فتنة العطاء: قبل أن تعطي تذكّر أنك الآخذ أولًا

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

فتنة العطاء لا تبدأ دائمًا من الرياء الظاهر أو المنّ الصريح، بل قد تبدأ حين ينسى المعطي أنه آخذ أولًا. هذه موعظة عن فقر القلب وهو يعطي، وعن خطر أن يتحول النفع إلى صورة، والخدمة إلى استعلاء، والأثر إلى امتحان خفيّ يحتاج إلى إخلاص ومراقبة.

يد تستقبل نور النعمة أولًا ثم يمر منها العطاء إلى غيرها في مقال عن فتنة العطاء وافتقار المعطي إلى الله
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

قبل أن تعطي: تذكّر أنك الآخذ أولًا

أخطر لحظة في العطاء ليست حين تمدّ يدك.

بل حين تنسى أن يدك نفسها لم تكن لك.

حين تعطي مالًا، أو علمًا، أو وقتًا، أو كلمة، أو نصحًا، أو خدمة، أو مواساة، ثم يمرّ في القلب خاطر دقيق لا يُقال باللسان غالبًا:

أنا الذي أعطيت.
أنا الذي نفع.
أنا الذي حضر حين غاب غيري.
أنا الذي امتدت يده إلى من يحتاج.

وهذا الخاطر، إن تُرك بلا محاسبة، قد يكون أول فساد العطاء.

لأنه لا يدخل على القلب من باب المعصية الواضحة، بل من باب الخير.

يدخل متوضئًا بثوب الإحسان.

لا يقول لك: تكبّر.

بل يقول لك: انظر كم نفعت.

لا يقول لك: امنن.

بل يقول لك: من حقك أن يشعروا بقيمتك.

لا يقول لك: أنت مصدر الفضل.

بل يترك هذه الكلمة تكبر في الداخل حتى لا تعود محتاجًا أن تنطق بها.

وهنا تبدأ فتنة العطاء.

لا حين ينفع الناس بك.

بل حين تنسى وأنت تنفعهم أنك أنت نفسك قائم بعطاء سابق.

أنت لم تبدأ الخير.

أنت وُضعت في طريقه.

ولم تكن مصدر النعمة.

بل كنت محتاجًا إليها قبل أن تمرّ منك إلى غيرك.

فكل يدٍ تعطي وهي لا ترى فضل الله قبلها، توشك أن تمنّ بما لا تملك.


لكي تعطي، كان لا بد أن تُعطى أولًا

قبل أن تعطي، قف قليلًا عند هذه الحقيقة التي تكسر العجب من جذره:

لكي تعطي، كان لا بد أن تُعطى أولًا.

قبل أن تعطي مالًا، أُعطيت رزقًا.

وقبل أن تعطي علمًا، أُعطيت فهمًا.

وقبل أن تعطي نصحًا، أُعطيت لسانًا وعقلًا وتجربة.

وقبل أن تعطي وقتًا، أُعطيت عمرًا.

وقبل أن تعطي قوة، أُعطيت عافية.

وقبل أن تعطي كلمة تهدي أو تواسي، أُعطيت قلبًا يلتفت، ولسانًا يعبّر، وفرصةً يُسمح لك فيها أن تقول.

بل قبل ذلك كله: أُعطيت توفيقًا أن تريد الخير أصلًا.

فليست النية الصالحة ملكًا مستقلًا في داخلك.

وليست رقة القلب صناعة ذاتية خالصة.

وليست قدرتك على أن تنفع الناس دليلًا على أنك فوقهم، بل دليل على أن الله فتح لك بابًا، ولو شاء لأغلقه.

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.

هذه الآية لا تصلح أن تبقى في باب الرزق العام فقط.

بل ينبغي أن تدخل معك كل مرة تعطي.

ما بك من علم فمن الله.

وما بك من قدرة فمن الله.

وما بك من قبول فمن الله.

وما بك من أثر فمن الله.

وما بك من لطف في العبارة فمن الله.

وما بك من حضور في وقت حاجة الناس فمن الله.

حتى دمعة الرحمة التي تسبق إحسانك، ليست دليلًا على نقاء مستقل فيك؛ بل نعمة تحتاج أن تشكر الله عليها قبل أن تستعملها.

فالعبد لا يدخل باب العطاء بصفة المالك.

بل بصفة الفقير الذي أُذن له أن يمرّ شيء من فضل الله على يده.


العطاء يكشف موضع القلب من الله

العطاء لا يكشف سخاء اليد فقط.

بل يكشف موضع القلب من الله.

قد يعطي الإنسان كثيرًا، وقلبه فقير إلى ربه، يرى نفسه عبدًا مستعملًا لا مالكًا متفضلًا.

وقد يعطي قليلًا، وقلبه منتفخ، يرى القليل الذي خرج منه كأنه فتحٌ عظيم على الناس.

ليست الفتنة في حجم العطاء.

الفتنة في الشعور الذي يصحبه.

هل تعطي وأنت ترى أن الله هو الذي سبقك بالفضل؟

أم تعطي وأنت تشعر سرًّا أن الآخر صار مدينًا لصورتك؟

هل تعطي ثم يزداد افتقارك؟

أم تعطي ثم يزداد استعلاؤك؟

هل ينزل العطاء من يدك وهو مغسول بالشكر؟

أم يخرج ومعه رائحة المنّ، ولو لم تقل: أنا فعلت؟

إن من الناس من لا يمنّ بلسانه، لكنه يمنّ بحضوره.

بنبرة صوته.

ببرودة وجهه.

بطريقة نظره إلى من أحسن إليه.

بإشعار خفي يقول: تذكّر أنك أخذت مني.

وهذا عطاء أصاب اليد وأخطأ القلب.

لأن العطاء الذي لا يحفظ كرامة الآخذ، لم يفهم أن المعطي نفسه آخذ.

ولو رأى المعطي فقره إلى الله، لانكسر وهو يعطي.

لا انكسار ضعف أمام الناس، بل انكسار عبودية أمام الله.

يعطي وهو يقول في داخله:

يا رب، هذا منك لا مني.

يا رب، لا تجعلني أفسد ما أجريتَه على يدي.

يا رب، كما سترت فقري حين جعلتني في موضع المعطي، فلا تفضح قلبي بالعجب.


من نسي أنه آخذ فسد عطاؤه

من نسي أنه آخذ، فسد عطاؤه من موضعين.

الأول: أنه يرى نفسه مصدرًا.

والثاني: أنه يرى غيره أدنى منه.

وهذان أصلان خفيان لكثير من فساد الإحسان.

فإذا رأى نفسه مصدرًا، طلب الشكر كأنه حق لازم.

وإذا رأى غيره أدنى منه، أعطاه مع كسر.

يعطيه المال، ويأخذ من كرامته.

يعطيه النصيحة، ويأخذ من سعة صدره.

يعطيه الخدمة، ويأخذ من شعوره بالأمان.

يعطيه العلم، ويترك في قلبه شعورًا أنه صغير جاهل لا ينهض إلا بفضله.

وهنا ينقلب العطاء من عبادة إلى امتحان خطر.

فليس كل نفع ظاهر دليل سلامة باطنة.

قد ينتفع الناس بما تعطي، ويبقى قلبك محتاجًا أن ينجو من طريقة عطائك.

قد تُفتح لهم أبواب بسببك، ويفتح عليك أنت باب العجب.

قد يشكرونك على إحسانك، وتحتاج أنت أن تستغفر من رؤيتك لنفسك.

قد يذكرك الناس بالفضل، ويكون الواجب على قلبك أن يردّ الفضل فورًا إلى الله، لا تواضعًا مصطنعًا، بل حقيقة.

فالناس لا يعرفون كل ما سبق عطيتك.

لا يعرفون كم أعطاك الله قبل أن تعطيهم.

ولا كم ستر عليك.

ولا كم سخّر لك.

ولا كم صرف عنك.

ولا كم أذن لك.

ولا كم عجزٍ فيك غطّاه بلطفه حتى ظهرت أمامهم قويًا نافعًا.

فلا تصدّق صورتك عند الآخذين، وتنسَ حقيقتك عند رب العالمين.


قبل أن تقول أنا أعطيت قل أنا أُعطيت

قبل أن تقول: أنا أعطيت.

قل: أنا أُعطيت.

قبل أن تقول: أنا نفعته.

قل: الله نفعه بما شاء أن يجريه على يدي.

قبل أن تقول: أنا كنت سببًا.

قل: نعم، كنت سببًا، لكن السبب لا يملك نفسه، ولا يملك أثره، ولا يملك بقاءه.

فالسبب قد يُستعمل اليوم، ويُستبدل غدًا.

والباب قد يُفتح ساعة، ويُغلق ساعة.

والقبول قد يوضع لك في قلوب الناس، ثم يُرفع عنك إن شاء الله.

والعلم الذي تظن أنك تعطي منه، قد يذهب بنسيان أو مرض أو فتور.

والمال الذي تطمئن أنك تنفق منه، قد يتحول في لحظة إلى حاجة تطلبها من غيرك.

واليد التي اعتادت أن تكون عليا، قد يأتي عليها وقت ترتجف فيه عند باب لا تملك فتحه.

فلا تغتر بمرحلة عابرة من حياتك.

اليوم تعطي.

وغدًا قد تحتاج.

اليوم تُسند.

وغدًا قد تبحث عن سند.

اليوم تُعلّم.

وغدًا قد تُبتلى بما يذكّرك أنك لا تزال تلميذًا في مدرسة الفقر إلى الله.

ومن عرف تقلّب أحواله، هان عليه أن يعطي الناس برحمة، لا بفوقية.


العطاء ليس مالًا فقط

العطاء في هذا الإصدار ليس مالًا فقط.

ولا صدقةً في يد فقير فقط.

العطاء أوسع من أن يُحصر في صورة واحدة.

الأم التي تبذل من عمرها في بيتها تعطي.

والأب الذي يكدح في صمت ليستر أهله يعطي.

والمعلّم الذي يصبر على جهل الطلاب وفتورهم يعطي.

والموظف الذي يحفظ أمانته حين لا يراقبه أحد يعطي.

والكاتب الذي يجاهد كلمة صادقة في خلوته يعطي.

والداعية الذي يذكّر الناس بالله يعطي.

والطبيب الذي يرفق بمريضه يعطي.

والصديق الذي يسمعك دون أن يستعمل ضعفك ضدك يعطي.

ومن يدعو لك في غيبك يعطي.

ومن يكف أذاه عنك حين يقدر عليه يعطي.

ومن يحفظ ستر الناس يعطي.

ومن يترك حقه أحيانًا طلبًا لما عند الله يعطي.

كل نفع يمرّ منك إلى غيرك هو باب عطاء.

وكل باب عطاء قد يكون باب فتنة.

لأن النفس لا تُفتن فقط حين تأخذ.

بل قد تُفتن حين تعطي.

قد تُفتن بصورة المنقذ.

قد تُفتن بلذة الاحتياج إليها.

قد تُفتن بعبادة الأثر.

قد تُفتن بانتظار الشكر.

قد تُفتن بتحويل تعبها إلى حق على الناس.

قد تُفتن بأن تجعل النفع دليلًا على سلامتها.

وقد تُفتن بأشد من ذلك:

أن تخدم الناس حتى تنسى أنها هي نفسها محتاجة إلى أن يخدمها لطف الله.


نبدأ من فقر المعطي إلى الله

لهذا نبدأ من هنا.

لا من مهارات العطاء.

ولا من أثر العطاء.

ولا من آداب العطاء مع الناس فقط.

بل من فقر المعطي إلى الله.

لأن العطاء إذا لم يبدأ من الافتقار، انتهى غالبًا إلى صورة من صور الاستعلاء.

قد يكون استعلاءً ناعمًا.

لا يصرخ.

لا يلبس ثوب الكبر الصريح.

لكنه يظهر في الداخل:

لماذا لم يقدروني؟

لماذا لم يشكروني؟

لماذا لم يعرفوا قيمتي؟

لماذا لم يتغيروا بعد كل ما بذلت؟

لماذا لم يذكروا اسمي؟

لماذا ذهب الأثر إلى غيري؟

هذه الأسئلة ليست محرّمة كلها.

فالإنسان يتألم من الجحود.

والقلب يتعب حين يبذل طويلًا ولا يجد كلمة إنصاف.

لكن السؤال الخفي الذي يجب أن تواجهه:

هل كنت تعطي لله، ثم آلمك ضعف البشر؟

أم كنت تعطي وفي داخلك عقد غير مكتوب مع البشر أن يردّوا لك صورة معينة عن نفسك؟

هنا تبدأ المحاسبة.

لا لتكسر المعطي.

بل لتنقذه من أن يعبد عطاؤه.

وهذا قريب من معنى تقلب النية؛ فقد يبدأ العمل صافيًا، ثم تدخل عليه خواطر الصورة والذكر وانتظار الأثر.


حاجته ظهرت وحاجتي استترت

من أعظم ما يطهّر العطاء أن تدخل عليه وأنت تقول:

يا رب، أنا فقير قبل أن أكون نافعًا.

فقير في نيتي.

فقير في قدرتي.

فقير في ثباتي.

فقير في حكمتي.

فقير في أن لا أفسد ما أصلحت.

فقير في أن لا أطلب من الناس ثمنًا خفيًا لما بذلت.

فقير في أن لا أجرح من أحسنت إليه.

فقير في أن لا أرى نفسي أكبر لمجرد أن حاجته ظهرت وحاجتي استترت.

هذه الجملة وحدها تكفي أن تغيّر هيئة العطاء في القلب:

حاجته ظهرت، وحاجتي استترت.

هو احتاج أمامي.

وأنا محتاج أمام الله.

هو مدّ يده لحاجة ظاهرة.

وأنا ممدود اليد إلى الله في كل لحظة، ولو لم يرَ الناس يدي.

هو أخذ مني شيئًا محدودًا.

وأنا آخذ من الله كل شيء.

فكيف أستعلي عليه؟

كيف أجرحه؟

كيف أطلب منه أن يسجد معنويًا لفضلي؟

كيف أنسى أنني لو وُضعت في موضعه، لاحتجت من يرحمني كما أُمرت أن أرحمه؟

من استحضر هذا المعنى، صار عطاؤه ألين.

لا لين ضعف.

بل لين عبد عرف أنه ليس ربًا صغيرًا على المحتاجين.


أخطر عطاء هو العطاء الذي ينجح

وقد يكون أخطر عطاء هو العطاء الذي ينجح.

العطاء الذي ينتشر أثره.

الكلمة التي تصل.

المشروع الذي يكبر.

النصيحة التي تغيّر.

الصدقة التي تُذكر.

الخدمة التي يحتاجها الناس.

الاسم الذي يرتبط بالنفع.

هنا لا تأتي الفتنة من فشل العطاء، بل من نجاحه.

فالنجاح قد يجعل المعطي ينسى خوف البدايات.

ينسى كيف كان يرجو القبول.

ينسى كيف كان يسأل الله أن يستعمله ولا يستبدله.

ينسى أن أثره ليس ملكه.

ينسى أن القلوب التي تأثرت لم يفتحها هو.

ينسى أن الله لو شاء لصرف الناس عن كلمته، ولو كانت بليغة.

ينسى أن العطاء قد يبقى نافعًا للناس، وهو في الوقت نفسه امتحان لقلب صاحبه.

ومن هنا يحتاج المعطي النافع إلى عبودية لا تقل عن عبودية الآخذ المحتاج.

بل ربما كانت حاجته إلى الخوف أعظم.

لأن الآخذ يعرف ضعفه غالبًا.

أما المعطي فقد ينسى ضعفه بسبب احتياج الناس إليه.

وهذه هي الفتنة.

أن يستر نفعك للناس فقرك عن نفسك.

وهذا معنى يتصل بمقال حين يكبر الأثر ويُختبر الإخلاص؛ فكلما كبر الأثر احتاج القلب إلى مراقبة أدق.


أسئلة قبل أن تعطي

قبل أن تعطي، اسأل نفسك:

هل أعرف كيف أكون فقيرًا؟

لا فقير مال فقط.

بل فقير قلب.

هل أستطيع أن أنفع الناس دون أن أتغذى على احتياجهم إليّ؟

هل أستطيع أن أعطي ثم أنسى صورتي؟

هل أستطيع أن يُشكر غيري على أثر كنت سببًا فيه، فلا يضيق صدري؟

هل أستطيع أن يستفيد الناس ثم لا يعرفوا اسمي؟

هل أستطيع أن أرحل من مجلس الإحسان أخفّ قلبًا لا أثقل عجبًا؟

هل أستطيع أن أقول بعد كل عطاء: اللهم إن هذا منك، فلا تجعله حجة عليّ؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا روحيًا.

إنها حراسة.

لأن العطاء إذا كثر حول القلب ولم تحرسه العبودية، صنع في الداخل مقامًا كاذبًا:

مقام الإنسان الذي يظن أن الناس يحتاجون إليه أكثر مما يحتاج هو إلى الله.

وهذا أول السقوط.


حين يصير العطاء فتنة

لن يكون هذا الإصدار حديثًا عن فضل العطاء فقط.

فالفضل معروف.

ولا عن جمال النفع فقط.

فالنفع باب عظيم.

ولا عن ضرورة الإحسان فقط.

فالإحسان من أشرف ما يتقرب به العبد إلى الله.

لكننا سنتحدث عن الموضع الأخطر:

حين يصير العطاء فتنة.

حين تعطي، ثم يدخل العجب.

حين تنفع، ثم تطلب صورة المنقذ.

حين تبذل، ثم يتحول البذل إلى استنزاف يلبس ثوب الإخلاص.

حين تؤثر، ثم تعبد الأثر.

حين تخدم الناس، ثم تنسى أنك عبد.

حين يفرح الناس بك، فتنسى أن الفرح الحقيقي أن يرضى الله عنك.

حين يفتح الله لك باب نفع، فتتعامل معه كأنه شهادة أمان لا امتحان.

لهذا كان لا بد أن نبدأ من الأصل:

أنت الآخذ أولًا.

أنت الفقير أولًا.

أنت المحتاج أولًا.

أنت المرحوم قبل أن تكون راحمًا.

وأنت المستور قبل أن تكون ساترًا.

وأنت المحمول قبل أن تكون حاملًا.

وأنت الذي جرى عليه فضل الله قبل أن يجري على يده شيء من الفضل.


اقرأ أيضًا


أنت الآخذ أولًا

قبل أن تعطي، تذكّر أنك أخذت.

وقبل أن تنفع، تذكّر أنك لا تملك النفع.

وقبل أن تُمدح، تذكّر ما ستر الله.

وقبل أن ترى أثر كلمتك، تذكّر أن القلوب ليست في يدك.

وقبل أن تفرح باحتياج الناس إليك، تذكّر حاجتك أنت إلى الله في كل نفس.

فإن بقي هذا المعنى حيًا، صار عطاؤك أقرب إلى السلامة.

تعطي ولا تمنّ.

تنفع ولا تستعلي.

تخدم ولا تستعبد الناس بخدمتك.

تفرح بالأثر ولا تعبده.

تسعد بأن الله استعملك، وتخاف أن تكون قد رأيت نفسك في موضع لا يليق إلا بفضله.

أما إذا مات هذا المعنى، فقد تعطي كثيرًا، وتخسر كثيرًا.

قد تمتلئ أيدي الناس من عطائك، ويمتلئ قلبك من نفسك.

وهذه خسارة خفية لا يراها الآخذون.

لكن الله يعلمها.


الجملة التي ينبغي أن تدخل بها هذا الكتاب

الجملة التي ينبغي أن تدخل بها هذا الكتاب:

ليس السؤال الأول: كم أعطيت؟

بل: هل بقيت فقيرًا إلى الله وأنت تعطي؟

فإن بقيت فقيرًا، طهّر الفقر عطاءك.

وإن نسيت فقرك، صار عطاؤك طريقًا إلى فتنتك.

دعاء تطهير العطاء من العجب والمنّ

اللهم يا من كل نعمة فمنك، لا تجعل ما تجريه على أيدينا حجابًا يحجبنا عنك.

اللهم إن استعملتنا في نفع أحد، فلا تجعلنا نرى أنفسنا مصدرًا لما أجريت.

اللهم طهّر عطاءنا من المنّ، ونفعنا من العجب، وأثرنا من طلب الصورة، وخدمتنا من استعباد الناس بالشكر.

اللهم اجعلنا فقراء إليك في حال الأخذ والعطاء، وعلّمنا أن كل فضل مرّ على أيدينا فقد بدأ من عندك، وانتهى إليك، ونحن بين ذلك عبيد لا نملك إلا ما ملّكت، ولا نعطي إلا مما أعطيت.

تعليقات

عدد التعليقات : 0