدور في صدرك دون أن تضعه بين يدي الله. أن تظن أنك لا تزال تتألم فقط، بينما أنت في الحقيقة بدأت تراقب. بدأت تفتش عن العلامات كل ساعة. بدأت تفسر تأخر العلامات تفسيرًا موجعًا. بدأت تقارن طريقك بطريق غيرك. بدأت تضيق بالاختيار لأنه لم يأتِ على الصورة التي رسمتها.

الخطر ليس أن تتألم. الخطر أن تترك الألم يفسر لك الله.

هل أنت متألم… أم تراقب باسم الاطمئنان؟

هنا لحظة الانكشاف.

ليس كل سؤال يخطر في النفس اعتراضًا. وليس كل دمعة شكًا. لكن ثمة سؤالًا يجب أن يواجه الإنسان به نفسه، لا ليتهمها، بل ليفحصها:

هل أنا متألم من الانتظار، أم غاضب لأن الاختيار لم يشبه صورتي؟

هل أنا أضع ألمي بين يدي الله، أم أتركه في داخلي حتى يصنع لي قلقًا أسميه انتظارًا؟

هل أقول: "يا رب، لا أراقب اختيارك"، ثم أعود كل ليلة أراجع الأسباب، وأفتش عن العلامات، وأقارن حالي بحال غيري، وأتساءل: لماذا تأخرت وأنا أفعل كذا وكذا؟

إن وجدت نفسك قد بدأت تراقب، فلا تقسُ عليها. لكن لا تسمح لها أن تكمل في هذا الطريق. فالمراقبة مرهقة. والمراقبة تفتح باب سوء الظن. والمراقبة تجعلك واقفًا على باب التدبير تتفحصه، بدل أن تكون واقفًا على باب الله تسأله.

ومن أعظم ما يحفظ القلب في تأخر الفرج أن لا يترك التعب يصنع تفسيره الخاص عن الله، ولا يجعل طول الطريق شاهدًا على الغياب.

التوكل والرجوع بعد الارتجاف

هنا يجب أن نقف طويلًا.

الله لا يطلب منك أن تكون بلا شعور. لا يطلب منك أن تتحول إلى حجر. لا يطلب منك أن تنتظر بلا وجع. الصبر ليس أن لا تنكسر. الصبر أن لا ينكسر ظنك بربك وأنت تنكسر.

التوكل ليس أن لا يرتجف قلبك. التوكل أن يعود قلبك كلما ارتجف إلى الله، لا إلى القلق.

فلا تتهم نفسك كلما تألمت. ولا تظن أن طول الانتظار دليل على أنك منسي. ولا تجعل تأخر العلامات شاهدًا على غياب اللطف.

ليس كل قلب موجوع قلبًا معترضًا. قد يكون قلبًا مفتقرًا، يئن بين يدي ربه، فيُكتب له الصدق ولا يُكتب عليه السخط.

لكن الفرق دقيق:

شيء أن تأتي إلى الله بألمك فتقول: "يا رب، هذا وجعي، فاحملني فيه."

وشيء آخر أن تترك الألم يدور في صدرك، فيصنع لك أسئلة لا تنتهي، وشكوكًا لا تنام، وقلقًا لا يهدأ.

الأول: عبودية. والثاني: طريق إلى سوء الظن.

ولذلك كان حسن الظن بالله في الانتظار ليس إنكارًا للألم، بل حفظًا للقلب من أن يجعل الألم حاكمًا على معنى الرحمة والتدبير.

أعد الألم إلى الدعاء

العلاج ليس أن تمنع نفسك من الشعور. الشعور سيأتي. الألم سيطرق بابك مرة أخرى. لكن السؤال: أين تضع الألم حين يأتي؟

حوّل الألم من مراقبة إلى مناجاة.

بدل أن تقول في داخلك: "متى؟ وكيف؟ ولماذا لم يحدث؟ ولماذا فلان وليس أنا؟"

قل: "يا رب، هذا ألمي بين يديك. لا أريد أن أراقب اختيارك. لا أريد أن أفسر تأخر الفرج. لا أريد أن أسيء الظن بك. لا أريد أن أفتح باب القلق. أنا ضعيف. أنا متعب. فأمسك قلبي في هذا الانتظار."

كلما بدأ الألم يتحول إلى سؤال قلق، أعده إلى دعاء.

لا تفتش عن شكل الفرج كل ساعة.

لا تجعل تأخر العلامات دليلًا على الغياب.

لا تقسُ على نفسك لأنها تألمت.

لا تبرر للقلق لأنه تسلل في ثوب الألم.

فقط أعد الألم إلى بابه. ضعه حيث لا يتحول إلى سوء ظن. ضعه بين يدي الله.

إذا لم يتحول الألم إلى دعاء، فقد يتحول إلى قلق. وإذا لم تضعه بين يدي الله، فقد يضعه القلق في طريق الظنون.

ولهذا لا تترك الدعاء في منتصف الألم؛ فقد يكون الدعاء نفسه هو الحبل الذي يحفظ قلبك من أن يتحول الانتظار إلى مراقبة مرهقة.

سؤال المواجهة

الآن، وأنت تقرأ، اسأل نفسك:

هل أضع ألمي بين يدي الله، أم أتركه في داخلي حتى يتحول إلى قلق؟

حين يأتي الوجع في الليل، هل تحمله إلى الله، أم تتركه يفسر لك تأخر العلامات؟

حين يطول الطريق، هل تجدد التسليم، أم تبدأ تراقب علامات التأخير؟

حين ترى غيرك يُفتح له، هل تقول: "يا رب، هذا فضلك"، أم تقول: "لماذا هو وليس أنا"؟

إن وجدت أن الألم قد بدأ يتحول إلى مراقبة، فلا تقسُ على نفسك. لكن لا تسمح للقلق أن يبني بيته في صدرك. أعد الألم إلى بابه. أعد الدمع إلى الدعاء. أعد الانتظار إلى التسليم.

ليس المطلوب أن لا تتألم. المطلوب أن لا تجعل ألمك يفسد يقينك.

اقرأ أيضًا

علامة الذاكرة

لا أراقب اختيارك… لكني أتألم. فاحمل ألمي حتى لا يعود إلى قلبي قلقًا.

هذه جملة عبد لا بطل.

لا تدّعي الكمال. لا تقل: "لا أشعر بشيء". لا تظن أن التسليم موت الإحساس. قل لله الحقيقة: "يا رب، أنا متعب. أنا منتظر. أنا أثق بك، لكن الوجع يوجع." هذا صدق. هذا افتقار. هذا الطريق.

الألم لا يهدم العبودية. لكن تركه بلا توجيه قد يفتح أبوابًا لا تُحمد.

فكلما طال الطريق، لا تفتش عن نهايته. لا تراقب علاماته. لا تقس المسافة بينك وبين غيرك.

أعد الألم إلى بابه. ضعه بين يدي الله. وقل كل ليلة، بقلب يوجع لكنه يسلم:

اللهم إني لا أراقب اختيارك، ولا أفتش عن صورة الفرج، ولا أطلب أن يأتي الفرج على هواي.

لكني أتألم. وطال عليّ الطريق. وضعفت قوتي. فاحملني في هذا الألم. لا تجعل وجعي يتحول إلى قلق. ولا تجعل الانتظار يفتح باب سوء الظن بك.

اللهم اجعل ألمي عبادة. واجعل ضعفي افتقارًا. واجعل دمعي دعاء.

ولا تكلني إلى قلب يفسر طول الانتظار تفسير الموجوع الذي غاب عنه تذكّر رحمتك.

يا رب، أنا عبدك. لا أعترض. لا أراقب. لا أفرض عليك صورة.

لكني أتألم. وأنت أرحم الراحمين.

تعليقات

عدد التعليقات : 0