الانشغال بعيوب الناس: حين ننصح الآخرين لننسى إصلاح أنفسنا

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

الانشغال بعيوب الناس قد يبدو في ظاهره غيرةً على الحق أو حرصًا على الإصلاح، لكنه قد يتحول في الخفاء إلى هروب من إصلاح النفس، وتزكيةٍ ناعمة تجعل الإنسان يشعر بالطهارة لأنه وجد من هو أسوأ منه. هذا المقال يتأمل الفرق بين النصيحة الصادقة، وبين نقد الآخرين لنسيان أمراض القلب الخاصة.

الانشغال بعيوب الناس حين ننصح الآخرين لننسى إصلاح أنفسنا

🪓 عيادةُ الهاربين

حين نُعالج الناس لننسى أمراضنا

أسهل طريقة للهروب من بشاعة عيوبك…
هي أن تنشغل بتنظيف وجوه الآخرين.

نحن لا ننصح الناس دائمًا لأننا نحبهم،
أحيانًا… ننصحهم لأننا نتهرّب من أنفسنا.

🔻 إصلاح النفس جراحة بلا تخدير

إصلاح النفس جراحة بلا تخدير؛
فيها كسر للأنا،
واعتراف بالضعف،
ودموع في الخلوات.

أما إصلاح الآخرين؟

فهو أحيانًا جلوس في مدرجات المتفرجين…
تراقب، وتنتقد، وتلعب دور القاضي بثياب نظيفة.

حين تصرخ في وجه مخطئ:

كيف تفعل هذا؟!

أنت في الغالب لا تبحث عن توبته…
بل تبحث عن جرعة تخدير لضميرك، لتقول لنفسك في السر:

الحمد لله، أنا لست بهذا السوء.

تستمد شعورك بالفضيلة… من سقوط غيرك.

وتشعر بالطهارة… فقط لأنك تنظر إلى وحل الآخرين.

وهذا المعنى يقترب من خطر تزكية النفس الخفية؛ حين لا يقول الإنسان: أنا طاهر، لكنه يلمّع صورته بمقارنة نفسه بمن سقطوا.

🔻 القذاة والجذع

هنا تحديدًا رُسم هذا المشهد المرعب.

وقد ورد في الأثر معنى شديد: أن الإنسان قد يرى القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه.

تخيّل المشهد بصدق…

أنت تمشي وجذع شجرة يخترق عينك،
يعميك، ويشوّه رؤيتك…
لكنك تتجاهله تمامًا، وتقترب من أخيك بكل اهتمام، لتخرج ذرة غبار من عينه.

أيعقل أن تشتعل النار في غرفة نومك،
وتتركها لتسقي وردةً في حديقة جارك؟

🔻 الزجاج المتسخ

نحن ننظر إلى العالم من خلف زجاجنا المتسخ.

من امتلأ قلبه بالرياء، شكّ في كل متصدق.

ومن تلوثت خلواته، أساء الظنّ بالطاهرين.

ومن غلبه الكِبر، رأى في كل نصيحة استعلاء.

ومن لم يواجه مرضه، صار يوزّع التشخيصات على الناس كأن قلبه عيادة مفتوحة.

نحن لا نشخّص الناس دائمًا…
أحيانًا نُسقط أمراضنا عليهم لنشعر أن الوباء عام.

ومن هنا يبدأ باب سوء الظن والغيبة؛ لأن القلب المريض لا يقرأ أفعال الناس كما هي، بل يمررها عبر زجاجه الداخلي المتسخ.

🔻 مشهد صغير يفضح الهروب

ترى منشورًا فيه خطأ، فتندفع للتعليق بقسوة.

تكتب، وتوبّخ، وتستعرض غيرتك، وتُلبس حدّتك ثوب النصح.

لكن في العمق… أنت لا تريد الإصلاح دائمًا.

أحيانًا تريد أن يراك الناس حارسًا للحق، وأن تشعر أنت لثوانٍ أنك في جهة الطهارة، لا في جهة المرض.

ثم تغلق الهاتف مرتاحًا…

لا لأنك نصحت،
بل لأنك هربت من وجع عيبك الخاص نصف ساعة أخرى.

وهنا يصبح الخطأ الذي رأيته في غيرك مجرد ستارٍ علّقته على باب عيبك، حتى لا تدخل إليه.

وهذا قريب من معنى الرياء في العمل الصالح؛ لأن النصح نفسه قد يتحول من عبادة إلى منصة لصناعة صورة جميلة أمام الناس.

🔻 ليس المقصود ترك النصيحة

وليس معنى هذا أن تترك النصيحة، أو تسكت عن المنكر، أو تتظاهر بأن أخطاء الناس لا تعنيك.

النصيحة عبادة.

لكن النصيحة لا تُقبل من قلبٍ يتلذذ بفضح العيب، بل من قلبٍ يخاف أن يكون مبتلى بصورةٍ أخرى من المرض نفسه.

الفرق كبير بين ناصحٍ يبكي على نفسه وهو ينصح، وبين متفرجٍ يتغذى على عيوب الناس.

الناصح الصادق يرى خطأ أخيه فيحزن،
والمريض الهارب يرى خطأ أخيه فيرتاح.

الناصح يريد إنقاذ غيره،
أما الهارب فيريد فقط أن يثبت لنفسه أنه أفضل من غيره.

وهنا يظهر الفرق كله:

هل تنصح وأنت تستحضر ضعفك؟
أم تنصح وأنت تُقيم منصة فوق عيوب الناس؟

وليس كل من يرفع شعار النصيحة يُحسن أثرها، كما يوضح معنى النية الطيبة حين تبرر الأذى؛ فالقسوة لا تصبح رحمة لمجرد أننا سمّيناها نصيحة.

🔻 الخلاصة التي تكسر الكبرياء

يوم القيامة…

لن يكون مدار حسابك على عيوب جارك،
ولا على اعوجاج صديقك،
ولا على ضعف من كنت تنتقده كل يوم.

ستقف بمفردك،
وتُسأل عن خرابك الداخلي الذي تركته يتعفن، بينما كنت مشغولًا بكنس عتبات الناس.

من أبصر عيبه… هان عليه تتبع عيوب الخلق.

ومن تفرّغ لتشخيص الناس… قد يموت بمرضه وهو يظن أنه طبيب.

🔻 الجرح الأقدم

وهناك زاوية أعمق لا تحب النفس أن تراها في المرآة:

أنت لا تهرب من إصلاح نفسك لأن الطريق صعب فقط…

أنت تهرب لأنك تخاف أن تكتشف أن الجرح أقدم مما كنت تظن، وأعمق مما تسمح به مسكنات الأعذار.

أسهل أن تمسك مكنسة وتكنس عتبات الناس،
من أن تفتح باب غرفة في بيتك وتشم رائحة العفن التي حفظتها الذاكرة.

أسهل أن ترفع صوتك على خطأ غيرك،
من أن تخفض رأسك أمام حقيقة أنك تؤجل توبتك منذ سنوات.

🔻 ضمادات الإدانة

كل مرة تُمسك فيها حجر الإدانة لترميه،
تتخيل أنك تبني جدارًا يحميك من النظر إلى نفسك…

لكن الحقيقة أنك تبني قبرًا صغيرًا لضميرك.

كل كلمة قاسية تقولها في غيرك،
هي ضمادة مؤقتة تضعها على نزيفك الداخلي.

توقف الألم لحظة…
ثم يعود أعمق وأوسع.

🔻 حين تألف الجذع في عينك

المشكلة ليست أنك ترى القذاة في عيون الناس.

المشكلة أنك تعوّدت على ثقل الجذع في عينك حتى صار جزءًا من المشهد.

حتى صار الألم هو الطبيعي،
وصار الإنكار هو الهواء الذي تتنفسه.

تخاف أن تنزعه…
لأنك تعلم أن نزعه يعني دمًا كثيرًا،
واعترافًا طويلًا،
وسجودًا لا تجميل فيه،
وتوبةً لا تصلح معها الأقنعة.

يعني أن تعترف أخيرًا أنك لست طبيبًا…

بل مريضًا يؤجل العلاج.

🔻 الأسئلة التي لا تهرب منها

كم مرة وعظت غيرك لتنسى نفسك؟

كم مرة أصلحت سطرًا في حياة شخص، وتركت كتابك كله ممزق الصفحات؟

كم مرة شعرت براحة كاذبة لأنك وجدت شخصًا أسوأ منك، فجلست بجانبه لتقنع نفسك أنك بخير؟

كم مرة جعلت عيب غيرك مخدرًا لجرحك؟

وكم مرة رفعت صوتك على خطأ الناس، لأنك لا تريد أن تسمع صوت الحقيقة في داخلك؟

وقبل أن تنصح اليوم، اسأل نفسك:

هل أريد وجه الله؟
هل أحزن على أخي فعلًا؟
هل أرى في خطئه مرآةً لضعفي؟
هل أصلحت من نفسي شيئًا مما أطالب الناس به؟
هل سأقول النصيحة لو لم يرني أحد؟
وهل سأبقى رحيمًا لو لم يستجب المنصوح فورًا؟

ابدأ بجذعك… ثم اقترب من قذاة أخيك بقلبٍ مرتجف، لا بيدٍ متعالية.

🔗 اقرأ أيضًا

🔻 الحقيقة القاسية

الذي يهرب إلى عيوب الناس، إنما يهرب من موعده مع نفسه بين يدي الله.

والذي يطيل الوقوف أمام مرايا الآخرين، يؤجل الوقوف أمام مرآة قلبه.

وفي النهاية…

ستقف وحدك،
بلا جمهور،
بلا مدرجات،
بلا مقارنات،
بلا شخص أسوأ منك تستند إلى سقوطه.

ويقف معك شيء واحد فقط:

صورتك الحقيقية… كما هي، بلا مساحيق، ولا أعذار.

تعليقات

عدد التعليقات : 0