الشرك الخفي والرياء: كيف تكتشف الشريك الصامت في قلبك وتطرده؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

الشرك الخفي والرياء لا يظهران دائمًا في صورة عبادة صنمٍ ظاهر، بل قد يتسللان إلى القلب حين يقول اللسان: الله أكبر، بينما تتصرف الطمأنينة كأن الأزمة أو السبب أو رضا الناس أكبر. هذا المقال يفتش في متلازمة الشريك الخفي: حين يتوزع الخوف والرجاء والاعتماد بين الله والخلق، وكيف يستعيد القلب صفاء التوحيد دون وسواس ولا تهوين.

الشرك الخفي والرياء حين تقول الله أكبر وقلبك يرى الأزمة أكبر
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

🕴️ متلازمة الشريك الخفي: حين تقول «الله أكبر» وقلبك يتصرّف كأن الأزمة أكبر

هل رفعت يديك يومًا مكبّرًا للصلاة، وقلت بلسانك: الله أكبر، بينما كان قلبك المرتجف يتصرّف كأن الأزمة أكبر، أو المرض أكبر، أو المدير أكبر، أو السبب أكبر، أو رضا مخلوقٍ ما أكبر من طمأنينتك بالله؟

هذه لحظة كاشفة.

ليست المشكلة أنك خفت؛ فالخوف من طبيعة البشر. وليست المشكلة أنك أخذت بالأسباب؛ فالأسباب مأمورٌ بها. لكن المشكلة أن تقول جوارحك: الله أكبر، ثم يعيش قلبك كأن شيئًا آخر هو الأكبر: نظرة الناس، توقيع مسؤول، رسالة قبول، رصيدٌ في البنك، واسطة نافذة، باب رزق، أو مخلوق إن رضي اطمأننت، وإن أعرض انهرت.

نقرأ قصة إبراهيم عليه السلام وهو يحطّم الأصنام، ثم نطمئن سريعًا ونقول: الحمد لله الذي عافانا من عبادة الحجارة. كأن خطر الأصنام انتهى يوم سقطت هُبل واللات والعزّى، وكأن القلب لا يصنع أصنامه الخاصة إذا غفل عن الله.

لكن أصنام القلوب لا تأتي دائمًا على هيئة حجر؛ أحيانًا تأتي على هيئة نظرة، أو راتب، أو توقيع، أو مدح، أو سببٍ تضخّم في الداخل حتى صار أكبر من حجمه.

قد يسجد الجسد لله، بينما يتوزّع القلب في الخفاء: سهمٌ للناس، وسهمٌ للمدح، وسهمٌ للخوف من صاحب نفوذ، وسهمٌ للرصيد، وسهمٌ لخطةٍ يظن القلب أنها إن سقطت سقطت الحياة معها.

وهنا تظهر متلازمة الشريك الخفي: أن يكون الله حاضرًا في لسانك، لكن طمأنينتك تستأذن غيره قبل أن تستقر.

🔻 خديعة توزيع الحصص

الخطر لا يبدأ دائمًا بإعلانٍ واضح.

أحيانًا يبدأ بتسريبٍ صغير.

تصلي، نعم، لكن صوتك يتحسن قليلًا حين تعلم أن فلانًا يستمع. تتصدق، نعم، لكن قلبك يبرد إذا لم يلتفت أحد. تكتب كلمة نافعة، نعم، لكن فرحك بمدح الناس يغلب فرحك بأن الله اطّلع على نيتك. تعمل الخير، لكنك لا تهدأ حتى ترى أثره في العيون والتعليقات والثناء.

هنا لم يترك العبد الله، ولم يُحكم على قلبه بحكمٍ قاسٍ، لكن شيئًا دقيقًا حدث: اقتُطع سهمٌ من الإخلاص، ودخل المخلوق في موضعٍ لا ينبغي أن يدخل فيه.

هذه هي خديعة توزيع الحصص: أن يبقى ظاهر العمل لله، بينما تتسلل أسهم صغيرة من القلب إلى نظر الناس، أو رضاهم، أو مدحهم، أو خوفهم.

والقلب إذا لم يُفتَّش، اعتاد هذا التوزيع حتى لا يعود يراه خللًا.

يقول: أنا أعمل لله.
نعم، لكن لماذا انكسر قلبك حين لم يمدحك الناس؟

يقول: أنا آخذ بالأسباب.
نعم، لكن لماذا انهارت طمأنينتك حين ضعف السبب؟

يقول: أنا أحترم فلانًا.
نعم، لكن لماذا صار رضاه يحدد قيمتك، وخوفك، وقرارك، وجرأتك على الحق؟

ليس كل التفاتٍ للناس رياءً. وليس كل خوفٍ من سبب خللًا في التوحيد. لكن الخطر حين يتحوّل هذا الالتفات إلى مركز داخلي، وحين يصبح السبب مالكًا لطمأنينتك لا مجرد طريقٍ تسلكه.

وهذا المعنى يتصل مباشرة بمقال كيف يفسد الرياء العمل الصالح؟؛ لأن أخطر ما في الرياء أنه لا يبدأ دائمًا من أصل العمل، بل قد يتسلل إليه في الطريق حين يبدأ القلب يتفقد أثره في عيون الناس.

🔻 رسالة واحدة تكشف موضع القلب

تحدّق في شاشة الهاتف، تنتظر رسالة قبول، أو موافقة شخصٍ ذي نفوذ، أو ردًّا من جهةٍ تظن أن قرارها سيغيّر مصيرك. تراقب علامات القراءة كالغريق، وتقول بلسانك: يا رب… لكن قلبك معلّق بحركة إصبع مخلوق؛ كأن طمأنينتك صارت رهينة كلمة: نعم أو لا.

هذه اللحظة لا تكشف حاجتك فقط.

تكشف موضع اعتمادك.

هل قلبك يرتفع إلى الله أولًا، ثم يأخذ بالأسباب؟
أم يركض إلى السبب كأن النجاة كلها هناك؟

شتّان بين من يمسك السبب بيده وقلبه مسنودٌ على الله، وبين من يمسك السبب بيده ثم يسلّم له قلبه، كأن هذا السبب يملك المنح والمنع بذاته.

الأول موحّدٌ في وجهته، عاقلٌ في سعيه.
والثاني متعب؛ لأنه سلّم طمأنينته لشيءٍ هشّ قابلٍ للكسر.

والأسباب إذا دخلت اليد خدمتك، وإذا دخلت مقام التعلق في القلب أرهقتك.

🔻 أصنام العصر لا تعلن أسماءها

أصنام العصر لا تقول لك: أنا صنم.

بل تأتيك بأسماء محترمة:

الواقعية.
الأمان المالي.
العلاقات المهمة.
الظهور الجيد.
إرضاء الجمهور.
الحفاظ على المكانة.
الأخذ بالأسباب.

وكل هذه قد تكون مشروعة في أصلها إذا بقيت في موضعها الصحيح.

لكنها تتحول إلى خلل حين تكبر في القلب حتى تزاحم التوكل على الله، أو تدفعك إلى معصيته، أو تمنعك من قول الحق، أو تجعلك تنكسر لمخلوقٍ انكسارًا لا يليق إلا بفقر العبد لربه.

خذ بالأسباب، لكن لا تجعلها أربابًا صغيرة في داخلك. اشكر الناس، لكن لا تجعل رضاهم قبلة قلبك. احذر الخطر، لكن لا تجعل الخوف منه أكبر من يقينك بالله. اطلب الرزق، لكن لا تجعل الراتب أو المدير أو العميل مالك رزقك في وعيك الباطن.

السبب سبب.

والباب باب.

والخلق خلق.

والله وحده هو الرب، الرزاق، الفتاح، الوكيل، الحفيظ، الكافي.

ومن المواضع التي يظهر فيها هذا الخلل بوضوح: تعلق القلب بالرزق والراتب والوظيفة، ولهذا يناسب الرجوع إلى مقال اسم الله الرزاق لفهم الفرق بين السبب الذي نأخذ به، والمصدر الذي لا ينبغي أن يسكن القلب إلا إليه.

🔻 المشرط القرآني: حين يكشف الله خريطة القلب

قال الله تعالى:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾
[يوسف: 106]

هذه الآية لا تُستعمل سوطًا نضرب به كل خاطر عابر، ولا بابًا للوسواس، ولا حكمًا متسرعًا على قلوب العباد. لكنها توقظ المؤمن من الطمأنينة الزائفة.

تقول له: فتّش.

لا تكتفِ بأن لسانك يقول: آمنت بالله. انظر: أين يذهب خوفك؟ أين يستقر رجاؤك؟ من الذي يملك قرارك الداخلي؟ من الذي إن رضي عنك اطمأننت، وإن أعرض عنك انهرت؟ ما السبب الذي صار في داخلك أكبر من كونه سببًا؟

ثم يأتي الميزان الجامع:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ﴾
[الأنعام: 162-163]

ليست صلاتي وحدها لله.

بل نسكي، ومحياي، ومماتي، وخوفي، ورجائي، وسعيي، ونجاحي، وفشلي، وعملي، وسمعتي، وخلوتي، وموقفي أمام الناس، وموقفي حين لا يراني الناس.

كلها لله.

وأي التفاتٍ يزاحم هذا الأصل، فهو جرح في صفاء العبودية، يجب أن يُداوى قبل أن يتسع.

🔻 “لولا الله ثم السبب”

من دقة التوحيد أن يتربى اللسان على ترتيب القلب.

لا تقل: لولا الطبيب لهلكت.
قل: لولا الله ثم الطبيب.

لا تقل: فلان أنقذني.
قل: أنقذني الله، وسخّر فلانًا سببًا.

لا تقل: الوظيفة أمنت مستقبلي.
قل: رزقني الله بها، وجعلها سببًا.

لا تقل: مالي حمَاني.
قل: سترني الله، وجعل المال سببًا من أسبابه.

هذه ليست ألفاظًا شكلية.

إنها إعادة ترتيب للداخل.

الله أولًا، لا مجاملة في العبارة، بل حقيقة في الاعتقاد. ثم تأتي الأسباب بعد ذلك في مواضعها: تُشكر، وتُقدّر، وتُحسن إدارتها، لكن لا تُمنح مقامًا لا تملكه.

الخلل يبدأ حين يغيب “ثم”.

حين يرى القلب يد المخلوق، ولا يرى تدبير الخالق. حين يرى الباب المفتوح، ولا يرى الفتاح. حين يرى العلاج، ولا يرى الشافي. حين يرى الراتب، ولا يرى الرزاق.

وهذا باب قريب من معنى هل الأسباب تضمن النتيجة؟؛ فالأسباب مأمور بها، لكنها لا تستقل بالنتائج، ولا يصح أن تتحول في القلب إلى ضمانٍ نهائي.

🔻 تطبيقات الخلفية في القلب

قد يُستنزف إيمانك كما تُستنزف بطارية الهاتف: لا بسبب عطلٍ ظاهر، بل بسبب تطبيقات خفية تعمل في الخلفية.

خوفٌ مفرط من الناس.
تعلقٌ بالمدح.
اعتمادٌ زائد على الأسباب.
قلقٌ يبتلع التوكل.
انتظارٌ مستمر لرضا مخلوق.
رغبةٌ في أن تبدو صالحًا أكثر من رغبتك أن تكون صادقًا عند الله.
مراقبةٌ لصورتك أمام الجمهور أكثر من مراقبتك لقلبك أمام الله.

هذه التطبيقات لا تصرخ.

لكنها تستنزف النور.

تجعل العبادة ثقيلة، والإخلاص هشًا، والقلب مشتتًا؛ لأنه لا يعيش لله وحده، بل يوزع نفسه على جهات كثيرة.

ولذلك يحتاج القلب كل يوم إلى زرّ: إغلاق الكل.

أن تقول:

يا رب، أخرج من قلبي ما زاحمك.
ردّ خوفي إليك.
وردّ رجائي إليك.
وردّ اعتمادي عليك.
ولا تجعل قلبي متسولًا عند أبواب الخلق وهو يعرف بابك.

ليس المطلوب أن تترك الأسباب.

المطلوب أن تغلق عملها في منطقة العبودية.

دع الأسباب تعمل في يدك، لا في مقام التوكل داخل قلبك.

ومن أشد هذه التطبيقات خفاءً: تغيّر النية بعد العمل الصالح، ولذلك يناسب هنا مقال تقلب النية؛ لأنه يشرح كيف يبدأ العمل صافيًا ثم يُسرق في الطريق.

🔻 النملة الخفية

ورد في الدعاء المأثور:

«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ».

هذا الدعاء وحده يكفي ليعلّمك أن القلب أخفى من أن تأمن عليه بمجرد حسن الظن بنفسك.

تخيل نملة سوداء، على صخرة سوداء، في ليلة مظلمة.

لا صوت.
لا أثر ظاهر.
لا حركة تلفت العين.

هكذا قد يدخل الرياء.

لا يقول لك: أنا رياء. بل يقول: حسّن الأداء قليلًا؛ الناس ينظرون.

وهكذا يدخل التعلق بالمدح.

لا يقول لك: أنت تعمل للناس. بل يقول: من حقك أن يقدّروا تعبك.

وهكذا يدخل الاعتماد الزائد على الأسباب.

لا يقول لك: انسَ الله. بل يقول: كن واقعيًا، هذا الباب هو كل شيء.

وهكذا يدخل خوف الخلق.

لا يقول لك: اجعلهم فوق الله. بل يقول: احذر، إن غضبوا عليك انتهيت.

هذه النملة الخفية لا تُقتل بادعاء السلامة، بل بالمراقبة والاستغفار والرجوع المتكرر إلى الله.

لا تقل: أنا بعيد عن هذا.

قل: يا رب، سلّم قلبي من خفيّ ما لا أعلم.

🔻 جهاز كشف القلب

ضع قلبك أمام اختبارٍ لا تجميل فيه.

في لحظة الأزمة

حين يقع الخطب فجأة: مرض، خسارة، تهديد، ضيق رزق، باب مغلق، خوف من المستقبل… من أول من يلتفت إليه قلبك؟

هل يرتفع إلى الله أولًا، ثم يأخذ بالأسباب؟
أم يركض إلى السبب كأن النجاة كلها هناك؟

لحظة الفزع الأولى تكشف الملاذ الأول في قلبك.

لا يعني هذا ألا تتصل بالطبيب، أو ألا تطلب المساعدة، أو ألا تتحرك. لكن السؤال: من الذي يستيقظ في قلبك أولًا؟

الله؟
أم السبب؟

في لحظة العمل الصالح

إذا فعلت خيرًا ولم يره أحد، هل يهدأ قلبك لأن الله رآه، أم تشعر أن العمل نقص لأن الناس لم يصفقوا له؟

إذا ضاق صدرك لأن أحدًا لم ينتبه، ففتش نيتك.

قد تكتشف أنك لم تكن تنتظر قبول الله وحده، بل كنت تنتظر أجرًا آخر: المديح.

وهذا ما يعالجه مقال إخلاص النية في العمل الصالح من جهة الشريك الصامت الذي يسرق العمل من طريقه إلى الله.

في لحظة الخلوة

حين يُغلق الباب، وينصرف الناس، وتسقط الصورة الاجتماعية… هل يبقى في قلبك من تعظيم الله ما يمنعك؟

أم كان أكبر حارسٍ عليك هو خوف الفضيحة؟

الخلوة لا تصنع القلب وحدها، لكنها تكشف من الذي كان يحرسه.

في لحظة رضا الناس وسخطهم

من الذي إذا رضي عنك اطمأننت أكثر مما ينبغي؟
ومن الذي إذا سخط عليك انهرت كأن الحياة ضاقت كلها؟
من الذي تراجع الحق لأجل عينه؟
من الذي تُحسّن صورتك أمامه أكثر مما تُصلح حقيقتك عند الله؟

قد يكون هذا الشخص أخذ في قلبك مساحة لا تليق بمخلوق.

🔻 فقرة الميزان: لا تحوّل التفتيش إلى وسواس

لا يعني هذا أن كل فرحٍ بمدح الناس رياء كامل.

ولا أن كل خوف من سبب خلل في التوحيد.

ولا أن كل اضطراب في الأزمة دليل مرض في القلب.

ولا أن استعمال الأسباب ينافي الاعتماد على الله.

العبد بشر.

يفرح إذا شُكر. ويتأثر إذا ذُمّ. ويخاف من الأذى. ويحتاج إلى الأسباب. ويطلب العون. ويتألم إذا خذله الناس.

هذا كله مفهوم.

لكن الخطر في الاستقرار.

أن يستقر القلب عند الناس.
أن يصير رضاهم وقوده.
أن يصير سخطهم كسره.
أن يصبح السبب مالك الطمأنينة.
أن يعمل العبد الخير ولا يطمئن إلا إذا شاهده الخلق.
أن يخاف من المخلوق خوفًا يجعله يترك حقًا أو يفعل باطلًا.

فرق بين خاطر يمر، ومرض يستقر.

وفرق بين سبب تأخذه بيدك، وسبب تسكن إليه بقلبك.

وفرق بين فرحٍ بشكر الناس، وبين عبوديةٍ خفية لمدحهم.

فتش قلبك لترده إلى الله، لا لتحتقر كل عمل صالح تقوم به.

🔻 كيف تطرد الشركاء الوهميين؟

أولًا: سمِّ الشريك الخفي

لا تتركه غامضًا.

اسأل نفسك: من الذي أخافه أكثر مما ينبغي؟ من الذي أرجوه أكثر مما ينبغي؟ ما السبب الذي إذا اهتز اهتز قلبي كله؟ ما الباب الذي أظن أن إغلاقه نهاية الطريق؟ من الذي أطلب رضاه ولو خالفت شيئًا من رضا الله؟ ما العمل الذي لا أطمئن إليه إلا إذا رآه الناس؟

التسمية بداية التحرير.

ثانيًا: أعد السبب إلى حجمه

قل لقلبك:

هذا سبب، لا رب.
هذا باب، لا مالك للأبواب.
هذا مخلوق، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله.
هذا مدح، لا يرفعني إن لم يرفعني الله.
هذا ذم، لا يسقطني إن علم الله صدقي.

ثالثًا: درّب نفسك على أعمال السر

اعمل عملًا لا يعرفه أحد.

صدقة خفية.
ركعتان في ليل.
دعاء لإنسان لا يدري.
مساعدة لا تُنسب إليك.
استغفار لا يراه أحد.
ترك معصية في خلوة لا يعلم بها إلا الله.

أعمال السر ليست زينة روحية؛ إنها علاج عملي لإدمان نظر الناس.

رابعًا: قلّل التفاتك بعد العمل

بعد كل عمل صالح، لا تكثر من مراقبة أثره في الناس.

قل: يا رب تقبل.

ثم امضِ.

من أطال النظر إلى وجوه الناس بعد الطاعة، فتح بابًا على نيته.

خامسًا: صحّح ألفاظك

عوّد لسانك أن يقول:

لولا الله ثم فلان.
هذا من فضل الله.
الله سخّر.
الله فتح.
الله يسّر.
الله رزق.
الله لطف.

الألفاظ ليست شكلًا فارغًا؛ إنها تربية متكررة للقلب.

سادسًا: أكثر من دعاء السلامة

قل:

«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ».

قله لا كعبارة محفوظة، بل كاعتراف:

يا رب، أنا لا أعرف كل زوايا قلبي. ولا أرى كل تسريبات نيتي. ولا آمن على نفسي من مدحٍ يسرقني، أو خوفٍ يذلني، أو سببٍ يأخذ من قلبي فوق حقه. فطهّرني مما أعلم، واغفر لي ما لا أعلم.

القلب لا يكون حرًا حتى يخرج منه الشركاء الوهميون.

أدوات لا آلهة.
أسباب لا أرباب.
طرق لا غايات.

خلقٌ يُشكرون ولا يُعبد رضاهم.
وأسباب تُؤخذ ولا يُسلَّم لها القلب.
وأبواب تُطرق ولا يُنسى الفتاح.

لا تقبل بقلب مقسّم.

فالله أغنى الشركاء عن الشرك، ومن أراد السلامة فليجعل عمله لله، وخوفه من الله، ورجاءه في الله، واعتماده على الله.

أما الناس، فأنزلهم منازلهم.

أحبّهم.
واشكرهم.
واستعن بهم فيما أباح الله.
وأحسن إليهم.
ولا تظلمهم.
ولا تحتقر أسبابهم.

لكن لا تجعلهم يسكنون في موضع لا ينبغي أن يسكن فيه إلا تعظيم الله.

وحين يعود قلبك إلى هذا الميزان، تبدأ حريتك الحقيقية:

أن تعمل ولا تستعبدك العيون.
وأن تأخذ بالأسباب ولا تركع لها روحك.
وأن تشكر الناس دون أن تنسى المسخّر.
وأن تخاف الخطر دون أن تنسى الحفيظ.
وأن تقول بصدق:

اللهم اجعل قلبي لك، وعملي لك، وخوفي منك، ورجائي فيك، واعتمادي عليك، ولا تجعل لأحدٍ في قلبي سهمًا يزاحم حقك.

أسئلة شائعة حول الشرك الخفي والرياء

ما معنى الشرك الخفي؟

الشرك الخفي هو كل تعلق دقيق يزاحم صفاء العبودية لله، مثل الرياء، أو التعلق المفرط بنظر الناس، أو خوف المخلوق خوفًا يجعلك تترك حقًا أو تفعل باطلًا، أو الاعتماد على الأسباب اعتمادًا يجعل القلب ينسى مسببها. وهو ليس حكمًا متسرعًا على الناس، بل باب تفتيش للنفس وتطهير للقلب.

ما الفرق بين الأخذ بالأسباب والتعلق بها؟

الأخذ بالأسباب أن تعمل وتسعى وتخطط وتستعين بما أباحه الله، مع بقاء القلب معتمدًا على الله. أما التعلق بالأسباب فهو أن تصبح الأسباب مصدر الطمأنينة النهائي، فإذا ضعفت انهار القلب كأنها تملك النفع والضر بذاتها. السبب يكون في اليد، لا في مقام التوكل داخل القلب.

هل الفرح بمدح الناس رياء؟

ليس كل فرح بمدح الناس رياءً. الإنسان بطبعه يفرح بالكلمة الطيبة. لكن الخطر حين يصبح المدح مقصودًا في العمل، أو حين لا يطمئن القلب للعمل الصالح إلا إذا رآه الناس وأثنوا عليه، أو حين ينكسر العبد لغياب الثناء أكثر من خوفه على قبول العمل عند الله.

كيف أعرف أن في قلبي شريكًا خفيًا؟

راقب مواضع الاضطراب: من الذي إذا رضي عنك اطمأننت، وإذا سخط عليك انهرت؟ ما السبب الذي إذا ضعف شعرت أن الحياة انتهت؟ ما العمل الذي لا يطمئن قلبك إليه إلا إذا شاهده الناس؟ هذه الأسئلة لا تُطرح لفتح باب الوسواس، بل لإعادة القلب إلى الله.

كيف أعالج الرياء وخوف نظر الناس؟

من علاجه أعمال السر، وتقليل الالتفات بعد العمل، وكثرة دعاء السلامة من الشرك الخفي، وتصحيح الألفاظ مثل: لولا الله ثم فلان، وتعويد القلب أن يطلب قبول الله قبل قبول الناس. واعمل الخير ولا تتركه خوفًا من الرياء، لكن جاهد نيتك واستغفر بعد العمل.

هل الخوف من الناس يناقض التوكل؟

الخوف الطبيعي من الأذى لا يناقض التوكل، فالعبد بشر. لكن الخوف يصبح خللًا حين يحكم القرار، أو يدفع إلى معصية، أو يمنع من واجب، أو يجعل رضا المخلوق أكبر في القلب من رضا الله. التوكل لا يلغي الخوف، لكنه يمنعه من أن يصير سيدًا للقلب.

اقرأ أيضًا

اللهم اجعل قلوبنا لك وحدك، وأعمالنا لك وحدك، وخوفنا منك، ورجاءنا فيك، واعتمادنا عليك.
اللهم طهّر قلوبنا من الرياء، ومن التعلق بالخلق، ومن عبودية المدح، ومن الخوف الذي يذلّنا لغيرك.
اللهم ارزقنا أخذًا بالأسباب بلا عبودية لها، وشكرًا للناس بلا نسيانٍ لمن سخّرهم، وإخلاصًا لا يسرقه نظر الخلق، وتوحيدًا يردّ كل شيء إلى حجمه الصحيح.
اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم.

تعليقات

عدد التعليقات : 1