ما معنى ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾؟ هندسة الاهتزاز الآمن وقت البلاء

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

ما معنى قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات﴾؟ هذا المقال يشرح كيف نتلقى الابتلاء والنقص دون أن نحولهما داخليًا إلى هلع كلي أو انهيار شامل، وكيف نبني وعيًا إيمانيًا متزنًا يردّ البلاء إلى حجمه الحقيقي، ويحفظ على القلب أدبه مع الله وسط الاهتزاز.

معنى ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع وكيف نتلقى النقص دون هلع كلي

🍂 هندسة الاهتزاز الآمن.. كيف نتلقى ﴿بِشَيْءٍ﴾ دون أن نسقط في "الهلع الكلي"؟

تأمل هذه اللحظة التي قد تقلب ترتيب أيامك في ثوانٍ:

رنين هاتف يحمل خبرًا سيئًا، كشف حساب يخبرك بنقص موجع في مالك، تشخيص طبي يربك يقينك، أو غياب مفاجئ لشخص كنت تشعر أن الحياة تستند إليه.

في لحظة واحدة، تشعر أن الفقاعة الآمنة التي عشت داخلها قد انفجرت. تنظر إلى ما فقدت، فيرتجف قلبك، ويبدأ رأسك في الدوران، وتهمس من الداخل: ماذا حدث؟ كيف اختل كل شيء بهذه السرعة؟

المشكلة الحقيقية في لحظة المصيبة ليست في حجم الخسارة وحده، بل في الانهيار الإدراكي الذي يصاحبها؛ ذلك الشعور العنيف بأن الحياة قد غدرت بك، وأن ما وقع "لا ينبغي أن يقع" أصلًا.

نحن لا نعيش في الدنيا بوصفنا منتظرين للابتلاء، بل بوصفنا — في كثير من الأحيان — أصحاب عقد خفي بالسلامة الدائمة. نبني حول أنفسنا أسوارًا من المال، والصحة، والوظيفة، والناس، والإنجاز، ثم نقنع قلوبنا أننا بهذا قد أمّنا الغد.

ثم تأتي آية واحدة، فتنسف هذا الوهم من جذوره، وتضع يدها على أكثر مناطق النفس هشاشة ودقة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

هذه الآية ليست مجرد إخبار بوقوع البلاء، وليست خطابًا لتخويف القلب، بل هي خريطة نجاة، ومشرط تشخيص، ومنهج توازن لمن أراد أن يمر من وادي النقص دون أن يفقد بوصلة العبودية.


🔻 1. إسقاط "وهم الاستثناء".. لماذا يوجعنا البلاء أكثر مما ينبغي؟

أول ما تكسره الآية هو هذا المرض الخفي في داخلنا: عقلية الاستثناء.

في أعماق النفس، نحن نقرأ أخبار الابتلاء وكأنها تتحدث عن الآخرين. نعم، نعلم نظريًا أن الدنيا دار اختبار، لكننا عمليًا نتصرف وكأننا سنُعفى من أكثر صور الاختبار إيلامًا. نلتزم، ونسعى، ونأخذ بالأسباب، ثم يتسرب إلى داخلنا شعور غير معلن بأننا قد حصلنا على حصانة ما.

وحين تقع المصيبة، لا يؤلمنا الحدث وحده، بل يؤلمنا انكسار التوقع. نحن لا نقولها صراحة دائمًا، لكن معنى خفيًا يصرخ في الداخل: "لماذا أنا؟ ألم أكن أفعل ما ينبغي؟ ألم ألتزم؟ ألم أسع؟"

وهنا يظهر المرض الحقيقي: لقد تعاملنا — من حيث لا نشعر — مع الطاعة وكأنها درع يمنع الأقدار، لا زاد يعين على مواجهتها.

ولهذا بدأت الآية بقوة حاسمة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾. اللام لام قسم، والنون نون توكيد ثقيلة. كأن المعنى: هذا أصل من أصول الطريق، لا استثناء فيه لأحد.

البلاء ليس عطلًا في نظام حياتك، ولا دليلًا لازمًا على أن كل شيء قد فسد، بل هو من صميم طبيعة هذه الدار. أنت لم تُخلق في الجنة بعد، فلا تطلب من الأرض خصائص الفردوس.

وحين يسقط وهم الاستثناء عن قلبك، يسقط معه قدر كبير من مرارة الصدمة. لأنك تنتقل من سؤال: "لماذا حدث هذا أصلًا؟" إلى سؤال أصدق: "كيف أعبر هذا كما يحب الله؟"

وهذا المعنى يلتقي بوضوح مع ما يشرحه مقال ما معنى ﴿فإنك بأعيننا﴾؟، لأن كثيرًا من الانهيار لا يأتي من الحدث وحده، بل من تفسيره على أنه تخلي أو استثناء من الرعاية.


🔻 2. عبقرية ﴿بِشَيْءٍ﴾.. كيف نسقط في "الهلع الكلي" والله تعالى قال: بشيء؟

هنا يكمن أحد أعمق أسرار المواساة في الآية كلها.

الله تعالى لم يقل: ولنبلونكم بالخوف كله، والجوع كله، وفقد الأموال كلها، وضياع الأنفس كلها. بل قال: ﴿بِشَيْءٍ﴾.

بشيء من الخوف.
بشيء من الجوع.
بنقص من الأموال والأنفس والثمرات.

هذه الكلمة وحدها تهدم أكبر آلة تعذيب داخلي عند المبتلى: التهويل.

المصيبة في كثير من الأحيان لا تسحقنا بحجمها الحقيقي، بل يسحقنا التضخيم الداخلي الذي نصنعه حولها. تفقد نسبة من مالك، فيتصرف عقلك كأنك فقدت مستقبلك كله. يختل جانب من صحتك، فتشعر أن الحياة كلها قد انتهت. يغيب شخص واحد من محيطك، فتتحول بقية النعم في عينك إلى فراغ كامل.

هذا هو الهلع الكلي: أن تُبتلى في جزء، لكنك تتعامل مع البلاء وكأنه الكل. أن يُنقص منك شيء، فتمحو أنت بنفسك ما بقي لك من أشياء.

الاختبار أحيانًا لا يكون في الشيء المفقود وحده، بل في: هل ستسمح لهذا الجزء المفقود أن يبتلع الكل الموجود؟

هنا يرسب كثير من الناس.

لا لأن البلاء وحده كان فوق طاقتهم، بل لأنهم عجزوا عن إدارة المتبقي من النعم. انشغلوا بالنقص حتى عموا عن الباقي. رأوا الجرح، ولم يروا الجسد الذي ما زال حيًا. وقفوا أمام الباب الذي أُغلق، ولم يلتفتوا إلى الأبواب التي لا تزال مفتوحة.

ولهذا، فإن أول خطوة لاسترداد التوازن عند المصيبة هي أن ترد الحدث إلى حجمه الحقيقي: لا تقل: تدمرت حياتي. بل قل: نقص مني شيء، وبقيت لي أشياء.

هذه ليست لعبة لغوية، بل نجاة إدراكية.

ليس كل ما اهتز في حياتك يعني أن كل شيء سقط… أحيانًا يكون الذي انكسر جزءًا، لكن الذي هلع في الداخل هو تصورك أنت للكل.

🔻 3. لماذا هذه الخمسة تحديدًا؟ خرائط التعلق وأعمدة الأمان الخفية

الآية لم تترك البلاء غامضًا، بل سمّت مواضعه بدقة: الخوف، الجوع، الأموال، الأنفس، الثمرات.

وهذه ليست قائمة عشوائية، بل هي خرائط التعلق البشري، والأعمدة التي تبني النفس عليها شعورها بالأمان:

الخوف: يضرب الاستقرار النفسي.
الجوع: يضرب الإحساس بالبقاء والكفاية.
الأموال: تضرب مناطق القوة والقدرة والاستغناء.
الأنفس: تضرب الحب والعزوة والارتباط العاطفي.
الثمرات: تضرب الإنجاز والنتائج وتوقعات الحصاد.

وهنا تظهر حقيقة موجعة: كثير من طمأنينتنا لم يكن قائمًا على الله كما نظن، بل على استقرار هذه الأعمدة. فإذا اهتزت، اهتز معها القلب كله؛ لأن القلب كان يستند إليها أكثر مما كان يظن.

من حكمة هذا الابتلاء أنه يكشف لك أين يختبئ تعلقك. أين وضعت وزن قلبك فعلًا. أين ركنت سرًا، واستأنست، واطمأننت، وظننت أنك أمسكت بخيط النجاة.

قد يكون المال عندك أكثر من مجرد وسيلة، بل مصدر الأمان الحقيقي. وقد يكون شخص من الناس عندك أكثر من مجرد محبوب، بل عمود التوازن النفسي كله. وقد تكون الثمرات — النجاح، القبول، الانتشار، الإنجاز — هي المرآة التي ترى فيها قيمتك.

فإذا نُقصت، شعرت أنك أنت الذي نُقصت، لا الشيء فقط.

وهنا يفعل البلاء فعله الكاشف: لا ليهينك، بل ليريك موضع الخلل. لا ليحطمك بالضرورة، بل ليكشف لك ما كنت تستند إليه من دون أن تشعر.


🔻 4. صدمة "الثمرات".. حين ينكسر صنم الاستحقاق

من أوجع ما في الآية أنها لم تذكر الأموال والأنفس فقط، بل ذكرت أيضًا: الثمرات.

وهذه كلمة موجعة جدًا لمن عرف تعب السعي.

تعمل شهورًا أو سنوات، تدرس، وتخطط، وتبذل، وتضبط، وتسهر، وتأخذ بالأسباب بما تستطيع، ثم تأتي لحظة الحصاد، فإذا الثمرة قليلة، أو ضامرة، أو مفقودة، أو يحصدها غيرك، أو ينهار المشروع قبل أن يكتمل.

وهنا لا ينكسر القلب من الخسارة وحدها، بل من شيء أعمق: صنم الاستحقاق.

نحن نأخذ بالأسباب، ثم يتسلل إلى داخلنا شعور خفي بأننا نستحق النتيجة. نتعب، ثم نعتقد — ولو في أعماقنا — أن هذا التعب صار فاتورة موجبة الدفع. فنخلط بين السعي الذي كلفنا به، وبين النتيجة التي لم يملكها أحد قط.

وحين تُنقص الثمرات، ينكشف هذا الصنم. ينكشف أننا لم نكن نريد رضا الله فحسب، بل كنا نطلب أيضًا ضمان النتيجة. كنا نظن أن جودة الأخذ بالأسباب تكفي وحدها لصناعة المآلات.

لكن الحقيقة التي تكسر الكبر الخفي هي: أنت تزرع، لكنك لا تنبت. وأنت تسعى، لكنك لا تملك التوفيق. وأنت تحسن الأسباب، لكنك لا تضمن الثمرات.

ولهذا، فإن نقص الثمرات ليس مجرد خسارة عملية، بل هو في كثير من الأحيان درس توحيد قاسٍ. يعلمك أن واجبك هو الصدق في السعي، لا امتلاك النتائج. وأن الفضل إذا جاء، فهو منحة، لا حق واجب لك على الله.

وهذا يتصل بوضوح بما يشرحه مقال ما معنى ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾؟، لأن المسافة بين السعي والنتيجة ليست فراغًا تملؤه قدرتك، بل موضعًا يتجلى فيه فعل الله وحده.


🔻 5. بين الحزن الطبيعي والانهيار الروحي.. أين يقع الصبر الجميل؟

من أكثر ما يرهق المبتلى أنه يحمل نفسه فوق ما تحتمل.

يبكي، فيظن أنه لم يصبر. يتألم، فيظن أن في إيمانه خللًا حتميًا. يرتبك، فيتوهم أن جزعه البشري أسقطه من عين الله.

وهذا خطأ.

الحزن الطبيعي شيء، والانهيار الروحي شيء آخر.

قد يبكي القلب حتى يضعف الصوت. قد يختنق الصدر أيامًا. قد يثقل الجسد، ويقل الكلام، وتضيق النفس. هذا كله من طبيعة البشر، وليس نقيضًا للصبر.

أما الانهيار الروحي فهو أن يتحول هذا الألم إلى:

سخط على قدر الله
أو اعتراض على حكمه
أو ترك للفرائض
أو قطع لحبال الرجاء
أو سواد كامل يبتلع معنى الحياة والعبودية

الصبر الجميل لا يعني أن تصبح حجرًا لا يشعر. ولا يعني أن تظهر ابتسامة مصطنعة بينما روحك تنهار من الداخل. ولا يعني إنكار الخسارة أو التظاهر بالقوة.

الصبر الجميل هو أن يتألم جسدك ونفسك بما يليق ببشريتك، بينما يبقى قلبك مؤدبًا مع الله. أن تبكي، لكن لا تتهم ربك. أن تحزن، لكن لا تقطع رجاءك. أن تضعف، لكن لا تترك الحبل. أن تتوجع، لكن لا تجعل الألم يقودك إلى معنى فاسد عن ربك.

ولهذا كان جواب الصابرين: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

هذه ليست مجرد عبارة تعزية، بل إعادة بناء كاملة للإدراك.


🔻 6. ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾.. كيف توقف هذه الكلمة نزيف التملك؟

ما الذي يجعل الفقد موجعًا إلى هذه الدرجة؟ ليس لأنه فقد فقط، بل لأن النفس تعاملت مع ما عندها بمنطق: هذا لي.

مالي.
صحتي.
مشروعي.
أهلي.
ثمرة جهدي.
مستقبلي.

وحين تتشرب النفس معنى الملكية المطلقة، فإن أي نقص يقع يترجم فورًا إلى شعور بالسطو، والظلم، والاقتلاع.

لكن حين تقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، فأنت لا تردد جملة، بل تسقط دعوى التملك من جذورها. أنا لله. وما عندي لله. وما أُخذ مني كان لله من قبل أن يصل إليّ. وما بقي لي هو أيضًا لله، وليس مضمون البقاء.

هذا لا يزيل ألم الفقد، لكنه يزيل منه سم الاستحقاق، وغضب المالك المصدوم.

ثم تأتي: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فتنقل القلب من سجن اللحظة إلى أفق المصير. هذا النقص ليس نهاية الطريق. وهذه الدنيا ليست محطة الكمال. ونحن جميعًا سائرون إلى ربنا، حيث لا يضيع عنده وجع، ولا دمعة، ولا صبر، ولا انكسار صادق.

في هذه اللحظة تحديدًا يبدأ الترميم العميق: حين تنتقل من خانة المالك المصدوم إلى خانة العبد المملوك. من خانة: "لماذا سُلبت؟" إلى خانة: "كيف أؤدي عبوديتي في هذا الامتحان؟"


🔻 7. قانون "الانحناء للعاصفة".. كيف لا تنكسر أرواحنا؟

تخيل غصنًا يابسًا يواجه ريحًا شديدة. كلما تشبث بالصلابة المحضة، كان أقرب إلى الانكسار. أما الغصن الحي، فإنه ينحني حتى تمر العاصفة، ثم يستعيد توازنه.

وهكذا القلب مع البلاء.

نحن ننهك أنفسنا كثيرًا لأننا لا نقاوم الألم فقط، بل نقاوم الواقع نفسه. نرفض التصديق. نرفض الاعتراف بما حدث. نظل ندفع الجدار بأكتاف مخلعة، ونحاول إعادة الأمس بالقوة، ونستهلك أرواحنا في إنكار ما وقع.

التسليم هنا لا يعني الاستسلام لليأس، بل يعني التوقف عن الحرب العبثية مع القدر الواقع.

أن تقول بصدق: هذا ما كتبه الله علي الآن، وسأتعلمه كما يرضيه، لا كما تمليه علي فوضاي الداخلية.

هذا الانحناء الواعي هو الذي يحفظك من الانكسار. لا يلغي الدمعة، لكنه يمنع التمزق. لا يزيل الوجع، لكنه يمنعك من تحويله إلى سخط وتيه واعتراض.

وهذا المعنى يلتقي بقوة مع مقال لماذا يؤخر الله الفرج؟، لأن جزءًا من النجاة ليس في معرفة الموعد، بل في ترك القلب يستقر تحت حكم الله بدل أن يظل يقاتل القدر بعناد يستهلكه من الداخل.


🔻 8. الجريمة الصامتة.. حين نحول "النقص" إلى "عدم" مطلق

هنا يقع كثير من الناس في فخ خطير.

يبتلى أحدهم في جانب من حياته، ثم يبدأ — دون أن يشعر — في إعدام بقية حياته بيده. يفقد شيئًا، فيحكم على كل شيء بالموت. ينقص منه باب، فيغلق الأبواب كلها. يحزن على نعمة ذهبت، فيكفر عمليًا ببقية النعم التي بقيت.

يتوقف عن ترتيب يومه. يهمل جسده. ينسحب من الواجبات. يرفض أي مساحة هدوء أو امتنان، وكأنه يرى أن مجرد التنفس داخل بقية النعم خيانة لوجعه.

وهذا ليس صبرًا.

هذا لون من الاحتجاج الخفي على ترتيب الله، وإن لم يقصده صاحبه. لأن معنى هذا السلوك: طالما نقص مني شيء، فلن أعترف بما بقي لي من شيء.

لكن الصبر الجميل الحقيقي يظهر هنا تحديدًا: أن تعيش في المساحات التي لم تُصب دون أن تنكر المساحة التي أصابها البلاء. أن تقول: نعم، أنا موجوع.. لكنني لن أعدم حياتي كلها بسبب هذا الجرح. نعم، نقص مني شيء.. لكن الله أبقى لي أشياء. نعم، أنا في اختبار.. لكنني ما زلت عبدًا مأمورًا بالقيام بما أستطيع.

الحياة اليومية الصغيرة ليست هامشًا في معركة البلاء، بل قد تكون من أهم أدوات الثبات: صلاة في وقتها. غسل وجهك. ترتيب فراشك. جلسة هادئة مع أهلك. كلمة لطف لا يوقفها وجعك. كوب شاي تشربه وأنت تستحضر أن لله عليك نعمًا لم تُسلب.

هذا ليس هروبًا من الألم، بل إدارة شرعية ونفسية للألم.


🔻 9. إذا سقطت في منتصف الطريق.. ماذا تفعل؟

من الأخطاء الشائعة أن بعض الناس يظنون أن الصبر يعني ألا تزل أقدامهم أبدًا، وألا يضعفوا لحظة، وألا يخرج منهم أنين أو تضجر أو ارتباك.

وهذا غير واقعي.

قد تمر عليك ساعة تضيق فيها صدورك. قد تفلت منك كلمة ضعف. قد تسقط في لحظة تهويل. قد تشعر أنك لا تطيق هذا البلاء.

الخطر ليس هنا.

الخطر أن تظن أن تعثرك المؤقت قد أسقطك نهائيًا، فتستسلم، وتترك حبل المجاهدة كله.

الصبر ليس حالة ملائكية صامتة، بل عملية عودة متكررة. كلما جرّك الوجع إلى الحافة، عد. كلما فاجأك الهلع، عد. كلما ثقل قلبك، عد.

وإذا غلبك الضعف، فافعل الحد الأدنى الذي ينقذك:

توضأ لتكسر احتقان الداخل. استغفر عن كل كلمة خرجت من ضيق أو فوضى. صل ركعتين ولو بقلب مكسور. وقل لله بصدق: "يا رب، أنا بشر ضعيف، وقد غلبني وجعي، فاجبر كسري، ولا تكلني إلى نفسي."

هذه العودة نفسها من أعظم دلائل الخير. المشكلة ليست أن تضعف، بل أن تسلم نفسك للضعف حتى يصير هو قائدك.


🔻 10. الحد الأدنى الذي لا يجوز أن يسقط

حين يضربك نقص الدنيا، فاعرف ما الذي يجب ألا تسمح له بالانهيار مهما كان وجعك:

1) باب الفرائض
لا تجعل نقص الدنيا يجرّك إلى نقص الدين. الصلاة ليست بندًا إضافيًا في وقت العافية، بل هي حبل النجاة حين يتفكك كل شيء.

2) باب الأدب مع الله
اشكُ إلى الله كما تشاء، وابكِ بين يديه كما تشاء، لكن لا تحول شكواك إلى صيغة اعتراض عليه. هناك فرق بين الافتقار والمخاصمة.

3) باب رؤية الباقي
لا تعمَ عن الصحة لأن المال نقص. ولا تعمَ عن الأهل لأن ثمرة ضاعت. ولا تعمَ عن الإيمان لأن شيئًا من الدنيا اهتز.

4) باب الأسباب
البكاء مفهوم، لكن البكاء وحده لا يرمم الواقع. ابكِ، ثم انهض، وخذ بالأسباب الممكنة، وامشِ بما تقدر عليه، ولو أعرج.

5) باب الرجاء
إياك أن تجعل الألم يسرق منك المعنى. قد يتأخر الجبر، وقد لا يعود المفقود كما كان، لكن رحمة الله ليست محصورة في الصورة التي كنت تتخيلها للعوض.


🔻 11. مشهد حي.. كيف يبدو "تلقي النقص" في يوم عادي؟

تخيل رجلًا عاد إلى بيته بعد أن أُبلغ بانتهاء عمله. دخل وقلبه يشتعل، ورأسه محاصر بالأسئلة: الإيجار، الطعام، الأولاد، الغد، الاحتمالات كلها.

وقف لحظة على الباب. هنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

ليس الامتحان أولًا في إيجاد وظيفة جديدة، بل في: هل سيمنع هذه الضربة من ابتلاع بيته كله؟

دخل، سلّم على أهله، وحبس فوضاه عنهم ما استطاع. توضأ. صلى ركعتين. جلس قليلًا حتى خف اضطراب أنفاسه. ثم قال في نفسه: "لقد نقص مالي، لكن ربي لم يفارقني. هذه مصيبة، نعم، لكنها ليست نهاية العالم. لن أسمح للخوف أن يتحول إلى إله يدير ليلتي."

بعدها أخذ ورقة، وبدأ يكتب ما يستطيع فعله غدًا: اتصالات. بدائل. ترتيب نفقات. دعاء. هدوء.

هذا هو الاهتزاز الآمن. ليس انعدام الخوف، بل إدارة الخوف. ليس بطولة أسطورية، بل توازن صادق. ليس ادعاء صلابة، بل حسن عبور.

💡 الخاتمة: لا تنظر إلى النقص بعين "الكل".. بل بعين ﴿بِشَيْءٍ﴾

يا من اهتزت اليوم أعمدة أمانه.. يا من يقف الآن أمام مال نقص، أو صحة اضطربت، أو حبيب غاب، أو ثمرة سقطت قبل أوانها..

لا تنظر إلى ما وقع بعدسة الهلع الكلي. لا تسمح للجزء المفقود أن يمحو الكل الباقي. لا تجعل ألمك على ما نقص من دنياك أشد من خوفك على ما قد ينقص من يقينك.

تذكر: الله تعالى قال: ﴿بِشَيْءٍ﴾, لكن عقولنا إذا فزعت حولت الشيء إلى كل شيء.

فإذا هجم عليك التهويل في منتصف الليل، وإذا شعرت أن الدنيا كلها تتداعى، فضع يدك على قلبك، وخذ نفسًا عميقًا، وقل بصدق العبد الذي يريد النجاة لا التمثيل:

"يا رب، لقد نقص مني شيء، وبقيت لي أشياء. وقد اهتزت بعض أعمدة دنياي، لكنك ما زلت ربي الذي لا يزول. اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تجعل نقص دنياي يسرق مني حسن الأدب معك. اللهم إني أبرأ إليك من وهم السيطرة، ومن صنم الاستحقاق، ومن كل تعلق أعمى أبعد قلبي عن تمام التوكل عليك. يا رب، علمني أن أرى البلاء بحجمه الذي حددته أنت، لا بالحجم الذي يصنعه خوفي. وارزقني صبرًا جميلًا، لا يقتل مشاعري، ولا يطلق لساني بالسخط، ولا يطفئ في قلبي نور الرجاء. واجعلني ممن إذا أُخذ منهم شيء، عادوا إليك بكلهم.. وقالوا بصدق وافتقار وتسليم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾."

🔗 اقرأ أيضًا

تعليقات

عدد التعليقات : 0