معنى اسم الله الرحمن: سعة الرحمة وأثرها في الرجاء والعمل

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

معنى اسم الله الرحمن يفتح للقلب معنى سعة الرحمة التي تظهر آثارها في النعم والإمهال وفتح باب التوبة، فلا تُحصر في مواساة بعد ذنب واحد. محور هذه المقالة معرفة هذه السعة وأثرها في الرجاء والعمل، دون أن تتحول النعمة أو المشاعر إلى شهادة بقبول شخص أو منزلته، ودون أن تصبح الرحمة عذرًا للتمادي.

معنى اسم الله الرحمن وكيف يهدم اليأس بعد الذنب ويفتح باب الرجاء

🕊️ أسماء الله الحسنى: الرَّحمن

حين يكسرك الذنب… فلا تجعل اليأس يكسر رجوعك

من أكثر ما يُتعب الإنسان أنه يعيش في هذه الدنيا وهو يظنّ أحيانًا أن خطأً واحدًا قادرٌ على إغلاق كل شيء.

ليست المشكلة دائمًا أن الإنسان يذنب… المشكلة أحيانًا أنه بعد الذنب يبدأ يكوّن في داخله صورةً قاسية عن الله.

يظن أنه ابتعد جدًا. وأنه أفسد كل شيء. وأنه لم يَعُد يليق بالرجوع. وأن كثرة تقصيره جعلت باب الرحمة أبعد مما يُنال، وأنه كلما تأخر ازداد الأمر انغلاقًا، حتى يتحول الذنب في داخله من معصيةٍ تحتاج إلى توبة… إلى يأسٍ يصوّر له أن الطريق نفسه لم يَعُد له.

وهنا لا يكون العذاب فقط في الذنب، بل في هذا الوهم الثقيل: أن تتعامل مع الله وكأنه ينتظر لحظة سقوطك ليغلق الباب، أو كأن رحمته كانت ممكنةً قبل هذا الخطأ، ثم صارت بعده بعيدةً عنك، أو كأن كثرة تعثرك أخرجتك من موضع الرجاء.

وهنا يأتي هذا الاسم العظيم، لا ليربّت على قلبك بكلماتٍ رقيقة فحسب، بل ليهدم هذا الوهم من أساسه، ويكشف لك كم كنت تسيء الفهم وأنت تظن أنك تفهم:

الرَّحمن


🔻 معنى اسم الرحمن وسعة الرحمة

بعض الناس لا يحتاجون فقط إلى تذكيرٍ بالطاعة، بل يحتاجون أولًا إلى إنقاذ قلوبهم من الصورة الخاطئة التي رسموها عن ربهم.

فالشيطان لا يكتفي بأن يوقعك في الذنب. هذه عنده بداية الطريق فقط. أما غايته الأثقل فهي أن يقنعك بعد الذنب أنك لم تعد تصلح للهداية، ولا تستحق القرب، ولا يليق بك أن ترفع يديك أصلًا، ولا أن تعود، ولا أن ترجو، ولا أن تطرق الباب مرةً أخرى.

وهنا تتجلى عظمة هذا الاسم: الرَّحمن.

الذي وسعت رحمته من عصاه كما وسعت من أطاعه. وأدركت من غفل عنه كما أدركت من لجأ إليه. وفتحت لعباده أبواب النعمة قبل أن يسألوه، وأبواب التوبة بعد أن عصوه، وأمهلتهم بعد الزلل، وسترتهم بعد القبح، ولم تعاملهم بما يستحقون في كل لحظة، بل عاملتهم كثيرًا بما يليق برحمته.

كم عبدٍ نام وهو مقصر، ثم استيقظ في صباحٍ جديد. من الذي أذن للشمس أن تشرق عليه مرةً أخرى؟ من الذي لم يقطع عنه الهواء؟ من الذي لم يمنع عنه الطعام؟ من الذي لم يفضحه على رؤوس الناس؟ من الذي أبقاه حيًّا رغم أن ذنوبه كانت تكفيه ليخجل من نفسه؟

إنه الرَّحمن.

وهذا وحده يكفي ليكسر من قلبك وهم القطيعة المطلقة.


🔻 كبرياء اليأس الخفي: حين تظن أن ذنبك أعظم من الرحمة

التفت لهذه اللمحة التشخيصية الدقيقة: اليأس بعد الذنب ليس دائمًا تواضعًا، ولا شدة خجل، ولا علامة صدقٍ في الخوف من الله؛ قد يكون في بعض صوره كبرياءً مقنّعًا لا ينتبه له صاحبه.

حين تنظر إلى معصيتك وتقول بنبرة انغلاق: هذا الذنب لا يمكن أن يُغفر، فأنت من حيث لا تشعر تجعل ذنبك — وهو فعل مخلوق محدود — أعظم في قلبك من سعة رحمة الله. تقيس رحمة ربك بميزان عجزك البشري الضيق، وتتوهم أن خطأك قادر على إغلاق بابٍ فتحه الرحمن لعباده.

وهذا من تلبيس اليأس: يجعلك تظن أنك تعظّم الذنب، بينما أنت في الحقيقة تنسى عظمة من ترجوه بعد الذنب.


🔻 ومن أعجب ما في هذا الاسم… أن رحمته تسبق وعينا بها

أنت أحيانًا تطلب من الله شيئًا واحدًا، بينما رحمته تعمل في حياتك من عشرات الجهات التي لا تراها.

من آثار رحمته ما تشهده من رزق وستر ومهلة وأسباب تعينك على الحياة والرجوع إليه. أما منع شيء بعينه أو تأخيره فلا يكشف لنا وحده غرضًا خفيًا؛ فلا نجزم بأنه حماك من ضرر محدد، أو وقع ليغير فيك صفة بعينها.

فليست الرحمة دائمًا أن يُعطى القلب ما يشتهي. بل كثيرًا ما تكون الرحمة أن يُمنع مما يهواه لئلا يخسر نفسه.

لا نعرف ما كان سيقع لو فُتح باب أُغلق، ولا نحيط بعواقب أمنية لم تقع. وقد يبقى سبب المنع مستورًا عنا؛ فلا نخترع له قصة مريحة، ولا نجعل عدم معرفتنا به دليلًا على غياب الرحمة.

معرفة اسم الرحمن توسع نظر القلب إلى النعم التي يعرفها، وتحفظ رجاءه فيما لا يعرفه، دون أن تمنحه حق تعيين حكمة الله في أقدار الناس.

وهذا المعنى يجاور ما بُسط في اسم الله الرحيم؛ فليست كل رحمة تأتي في صورة راحة مباشرة، وبعض أبواب الجبر تبدأ من كسرٍ يردّ القلب إلى الله.


🔻 بنية الرحمة: ليست شعورًا عابرًا بل معنى يقوم عليه وجودك

يجب أن يتأسس في وعيك مفهوم حاسم: الرحمة في اسم الرحمن ليست مجرد مواساة شعورية تُمنح للمنكسرين، بل هي معنى عظيم ترى آثاره في قيام حياتك نفسها.

من آثار رحمته أن يستمر قلبك في النبض، وأن تتنفس رئتاك، وأن تتجدد خلاياك، وأن تُمهل بعد الذنب، وأن يُفتح لك باب الرجوع، وأن لا تُؤخذ بكل ما فعلت فورًا. كم مرة عصى العبد ربَّه، ومع ذلك بقيت عليه نعمٌ لا يحصيها، وستره الله، وأمهله، وأبقى له من أسباب الحياة ما يذكّره أن الباب لم يُغلق بعد.

لو عومل الإنسان بمجرد ما يستحقه في كل لحظة، لضاق عليه الأمر من أول زلة. لكن الرحمن يبقي لك من النعم، والستر، والمهلة، والوعي، والندم، ما يكون طريقًا للعودة لا ذريعةً للتمادي.


🔻 اسم “الرحمن” يعلّمك أن الله لا يراك من زاوية خطئك فقط

من أعظم ما يفسد القلب بعد الذنب أنه يختزل نفسه في خطئه، ثم يظن أن الله يختزله فيه أيضًا.

يرى زلته، فيظن أن الله لا يرى غيرها. ويرى تكراره، فيظن أن باب القبول ضاق عليه. ويرى ضعفه، فيتوهم أن الرحمة ابتعدت عنه. ويرى تعثره، فيبني في داخله صورةً تقول له: أنت لم تعد أهلًا لشيء.

لكن الله الرحمن لا يعاملك فقط بما أنت عليه في لحظة السقوط، بل يرحم ضعفك، وتخبطك، وخوفك، وقلة حيلتك، والحروب التي لا يراها أحد في داخلك.

الناس قد يرون ظاهر خطئك، لكن الله يعلم كم فيك من تعب. يعلم كم فيك من هشاشة. ويعلم كم فيك من ندمٍ لم تستطع أن تصوغه كلامًا. يعلم كم مرة قاومت ثم سقطت. وكم مرة أردت الرجوع، لكنك عجزت عن أول خطوة. وكم مرة خفت من نفسك، وضقت بها، وكرهت ما وصلت إليه، لكنك لم تعرف كيف تبدأ.

وهنا يأتي هذا الاسم ليقول لقلبك: ربك ليس بعيدًا عن كسرك. ربك رحمن.

ليس معنى هذا أن المعصية هينة، ولا أن التأخر في التوبة آمن، ولا أن الإنسان يُدلل نفسه باسم الرجاء. لا. المعنى أن الطريق إلى الله لا يُغلق لأنك سقطت، بل يُفتح لك من جديد لأن ربك رحمن.


🔻 المشهد الحي: أرق الليل وخيوط الفضيحة الرقمية

تأمل هذا التجسيد المعاصر للذنب: شاب يقف في الثالثة فجرًا، يغلق شاشة هاتفه بوعي مهزوم ونبض متسارع بعد أن سقط مجددًا في ذنب إلكتروني متكرر، أو حوار مستنزف خفي لم يكن ينبغي له أن يخوضه. يمسح سجل التصفح بهلع، ويحذف الرسائل والصور، وينظر إلى شاشة هاتفه السوداء الباردة المنعكسة على وجهه المظلم المنهك.

🔻 الحوار الداخلي: همس الجلّاد الصامت

في تلك الغرفة الباردة الصامتة، يستمع في وعيه الباطن إلى صوته الداخلي المخيف وهو يحاكمه بقسوة ويطرده:

كم أنت ضعيف ومتناقض. تمسح الأثر من شاشة الهاتف بحرص لئلا يراك البشر، وتنسى أن الله يراك؟ كيف ستصلي الفجر غدًا بهذا القلب المثقل؟ لقد تبت مرارًا ثم عدت، ووعدت ثم ضعفت، فهل بقي فيك صدق؟ هل ما زال يليق بك أن تقف على عتبة الرجوع؟

هذا المونولوج الداخلي الجلّاد من أخطر مداخل الشيطان؛ لا يريد أن يوقظك من الذنب، بل يريد أن يخنق روحك بالكلية، ويوهمك أن جفاف عينيك، وتكرار ضعفك، وثقل قلبك، تعني أن باب الرحمة قد أغلق دونك.

وهنا يأتي اسم الرحمن لا ليهوّن الذنب، بل ليمنع اليأس من أن يتحول إلى ذنبٍ آخر أشد فتكًا بقلبك.

وهذا قريب جدًا من معنى وسوسة الشيطان بعد الذنب؛ حين يرتدي اليأس ثوب الضمير، لا ليعيدك إلى الله، بل ليقطعك عن الرجوع إليه.


🔻 ومن أشدّ ما يفضح جهلنا باسم “الرحمن”

أن بعضنا يرحم الناس أحيانًا أكثر مما يظن أن الله يرحمه.

يلتمس العذر لبشرٍ مثله، فإذا تعلق الأمر بنفسه أمام الله تصور أن الرحمة انتهت، وأن الخطأ الأخير كان القشة التي أسقطت كل شيء، وأنه بلغ من القبح مبلغًا لا يليق بعده أن يرجو.

يا لهذا الجهل.

أنت لا تتعامل مع قلبٍ بشريٍّ ضيق، ولا مع مخلوقٍ ينفد صبره، ولا مع أحدٍ تحكمه المزاجية، ولا مع من يملّ من كثرة رجوعك، ولا مع من يفتح الباب مرةً ثم يضيقه إذا عدت.

أنت تتعامل مع الرَّحمن.

وقد يدفع الألم من الذنب صاحبه إلى مراجعة نفسه والرجوع إلى الله، لكنه وحده لا يكشف حال القلب، ولا يدل على قبول أو رد، ولا يثبت لنا سببًا خاصًا أراده الله لشعور شخص بعينه. وإنما باب الرحمة والرجاء ثابت بما أخبر الله به عباده، لا بما نستنتجه من شدة مشاعرنا أو ضعفها.


🔻 ليس كل ألمٍ ضد الرحمة

لا يصح أن نجعل الألم وحده دليلًا على غضب الله أو غياب الرحمة، كما لا نملك أن نجزم بما وراءه من حكمة خاصة.

قد يدفع الألم الإنسان إلى مراجعة نفسه وإصلاح ما يستطيع، لكن انتفاعه بما وقع لا يثبت أن هذه المنفعة هي الغرض المحدد الذي أريد بتلك الواقعة.

فتتألم، نعم. لكن ليس كل ألمٍ ضد الرحمة.

لا نَعِد المتألم بأن كل انكسار سيكشف له معنى مريحًا، ولا نطلب منه أن يسمي وجعه راحة. يبقى مأمورًا بالدعاء والعلاج والإصلاح وحفظ الحقوق والأخذ بالأسباب، مع رجاء رحمة الله دون اقتحام الغيب.

ولهذا فمن عرف أن الله الرحمن لم يفسر كل منعٍ على أنه طرد، ولم يظن كل بلاءٍ علامة غضب، ولم يجعل تأخر الفرج دليلًا على الإهمال، بل بقي قلبه معلقًا برجاءٍ لا ينقطع، حتى وهو يبكي.

ومن هنا يلتقي معنى الرحمن مع معنى اسم الله اللطيف؛ فقد تأتي الرحمة أحيانًا في صورة لا تشبه الرحمة عند أول نظر.


🔻 اسم “الرحمن” لا يصلح أن يبقى معلومة

هذا الاسم يجب أن يعيد بناء علاقتك بالله.

إذا أذنبت… لا تهرب. إذا ضعفت… لا تيأس. إذا تأخرت… لا تستسلم. إذا قست نفسك عليك… لا تُسئ الظن بربك. إذا شعرت أن قلبك مكسور… فتذكر أن أقرب الأبواب إلى الجبر هو باب الرحمن.

قل:

أنا لا أملك شيئًا أقدمه، لكن لي ربًّا رحمنًا. أنا كثير التقصير، لكن لي ربًّا رحمنًا. أنا أتخبط، وأضعف، وأعود ثم أتعثر، لكن لي ربًّا رحمنًا. أنا أخاف من نفسي، وأخجل من ذنبي، وأتأخر كثيرًا، لكن لي ربًّا رحمنًا.

وهذا ليس تبريرًا للذنب، بل حبل نجاةٍ من القنوط.

لأن القنوط يقطعك، أما الرجاء الصادق فيعيدك إلى الطريق. القنوط يجعلك تستسلم لأسوأ ما فيك. أما الرجاء فيجعلك تبكي، وتنهض، وتعود، وتخجل، وتحاول مرةً أخرى. القنوط يخدم الشيطان أكثر مما يخدمه الذنب نفسه؛ لأنه يغلق في وجهك معنى الرجوع.

ومعرفة اسم الرحمن تحمي باب الرجاء من هذا الإغلاق؛ فالرجاء قائم بما أخبر الله به عباده، لا بما نحكم به على أنفسنا من رجفة أو راحة عابرة.


🔻 ومن آثار رحمته بك… أن يوقظ فيك الحاجة إليه

إذا شعرت يومًا أن قلبك مثقل، وأنك على وشك الاستسلام لليأس، فاجعل هذا الشعور داعيًا إلى التوبة وطلب العون. ولا تجزم من وجوده بسبب خاص أراده الله لك أو بمنزلة لك عنده؛ إنما ترجو رحمته وتعمل بما تستطيع.

إن شعورك بالحاجة إليه ليس أمرًا عاديًا. ووجعك من بعدك ليس أمرًا تافهًا.

قد يدفع الندم والخوف صاحبهما إلى التوبة والرجوع، لكنهما وحدهما لا يكشفان حال القلب، ولا يثبتان قبول التوبة. وباب الرجاء لا نأخذه من شدة شعورنا أو ضعفه، بل من وعد الله العام لعباده بالتوبة والمغفرة.


🔻 رحمة الرحمن لا تُستعمل للهروب منه

وهنا يجب أن ينتبه القلب: الرجاء في الرحمن لا يعني أن يحوّل الإنسان الرحمة إلى رخصةٍ باردة للتمادي، ولا أن يجعل سعة الرحمة ستارًا يختبئ خلفه من التوبة. فمن فهم الرحمة هكذا، لم يفهمها؛ لأنه جعل الدواء ذريعةً للبقاء في المرض، وجعل الباب المفتوح عذرًا لتأجيل الدخول.

الرحمة التي تعرف الله بها لا تجعلك أجرأ على الذنب، بل أصدق في الرجوع. لا تقول لك: أقم في خطئك آمنًا، بل تقول لك: لا تيأس وأنت خارج الباب. لا تتركك مطمئنًا إلى قبحك، بل تمنحك شجاعة العودة من قبحك.

فالفرق كبير بين عبدٍ يذنب ثم يفرّ إلى الرحمن مكسورًا، وعبدٍ يذنب ثم يتخذ اسم الرحمن وسادةً ينام عليها في غفلته. الأول عرف الرحمة بابًا، والثاني جعلها حجابًا.


🔻 اسم “الرحمن” يمنعك من هلاكٍ أخفى من الذنب

ليس أعظم ما في هذا الاسم أنه يريحك فقط، بل أنه يمنعك من الهلاك الداخلي.

فالإنسان قد يسقط بسبب ذنبه، نعم. لكنه كثيرًا ما يهلك بسبب يأسه من رحمة الله. وقد يضعفه تقصيره، لكن الذي يقطعه حقًا هو أن يصدق الوهم الذي يقول له: لا فائدة. وقد يتعثر في الطريق، لكن الذي يطفئه هو أن يظن أن الطريق لم يعد له. وقد يذنب، لكن الذي يقتله أن يحمل ذنبه وينسى ربَّه.

فلا تحمل ذنبك وتنسى ربك. ولا تنظر إلى ضعفك وتغفل عن سعة رحمته. ولا تجعل الشيطان يقنعك أنك أبعد من أن تُرحم. ولا تجعل كثرة سقوطك حجةً لترك الباب الذي لا يُغلق إلا على من أعرض عنه واستكبر.

وهذا المعنى قريب من مقالة اسم الله الغفار وتكرار الذنب؛ لأن تكرر السقوط لا ينبغي أن يتحول إلى حجة لليأس من الرجوع.

أنت تتعامل مع الرَّحمن.

ومهما اشتد بك التيه، ومهما طال بك التقصير، ومهما ثقل قلبك بما فيه، ومهما تشابكت أخطاؤك، ومهما خفت من نفسك… فباب الرحمن ليس بابًا يُفتح لك مرةً واحدة ثم يُغلق، بل بابٌ كلما عدت إليه صادقًا وجدته أوسع مما ظننت.


ماذا تفعل إذا غلبك اليأس بعد الذنب؟

إذا غلبك اليأس بعد الذنب، فلا تبدأ بجلد نفسك حتى تنهار، ولا بتبرير الذنب حتى يبرد قلبك. ابدأ بالرجوع العملي الصادق: اعترف بالذنب، واقطع الطريق المؤدي إليه قدر استطاعتك، واستغفر، وصلِّ ولو بقلب مكسور، وقل لنفسك بوضوح: الذنب خطير، لكن اليأس ليس علاجًا.

  • لا تجعل أول رد فعل بعد الذنب هو الهروب من الصلاة أو الدعاء.
  • أغلق السبب القريب الذي أدخلك في المعصية، ولو بخطوة صغيرة.
  • فرّق بين الندم الذي يعيدك إلى الله، واليأس الذي يقطعك عنه.
  • لا تقل: لا فائدة؛ قل: لا نجاة لي إلا بالرجوع إلى الرحمن.
  • استعن بعبادة صغيرة ثابتة بعد السقوط، حتى لا يتحول الذنب إلى قطيعة طويلة.

🔻 فقل بقلبٍ حاضر

يا الله، يا رحمن،
لا تجعل ذنبي أكبر في عيني من رحمتك، ولا تجعل ضعفي يقطعني عن بابك، ولا تتركني لفهمي القاسي عنك، ولا ليأسي من نفسي.

يا رحمن،
إن كنتُ قد أسرفتُ على نفسي، فلا تحرمني حلاوة الرجوع إليك. وإن كنتُ قد تأخرتُ طويلًا، فلا تؤخر عني رحمة التوبة. وإن كنتُ قد سقطتُ مرارًا، فلا تجعل تكرار السقوط حجابًا بيني وبين حسن الظن بك.

يا رحمن،
ارحمني إذا قسوتُ على نفسي حتى كدتُ أختنق. وارحمني إذا خوّفني الشيطان منك حتى كدتُ أهرب منك إليّ. وارحمني إذا التبس عليّ الفرق بين الخوف منك والخوف من الرجوع إليك.

يا رحمن،
افتح لي بابك، واكسر في قلبي اليأس، وخذ بيدي إليك، ولا تجعلني ممن يتعبهم ذنبهم أكثر مما يعرفون رحمتك.


أسئلة شائعة حول معنى اسم الله الرحمن

ما معنى اسم الله الرحمن؟

معنى اسم الله الرحمن يدل على سعة رحمة الله تعالى وعظيم إحسانه بعباده. وهذا المعنى لا يقتصر على المواساة بعد الذنب، بل يعيد بناء علاقة العبد بربه، فيفهم أن الرحمة باب رجوع وتوبة، لا عذرًا للتمادي، ولا سببًا لليأس إذا وقع في التقصير.

كيف أتغلب على اليأس بعد الذنب؟

تتغلب على اليأس بعد الذنب بأن تفرّق بين الندم والقنوط. الندم يدفعك إلى التوبة والرجوع، أما القنوط فيقطعك عن الله ويخدم وسوسة الشيطان. اعترف بخطئك، واستغفر، وخذ سببًا عمليًا يمنع تكراره، ولا تجعل سقوطك دليلًا على أن باب الرحمة أغلق.

هل الرجاء في رحمة الله يعني التهاون بالمعصية؟

لا، الرجاء في رحمة الله لا يعني التهاون بالمعصية. الرجاء الصحيح يجعلك أصدق في الرجوع، لا أجرأ على الذنب. فمن جعل الرحمة ستارًا للتمادي لم يفهمها، ومن جعلها بابًا للتوبة فقد انتفع بها. الرحمة لا تهوّن الذنب، لكنها تمنع اليأس من الرجوع.

لماذا أشعر أن الله لن يغفر لي بعد تكرار الذنب؟

هذا الشعور قد يكون من ضغط الندم، وقد يكون من وسوسة الشيطان التي تريد تحويل الذنب إلى قطيعة. تكرار الذنب خطير ويحتاج مجاهدة وأخذ أسباب، لكنه لا يعني أن الرحمة انتهت. الخطر أن تجعل كثرة السقوط حجة لترك الباب بدل أن تجعلها سببًا لصدق الرجوع.

اقرأ أيضًا


🔻 وفي النهاية

ليس أعظم ما في اسم الرحمن أنه يريحك فقط… بل أنه يردك إلى الله كلما كدت تهلك في الطريق إليه.

يردك حين يكسرك الذنب. ويردك حين يخدعك اليأس. ويردك حين تظن أن كثرة تقصيرك أبعدتك أبعد مما تُدركه الرحمة. ويردك حين يهمس لك الشيطان أن الباب لم يَعُد لك.

فاحذر أن تنظر إلى ذنبك وتنسى الرحمن. واحذر أن تسيء فهم تأخيرك فتجعله دليل طرد. واحذر أن تبني بينك وبين الله جدارًا من الوهم، والله أرحم بك من نفسك حين تقسو عليك.

فمهما اشتد بك التيه، ومهما طال بك التعثر، ومهما ثقل قلبك بما فيه… لا تنسَ مع من تتعامل.

أنت تتعامل مع الرَّحمن.

وهنا يهدأ القلب… لا لأن الذنب صار هينًا، ولا لأن الطريق بلا مجاهدة، بل لأن العبد عرف أن له ربًّا إذا عاد إليه صادقًا، لم يجده ضيقًا كما أوهمه خوفه… بل وجده أرحم مما ظن، وأقرب مما تخيل، وأوسع بابًا مما أوهمه يأسه.

اليأس بعد الذنب قيدٌ خفيّ يصنعه العقل حين ينسى سعة الرحمن. فمن ظن أن سقطته أغلقت باب الرحمة، فقد نظر إلى ذنبه أكثر مما نظر إلى ربّه. فارجع إلى الرحمن بتوبة صادقة، وارجُ القبول، وخذ بأسباب ترك المعصية، دون أن تجعل انكسارك وحده شهادة على ما لا تعلم.

تعليقات

عدد التعليقات : 0