تعظيم الله: الأصل الذي تعود إليه أمراض القلب

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

تعظيم الله ليس معنى نظريًا يُقال في المجالس، بل أصلٌ يعيد ترتيب القلب كله: خوفه، ورجاءه، وطاعته، ونظرته إلى الناس والأسباب والدنيا. فإذا ضعف تعظيم الله في الشعور العملي، كبرت أشياء كثيرة في غير موضعها: الرزق، ونظرة الناس، والشهوة، والخسارة، والباب المغلق. هذا المقال يكشف كيف تعود كثير من أمراض القلب إلى اختلال هذا الأصل، وكيف يسترد القلب معنى: الله أكبر.

تعظيم الله الأصل الذي تعود إليه أمراض القلب
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

🕯️ تعظيم الله: الأصل الذي تعود إليه أمراض القلب

قال الله تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67].

يقف ساهرًا في منتصف الليل، يتقلب في فراشه، وعقله يدور في ساقية لا تتوقف: ماذا لو لم يتم الأمر؟ ماذا سيقولون عني؟ كيف سأبرر موقفي غدًا؟ ماذا لو ضاع الرزق؟ ماذا لو غضب فلان؟ ماذا لو أُغلق الباب؟

يتسارع نبضه خوفًا من مستقبل لم يأتِ، أو طمعًا في رضا إنسان لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. ثم يسمع أذان الفجر، فيقوم ليقف بين يدي الله، ويقول بلسانه: الله أكبر.

لكن قلبه في تلك اللحظة لا يزال يرتجف كأن المشكلة أكبر، وكأن المدير أكبر، وكأن نظرة الناس أكبر، وكأن الرزق المعلّق أكبر، وكأن الباب المغلق أكبر.

الجسد يتجه إلى القبلة، لكن القلب يتجه في ألف وجهة أخرى.

وهنا يبدأ السؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه:

ما الذي يحدث في الداخل حين لا يعود تعظيم الله هو المعنى الأكبر في القلب؟

ليست كل أمراض القلب تبدأ من شهوة ظاهرة، ولا من شبهة صريحة، ولا من ذنب كبير يراه الناس. أحيانًا يبدأ الخلل من موضع أعمق وأخفى: أن يصغر تعظيم الله في الشعور العملي، فيكبر كل شيء بعده في غير موضعه.

يكبر خوف الناس.
يكبر الرزق.
تكبر نظرة الآخرين.
يكبر السبب.
تكبر الشهوة.
تكبر الخسارة.
تكبر الكلمة الجارحة.
تكبر الدنيا كلها.

وحين يكبر كل شيء في قلبك إلا تعظيم الله، لا تسأل بعدها لماذا يضطرب القلب، ولماذا تضعف الطاعة، ولماذا تهون المعصية، ولماذا يصبح رضا المخلوق أثقل من رضا الخالق، ولماذا ترتجف النفس أمام باب رزق مغلق أكثر مما ترتجف عند باب صلاة مضيّعة.

🔻 حين يختلّ المركز

القلب لا يبقى فارغًا. إن لم يمتلئ بتعظيم الله، امتلأ بتعظيم غيره.

وهنا تبدأ أكثر أمراض القلب في صورة هادئة: الخوف من الناس ليس مجرد ضعف اجتماعي، بل قد يكون علامة على أن نظر المخلوق صار أثقل في القلب مما ينبغي. والتعلق بالأسباب ليس مجرد حرص على النجاح، بل قد يكون علامة على أن السبب أخذ مساحة لا تليق إلا بمسبب الأسباب. والرياء ليس مجرد حب للمدح، بل هو أن يصبح نظر الناس إلى العمل أدفأ في القلب من علم الله به. والقلق المرضي على الرزق ليس مجرد تفكير في المستقبل، بل قد يكشف أن القلب يقرأ الأرقام أكثر مما يقرأ وعد الرزاق.

كل مرض من هذه الأمراض يبدو منفصلًا في الظاهر، لكنه قد يعود في عمقه إلى سؤال واحد:

من الأكبر في قلبي لحظة القرار؟

حين يضعف تعظيم الله، تصير النفس سريعة الانحناء أمام ما تخافه أو تطمع فيه. تنحني أمام مسؤول، أو مال، أو علاقة، أو شهرة، أو شهوة، أو مستقبل متخيّل. لا تسجد لها بجسدها، لكنها قد تمنحها من الخوف والرجاء والانشغال ما يزاحم مقام العبودية.

وهذه هي المسافة الخفية التي لا يراها الناس: أن يبقى اللسان يقول: الله أكبر، بينما يعيش القلب كأن شيئًا آخر هو الأكبر في لحظة الاختبار.

وهذا المعنى يلتقي مع مقال أن يكون الله أول ملجأ؛ لأن صلاح القلب يبدأ حين يعود الله تعالى هو الأول في الخوف والرجاء والتوكل والقرار.

🔻 أصل الداء: الشجرة لا فروعها

نحن كثيرًا ما نتعامل مع أمراض قلوبنا كأنها ملفات منفصلة: نحارب الرياء وحده، ونعالج الخوف من الرزق وحده، ونقاوم الحسد وحده، ونحاول قمع العُجب وحده، ونفتش عن دواء لكل عرض بمعزل عن أصله.

لكن كثيرًا من هذه الأدواء ليست إلا فروعًا لشجرة واحدة: اختلال تعظيم الله في القلب.

الاستهانة بالذنب لا تبدأ غالبًا من نسيان الحكم، بل من ضعف تعظيم من عُصي. ولو حضر في القلب شيء من جلال الله، لاستحيا العبد أن يجعل نظر الله إليه أهون من نظر عبد مثله.

والكبر لا يبدأ فقط من رؤية النفس، بل من نسيان عظمة الرب. فمن عرف عظمة الله حقًا، صغر في عينه انتفاخ نفسه، واستحيا أن يتعاظم وهو مخلوق ضعيف يحمل في جسده دلائل فقره من كل جهة.

والحسد لا يبدأ فقط من النظر إلى ما في يد الناس، بل من ضعف شهود حكمة الله وعدله وفضله. كأن القلب يقول في عمقه: لماذا أُعطي هذا وحُرمت أنا؟ ولو امتلأ القلب بتعظيم الحكيم الرزاق، لخاصم الحسد في مهده، وقال: ربي أعلم بمواضع عطائه، وأنا أسأله من فضله ولا أعترض على قسمته.

والرياء لا يبدأ فقط من حب الثناء، بل من ضعف استحضار أن الله يرى. لو عظم نظر الله في القلب، لخجل العبد أن يجمّل عمله لعين عابرة، وينسى نظرًا لا يغيب.

واليأس لا يبدأ دائمًا من شدة الألم، بل قد يبدأ من ضعف تعظيم رحمة الله وسعة قدرته. حين يرى القلب جرحه أكبر من لطف الله، وبابه المغلق أكبر من قدرة الفتاح، وماضيه أثقل من مغفرة الغفور، يبدأ في الانطفاء.

وسوء الظن لا يبدأ فقط من تأخر الفرج، بل من نسيان أسماء الله عند اشتداد البلاء؛ فيرى القلب الألم مجردًا، ولا يرى معه حكمة الله، ولطفه، ورحمته، وتدبيره الذي قد يخفى على العبد.

كثير من أمراض القلب ليست سوى أغصان متفرقة لشجرة واحدة: شيء ما كبر في الداخل حتى زاحم ما ينبغي أن يبقى لله وحده من التعظيم والخضوع.

🔻 حوار النفس حين تكبر الأشياء

في لحظة الضعف، لا تقول النفس غالبًا: أنا لا أعظم الله.

بل تأتيك بصوت أكثر تهذيبًا:

هذا ليس ضعف يقين، هذا أخذ بالأسباب.
أنا لا أخاف الناس، لكن لا بد من مراعاة الواقع.
أنا لا أطلب نظرهم، لكن السمعة مهمة.
أنا لا أحسد، لكنني فقط أتساءل لماذا فُتح له الباب ولم يُفتح لي.
أنا لا أسيء الظن بالله، لكنني تعبت من الانتظار.
أنا لا أقدّم رضاهم على رضا الله، لكن خسارتهم ليست سهلة.

وبعض هذه الجمل قد يكون صحيحًا في مواضعه. فالأخذ بالأسباب مشروع، ومراعاة الواقع حكمة، وحفظ السمعة من غير باطل مطلوب، والتعب من طول البلاء مفهوم.

لكن الخداع يبدأ حين تُلبس أمراض القلب ثياب الحكمة، وحين يصبح الخوف عبادة باسم الاحتياط، والتعلق عقلانية باسم التخطيط، والرياء ذوقًا اجتماعيًا باسم السمعة، والحسد تحليلًا باسم قراءة الواقع.

ليست المشكلة أنك تخاف أو تتعب أو تحسب العواقب؛ فكل هذا من طبيعة الإنسان. المشكلة أن يكبر ذلك في القلب حتى يزاحم معنى: الله أكبر.

🔻 الكاميرا والرقيب سبحانه

تأمل في مشهد بسيط من حياتنا اليومية.

لو علم الإنسان أن كاميرا مراقبة وُضعت في مكتبه، أو أن شخصًا ذا مكانة يتابع شاشته، كيف سينضبط سلوكه؟ كيف ستتزن كلماته؟ كيف سيحذر من حركة قد تُساء قراءتها؟ لأن في قلبه يقينًا بوجود عين بشرية تراقب وتسجل.

ثم انظر إلى الخلوة حين تُغلق الأبواب، وتُسدل الستائر، وتضيء الشاشة في اليد، ولا يبقى شاهد من الناس.

أين يذهب ذلك الانضباط؟
لماذا يثقل نظر البشر في قلوبنا أحيانًا أكثر مما يثقل استحضار نظر الله؟
لماذا نستحي من ملف يظهر أمام مخلوق، ولا نستحي بالقدر نفسه من عمل يراه اللطيف الخبير؟

الحقيقة الموجعة ليست في قوة الشهوة وحدها، ولا في غلبة الهوى وحدها، بل في ضعف استحضار اسم الله الرقيب في القلب.

حين يغيب التعظيم، تصبح نظرة إنسان عابر أثقل في الميزان الداخلي من نظر الله تعالى، وتتحول الخطيئة في الخلوة من مجرد ضعف أمام الذنب إلى موضع خطير يحتاج مراجعة: كيف صغر في قلبي نظر الله، حتى كبر نظر الناس إلى هذا الحد؟

ومع ذلك، لا ينبغي أن نقول إن كل ذنب في الخلوة يعني موت التعظيم أو فساد القلب. فالعبد قد يضعف، ويذنب، ثم يندم، ثم يرجع. لكن الخطر أن يطول المقام في الخلوة المظلمة حتى تزول الدهشة، ويبرد الحياء، ويصير الذنب مألوفًا لا يوجع.

🔻 خديعة المعرفة الهادئة

قد تقول النفس: أنا أعظّم الله.
أنا أؤمن بعظمته.
أنا أعرف أن الله أكبر من كل شيء.

لكن الامتحان ليس في الجملة التي تقال في المجالس، بل في اللحظة التي يزاحمها فيها الخوف أو الهوى.

هل تعظّم الله حين تكون وحدك والشهوة قريبة؟
هل تعظّمه حين تستطيع أن تكذب ولا ينكشف أمرك؟
هل تعظّمه حين يتأخر الرزق وتضيق الأسباب؟
هل تعظّمه حين يمدحك الناس فتخشى على قلبك من السرقة الخفية؟
هل تعظّمه حين يأمرك الشرع بما يخالف مزاجك أو عادتك أو مصلحتك القريبة؟
هل تعظّمه حين يبتليك بما لا تفهم حكمته؟

هنا تتضح الحقيقة: تعظيم الله ليس معلومة عن الله، بل ميزان يحكم الخوف والرجاء، والحب والبغض، والمنع والعطاء، والطاعة والمعصية، والخلوة والعلن.

من السهل أن تقول: الله عظيم.
لكن القلب الصادق هو الذي يترجم هذه الجملة حين يختبره الباب المغلق، والذنب السهل، والناس، والمال، والهوى، والوجع.

ومن أراد أن يتوسع في هذا الباب من جهة اسم الله العظيم، فمقال ما معنى اسم الله العظيم؟ يشرح كيف يعيد هذا الاسم ترتيب الأحجام في القلب.

🔻 المشهد الذي يكشف الخلل

تخيل رجلًا يوشك أن يوقّع على معاملة يعلم أن فيها ظلمًا أو شبهة. يده تمسك القلم، وداخله يعرف أن الأمر لا يرضي الله. لكنه يلتفت إلى حساباته: ماذا سأخسر؟ ماذا سيقول الناس؟ كيف سأدبر أمري؟ من سيغضب مني؟ ماذا لو ضاعت الفرصة؟

تتجمع المخاوف كلها حول قلبه كأنها مجلس طوارئ.

ثم يأتي صوت خافت في الداخل: والله يعلم.

هنا، في هذه اللحظة الصغيرة، يظهر ترتيب التعظيم في القلب. ليس في الكتب، ولا في المحاضرات، ولا في كلامه عن التوكل، بل في حركة القلم.

إن كان الله أعظم في قلبه، توقف ولو خسر.
وإن كانت الخسارة أعظم، وقّع ثم بدأ يبحث عن عذر يهدئ ضميره.

هذا هو موضع المعركة: ليس أن تعرف أن الله عظيم، بل أن تجعل هذه المعرفة توقف يدك حين تمتد إلى ما لا يرضيه.

🔻 حين يصغر الله في الشعور لا في الاعتقاد

ينبغي أن ننتبه هنا إلى عبارة دقيقة: المسلم لا يعتقد أن شيئًا أعظم من الله، فهذا أصل إيمانه. لكن الخلل قد يقع في الشعور العملي، في لحظة الخوف والهوى والاختيار.

قد يكون اعتقاده صحيحًا، لكن قلبه في موقف معين يتصرف كأن السبب أملك، أو كأن الناس أخطر، أو كأن الشهوة أرحم به، أو كأن المال أضمن له من وعد الله.

وهذا هو المرض الخفي: أن يبقى التوحيد معلومًا في العقل، حاضرًا في اللسان، لكنه لا يحكم لحظة الانفعال.

ليس كل خوف من الناس شركًا.
وليس كل قلق ضعف يقين مذمومًا.
وليس كل اضطراب أمام البلاء سوء ظن بالله.

فالعبد بشر، يخاف ويتألم ويرتجف ويحتاج إلى تثبيت.

لكن الخطر أن يتحول هذا الخوف إلى قائد، وأن يصير السبب ربًا صغيرًا في القلب، وأن تُدار القرارات من موضع الهلع لا من موضع العبودية.

ولهذا يناسب هنا الرجوع إلى مقال كيف تعرف أن قلبك متعلق بغير الله؟؛ لأن الخوف من الفقد يكشف أحيانًا أين كان يستند القلب في الحقيقة.

🔻 فقرة ميزان: التعظيم لا يعني انعدام الضعف

ليس المقصود أن من عظّم الله لا يخاف، ولا يحزن، ولا يقلق، ولا يضعف، ولا يتألم. هذا ليس من فقه النفس ولا من فقه الدين. فالأنبياء والصالحون عرفوا الحزن والخوف والألم، لكن قلوبهم كانت تعود إلى الله ولا تجعل الألم إلهًا يقودها.

تعظيم الله لا يلغي بشريتك، لكنه يمنعها من أن تتحول إلى عبودية لغير الله.

لا يعني أنك لن تبكي، بل يعني ألا يكون بكاؤك اعتراضًا على ربك.
لا يعني أنك لن تأخذ بالأسباب، بل يعني ألا تعبد السبب بقلبك.
لا يعني أنك لن تخاف من المستقبل، بل يعني ألا تنسى أن المستقبل في يد الله لا في يد مخاوفك.
لا يعني أنك لن تحب الناس، بل يعني ألا تجعل رضاهم أثقل من رضا الله.
لا يعني أنك لن تتألم من البلاء، بل يعني ألا تجعل الألم دليلًا على غياب رحمة الله.

فلا تظلم نفسك إذا وجدت ضعفًا عابرًا، ولا تسمّ كل خوف مرضًا، ولا كل دمعة نقصًا في التعظيم. لكن لا تجامل قلبك إن صار خوف المخلوق يوقفك عن طاعة الخالق، أو صار رضا الناس يشتري منك صدقك، أو صار السبب يملك عليك طمأنينتك كلها.

الميزان الدقيق هنا: أن تبقى بشرًا ضعيفًا، لكن لا تجعل ضعفك سيدًا على قلبك.

🔻 كيف نردّ التعظيم إلى موضعه؟

أولًا: صحّح اسم المعركة.

لا تنشغل بمحاربة الظلال وحدها. حين تجد في قلبك رياءً، أو حسدًا، أو يأسًا، أو خوفًا متضخمًا، أو ضعفًا في الخلوة، فاسأل: ما الذي كبر في قلبي حتى أخذ أكثر مما يستحق؟ ثم قل: يا رب، كبُرت الدنيا في قلبي لأن تعظيمك ضعف في شعوري، فاملأ قلبي بما يليق بجلالك.

ثانيًا: استرد معنى: الله أكبر.

قبل كل صلاة، لا تجعل التكبير انتقالًا حركيًا فقط. اجعله محطة تصحيح: الله أكبر من رزقي، ومن خوفي، ومن جرحي، ومن مدح الناس، ومن خسارتي، ومن شهوة قريبة، ومن باب مغلق. قلها كأنك تُلقي خلف ظهرك كل ما تضخم في صدرك، وتقف بين يدي من بيده الأمر كله.

ثالثًا: تعرّف إلى الله من أسمائه لا كمعلومات، بل كحياة.

إذا خفت على الرزق، فقف مع اسم الله الرزاق. وإذا شعرت بالضياع، فقف مع اسم الله الهادي. وإذا أثقلك الذنب، فقف مع اسم الله الغفور. وإذا ظلمك الناس، فقف مع اسم الله العدل. وإذا ضاق بك الطريق، فقف مع اسم الله الفتاح. وإذا ضعفت في الخلوة، فقف مع اسم الله الرقيب. لا تحفظ الأسماء فقط، بل أدخلها في موضع الألم الذي يناسبها.

رابعًا: اجعل القرآن يعيد بناء هيبة الله فيك.

لا تقرأ آيات العظمة مرورًا سريعًا. قف عند قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وقف عند آيات الملك، والخلق، والتدبير، والرزق، والحساب، والرحمة. دع القرآن يخلع من قلبك المبالغة في شأن المخلوق، ويعيد إليه معنى الوقوف بين يدي الخالق.

خامسًا: درّب قلبك في الخلوة.

تعظيم الله يظهر حين لا يراك أحد. في اللحظة التي تستطيع فيها المعصية ولا يمنعك إلا علم الله بك، هناك يُبنى التعظيم. اترك ذنبًا في السر، ولو مرة، وقل: يا رب، تركته لأنك تراني. هذه اللحظات الصغيرة قد تصنع في القلب من الهيبة ما لا تصنعه خطب طويلة.

سادسًا: اخفض صوت الأسباب دون تركها.

خذ بالأسباب كاملة، لكن لا تسمح لها أن تصير مصدر الطمأنينة الأخير. اعمل، واسأل، وخطط، وتداوَ، وابذل، لكن قل لقلبك: الأسباب أبواب، والله هو الفتاح. الأسباب وسائل، والله هو المدبر. الأسباب مأمور بها، لكنها لا تُعبد.

وهذه الفقرة تتصل مباشرة بمقال هل الأسباب تضمن النتيجة؟؛ فالأسباب مأمور بها، لكنها لا تملك النتيجة استقلالًا، ولا تصلح أن تكون مصدر الأمان الأخير في القلب.

سابعًا: اطلب التعظيم من الله.

التعظيم رزق ونور، ولا يُنال بقوة العقل وحدها. قل بصدق: يا رب، ارزقني قلبًا يعرف قدرك، ويستحي من نظرك، ويطمئن بتدبيرك، ويخضع لأمرك. يا رب، لا تجعل شيئًا في قلبي يكبر حتى يزاحم تعظيمك.

🔻 حين يعود الأصل

إذا عاد تعظيم الله إلى القلب، لم تختفِ كل الأمراض دفعة واحدة، لكنها تفقد سلطانها القديم.

يبقى الخوف، لكنه لا يقودك كما كان.
تبقى الشهوة، لكنها لا تبدو رحيمة كما كانت.
يبقى الناس، لكن نظرهم لا يملكك كما كان.
تبقى الأسباب، لكنك لا تنهار عند ضعفها كما كنت.
يبقى البلاء، لكنه لا يقطع ما بينك وبين حسن الظن بالله.
يبقى الذنب ممكنًا، لكن القلب يستحي أن يطيل الإقامة فيه.

تعظيم الله لا يجعل القلب حجرًا، بل يجعله عبدًا. والعبد قد يضعف، لكنه يعرف إلى من يرجع. وقد يخاف، لكنه يعرف من الأكبر. وقد يبكي، لكنه لا ينسى باب من بيده الفرج. وقد يتأخر، لكنه لا يجعل التأخر وطنًا.

حين يعظم الله في القلب، تعود الأشياء إلى أحجامها: الدنيا دنيا، والناس ناس، والسبب سبب، والرزق رزق، والبلاء بلاء، والله هو الكبير المتعال.

أسئلة شائعة حول تعظيم الله وأمراض القلب

ما معنى تعظيم الله في القلب؟

تعظيم الله أن يكون الله تعالى أعظم في خوفك ورجائك وقرارك وخلوك وعلانيتك، لا مجرد كلمة تُقال باللسان. يظهر التعظيم حين تزاحمك الشهوة أو الخوف أو رضا الناس، فتجد في قلبك ما يردّك إلى الله ويمنعك من تقديم غيره عليه.

كيف تعود أمراض القلب إلى ضعف تعظيم الله؟

كثير من أمراض القلب تبدأ حين يكبر شيء في الداخل أكثر مما ينبغي: نظرة الناس، المال، السبب، الشهوة، الخسارة، أو الذات. فإذا ضعف تعظيم الله، تضخمت هذه الأشياء، فظهر الرياء، والحسد، والخوف المذموم، والتعلق، وسوء الظن، والاستهانة بالذنب.

هل الخوف والقلق ينافيان تعظيم الله؟

ليس كل خوف أو قلق نقصًا في التعظيم؛ فالإنسان بشر يخاف ويتألم ويضعف. الخطر أن يتحول الخوف إلى قائد يمنع الطاعة، أو يجعل رضا المخلوق أثقل من رضا الله، أو يجعل السبب مصدر الطمأنينة الأخير بدل الاعتماد على الله.

كيف أعرف أن شيئًا كبر في قلبي أكثر من موضعه؟

انظر إلى الشيء الذي إذا اهتز اضطرب قلبك اضطرابًا زائدًا، أو دفعك إلى معصية، أو منعك من طاعة، أو جعلك تبيع صدقك وكرامتك ودينك. هذا لا يعني الحكم على القلب، لكنه مؤشر يحتاج مراجعة: هل صار هذا الشيء أكبر من حجمه؟

كيف أستعيد تعظيم الله عمليًا؟

استعد معنى الله أكبر قبل الصلاة، واقرأ آيات العظمة بتدبر، وتعرّف إلى أسماء الله في مواضع حاجتك، ودرّب قلبك في الخلوة، واخفض صوت الأسباب دون تركها، وأكثر من الدعاء أن يرزقك الله قلبًا يعرف قدره ويستحي من نظره.

هل تعظيم الله يعني ترك الأسباب؟

لا. تعظيم الله لا يعني ترك الأسباب، بل يعني أخذها دون عبادتها بالقلب. تعمل، وتخطط، وتسعى، وتستشير، لكن لا تجعل السبب مالك النتيجة، ولا تجعل ضعف السبب انهيارًا في يقينك، فالأسباب أبواب والله هو الفتاح.

اقرأ أيضًا

🪶 علامة الذاكرة

من كبُر الله في قلبه، تضاءلت الأشياء في مواضعها، ومن عرف قدر الخالق، استراح من عبودية المخلوق.

فلا تبحث عن علاج كل مرض منفصلًا قبل أن تفتش عن الأصل: ما قدر الله في قلبك عند الخوف؟ عند الشهوة؟ عند الخسارة؟ عند المدح؟ عند الخلوة؟ عند الباب المغلق؟

اللهم عظّمك في قلوبنا حتى تصغر الدنيا في موضعها، وتصغر الشهوة في موضعها، ويصغر خوف الخلق في موضعه. اللهم ارزقنا قلبًا يعرف قدرك، ويستحي من نظرك، ويطمئن بتدبيرك، ويخضع لأمرك، ويعود إليك كلما شرد. اللهم لا تجعل في صدورنا تعظيمًا يزاحم تعظيمك، واجعل تعظيمك أصل عافيتنا، ونور بصيرتنا، وميزان قراراتنا، وسرّ ثباتنا حتى نلقاك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0